بعد حملات تطهير عرقي

ميانمار تواصل نزع الشرعية عن الروهينغا

تهجير الروهينغا أدى إلى أزمة إنسانية وأكبر تجمع للاجئين في العالم. أرشيفية

خلال الشهر الماضي، تحركت محكمة العدل الدولية لرفض الاعتراضات الأولية من قبل سلطات ميانمار في القضية الجارية حول حملة الإبادة في عام 2017، والتي نجم عنها ترحيل جماعي لطائفة الروهينغا المسلمة عن ديارها، وأدت الحملة إلى أزمة إنسانية وأكبر تجمع للاجئين في العالم.

وتصدرت هذه الأخبار عناوين الصحف على نحو مبرر، بيد أنه كان هناك بُعد آخر لحملة التطهير البشرية التي قام بها جيش بورما ضد الروهينغا، حيث لم يحظَ هذا البعد بالاهتمام الكافي، ويتمثل في الاستخدام الضار لوثائق الهوية كتكتيك متعمد تقوم به الدولة. ولفهم هذه النقطة، من المهم الإشارة سريعاً إلى تاريخ العلاقة بين الروهينغا وجهاز الدولة في بورما ما بعد الاستقلال، التي تعرف الآن باسم ميانمار.

وشهدت فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي مستوى معيناً من التمثيل المدني للروهينغا في الدولة. وتم إصدار بطاقات تسجيل هوية لهم باعتبارهم مواطنين لبورما، وكذلك جوازات سفر لمن يريدون السفر منهم. ولكن في سبعينات القرن الماضي تعرض الروهينغا الذين يعيشون في ولاية «راخين» لسلسة من هجمات الجيش على ولايتهم، مما أدى إلى الموجة الأولى من هروب اللاجئين في المنطقة. وفي عام 1982 تم شطب قانون المواطنة للروهينغا باعتبارهم عرقية معترفاً بها، حيث أصبحوا شعباً مشرداً بين عشية وضحاها.

وفي هذه المرحلة، وجد الروهينغا بطاقات الهوية السابقة بهم ملغاة وباتت الحكومة تصدر لهم «ورقة بيضاء»، والتي تمثل نوعاً من الحالة المؤقتة التي تتطلب التحقق من طبيعة مواطنتهم. وكانت هذه الأوراق البيضاء سياسة متعمدة لجعل وضعية إقامتهم في حالة تيه كامل.

وفي عام 2015، تم إلغاء هذه الأوراق البيضاء أيضاً، واستعادتها الحكومة من سكان الروهينغا، وكان يطلب من الروهينغا القيام ببعض الإجراءات كتقديم طلب من أجل بطاقات التحقق الوطنية الجديدة، ولم يكن الحصول على هذه البطاقات أمراً صعباً فقط وإنما يتطلب دليلاً موثقاً من ثلاثة أجيال لهذا النسب تربط حامل البطاقة بالمنطقة التي يعيش فيها، ولكن البطاقة أقل قدراً من البطاقات البيضاء السابقة التي تم إصدارها سابقاً.

وتقتضي بطاقات التحقق الوطنية الجديدة أن الروهينغا يُصنفون باعتبارهم «بنغاليين»، وبالتالي فإنهم يتنازلون عن هويتهم العرقية الجماعية ويشاركون في الرواية الدعائية التي مفادها أنهم من نسل العمال البنغاليين الذين تم جلبهم إلى بورما إبان الحكم الاستعماري البريطاني. وكانت البطاقة بحد ذاتها تأكيداً على وضعهم باعتبارهم أجانب يقدمون طلباً للحصول على الجنسية، وليسوا أشخاصاً جنسيتهم بحاجة إلى التحقق، كما كان الوضع في السابق. وكما كان متوقعاً، عندما تم إصدار بطاقات التحقق الوطنية الجديدة للمرة الأولى تم رفضها من قبل الروهينغا، لأنها كانت تمثل وبوضوح شكلاً من أشكال نزع الشرعية العرقية عنهم والتي كانت السمة المميزة لسياسة دولة بورما خلال العقود المنصرمة.

ومنذ عام 2017، أجبر الجزء المتبقي من الروهينغا في الدولة على تبني هذا النظام الجديد من بطاقات التحقق الوطنية بموجب الظروف القمعية السائدة، وإلا فإنهم سيواجهون التهديدات المتواصلة أو الاعتقال أو المنع من الحصول على الرعاية الصحية والتعليمية. ويهدف استخدام بطاقات الهوية هذه كوسيلة لتدمير الروهينغا ببطء وببراعة، وتعمل على إكمال ما يقوم به نظام ميانمار من خلال استخدام القوة العسكرية.

وعلى الرغم من أن نظام ميانمار يستخدم تكتيك إصدار هذه الهوية لإبعاد الإدانات الدولية لما يحدث من أهوال بحق الروهينغا في ولاية راخين، إلا أن الحقيقة إنها جانب من جوانب الصراع الذي يجب تسليط الضوء عليه على نحو أكبر بالنظر إلى الحقيقة المحزنة لهذه الإبادة التي تحدث أمام أعين المجتمع الدولي في القرن الـ21.

ثاقب شيخ مستشار مشروع اللاجئين في ماليزيا


تقتضي بطاقات التحقق الوطنية الجديدة أن الروهينغا يُصنفون باعتبارهم «بنغاليين»، وبالتالي فإنهم يتنازلون عن هويتهم العرقية الجماعية ويشاركون في الرواية الدعائية التي مفادها أنهم من نسل العمال البنغاليين الذين تم جلبهم إلى بورما إبان الحكم الاستعماري البريطاني. 

طباعة