أردوغان واثق بأن الغرب أدرك أخيراً أن دور بلاده لا يمكن الاستغناء عنه

باحثان تركيان: أنقرة تسعى للكسب من الحرب في أوكرانيا

صورة

يرى الباحثان التركيان، جونول تول، وألبير كوسكون، أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحول الأزمات إلى فرص، فهذا هو أسلوب عمله.

وتقول مديرة البرنامج التركي في معهد دراسات الشرق الأوسط جونول تول، وأحد كبار زملاء برنامج أوروبا بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ألبير كوسكون، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إن الأزمة حول أوكرانيا هي مجرد آخر مثال على ذلك.

الصدمة الأولى

فبعد الصدمة الأولى للغزو الروسي، الذي وضع تركيا في موقف غير مريح، يبدو أن أردوغان الآن يتمتع بالواقع السياسي الجغرافي الجديد، فقد أصبح الغرب وروسيا في الوضع الذي يرغب في أن تكونا فيه؛ حيث الغرب في وضع يدين فيه بالفضل لأردوغان، بينما روسيا في وضع ضعيف للغاية يحول دون وقوفها ضده.. أو هكذا يعتقد هو!

ففي أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، أدى دور تركيا الرئيس في أمن بحر البلطيق، ودور أردوغان الموازن المطاطي، بين موسكو وكييف، إلى تعزيز مكانة أنقرة في الغرب بدرجة كبيرة، فقد أصبحت العلاقات بين تركيا والحلفاء الغربيين ودية مرة أخرى، بعد سنوات من العلاقات المجمدة، بسبب عدد من القضايا، بما في ذلك توغل تركيا في شمال سورية وشراء نظام الدفاع الصاروخي «إس-400»، الذي أدى إلى فرض عقوبات غربية.

إشادة غربية

وأشادت العواصم الغربية بمبيعات تركيا لطائرات مسيرة لأوكرانيا وقرارها بإغلاق مضيقي البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية الروسية، في ممارسة لحق أنقرة وفق المادة «19» من اتفاقية مونترو لعام 1936، وإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الروسية المتجهة إلى سورية. ومما زاد من تعزيز مكانة تركيا عرضها الأخير المساعدة في إزالة الألغام قبالة ساحل ميناء أوديسا الأوكراني، وحراسة السفن التي تحمل منتجات زراعية أوكرانية لتجنب حدوث أزمة غذاء عالمية كبرى.

لا غنى عن دور تركيا

ويبدو أردوغان واثقاً بأن الغرب أدرك أخيراً دور تركيا الذي لا يمكن الاستغناء عنه في الأمن الغربي، ومما زاد ثقته بطاقة الاعتراض التي حملتها تركيا ضد طلب السويد وفنلندا الانضمام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، تلك الخطوة من شأنها أن تحول النطاق الأمني في أوروبا؛ إذ يبدو من الواضح أن الاتفاق الذي أبرمه مع الدولتين أخيراً، والذي تم بموجبه رفع الاعتراض على انضمامهما لعضوية الناتو، قد استجاب لمطالب أنقرة، وراعى حاجاتها الأمنية.

ولاشك أن الأهمية الاستراتيجية الكبيرة التي اضطلعت بها تركيا بالنسبة للجهود الغربية لمواجهة روسيا في أعقاب غزوها لأوكرانيا توفر لأردوغان الفرصة المناسبة لانتزاع تنازلات من الغرب. وأحد المجالات الرئيسة بالنسبة لأردوغان في هذا الصدد هو المشتريات العسكرية، فالعديد من دول الاتحاد الأوروبي، ومن بينها السويد وفنلندا أوقفت صادرات الأسلحة لتركيا بسبب توغلها العسكري في أواخر عام 2019 في شمال سورية، ومع ذلك فإن الانتكاسة المقلقة الحقيقية حدثت في مطلع عام 2019 عندما اتخذت الولايات المتحدة قراراً بوقف بيع الطائرات «إف-35» لتركيا بعد شرائها نظام الدفاع الصاروخي الروسي «إس-400». ومنذ ذلك الحين طلبت تركيا شراء 40 طائرة مقاتلة «إف-16» جديدة، و80 من معدات التحديث لأسطول طائراتها الحالي.

ويرى الباحثان التركيان أن الكونغرس يمارس ضغطاً على إدارة الرئيس جو بايدن لمنع اتمام الصفقة، وقد أدت العقوبات الغربية إلى عرقلة خطط التحديث في تركيا، ووجهت ضربة كبيرة لصناعتها العسكرية.

العودة للأسواق الغربية

وقبل الغزو الروسي لأوكرانيا فكرت تركيا في العديد من الاختيارات للتغلب على تداعيات العقوبات الغربية، من بينها شراء مقاتلات روسية، والتعاون مع أوكرانيا في مجال صناعة المحركات. وأرغمت الحرب تركيا للعودة للأسواق الغربية، ويأمل أردوغان في استغلال وضع تركيا المتجدد كعضو رئيس في الناتو وما تتمتع به من حق الاعتراض على انضمام السويد وفنلندا للحلف لإرغام الدول الغربية على إنهاء القيود المفروضة على الصادرات العسكرية إلى تركيا.

كما يرغب أردوغان في الاستفادة من ضعف روسيا أيضاً، فقد سعى منذ وقت طويل للقيام بعملية عسكرية أخرى في شمال سورية لإقامة منطقة آمنة يمكن أن تؤوي نحو 3.6 ملايين لاجئ سوري يعيشون في تركيا، ومع ذلك فإن اعتراضات روسيا والولايات المتحدة تسببت في عدم تنفيذه لخططه.

توغل جديد

ويبدو أن أردوغان يرى أن الوقت الحالي هو الوقت الملائم للقيام بتوغل جديد في ضوء انشغال روسيا في أوكرانيا، والرفض القومي المتزايد للاجئين السوريين في تركيا، قبل انتخابات عام 2023. وأراد استغلال حق تركيا في الاعتراض على انضمام السويد وفنلندا للناتو لضمان إذعان الغرب لمطالبه.

ويقول الباحثان إنه ربما يحصل أردوغان على بعض الأمور التي يريدها، إذا ما ألغت السويد وفنلندا قيودهما على صادرات المعدات العسكرية إلى تركيا، أو وافقت روسيا على توغل تركي آخر في شمال سورية، ولكن جهود أردوغان للضغط على واشنطن يمكن أن تكون ذات آثار عكسية، حيث من المرجح أن تعزز أي عملية تركية أخرى في سورية الجبهة المضادة لأردوغان في العواصم الغربية.

ويبدو أن إدارة بايدن على استعداد لبيع طائرات «إف-16» لتركيا؛ ففي رسالة إلى الكونغرس، قالت وزارة الخارجية إن أي بيع محتمل لطائرات «إف-16» المقاتلة لتركيا سيكون متماشياً مع المصالح الأمنية القومية للولايات المتحدة، كما أنه سيخدم وحدة الناتو طويلة الأمد، فقد أقنع موقف أردوغان بالنسبة لأوكرانيا بعض الأعضاء البارزين في الكونغرس بدعم الصفقة، لكن يبدو أن تهديد أردوغان الأخير بمنع انضمام السويد وفنلندا للناتو أدى إلى تغير الموقف في الكونغرس، حيث أثارت أغلبية من الحزبين الرئيسين الأميركيين مخاوف إزاء ما يعتبرونه ابتزازاً من جانب أردوغان، كما أن التوتر المتزايد بين اليونان وتركيا لا يساعد أردوغان أيضاً.

فرص جديدة

ويختتم الباحثان تقريرهما بأن الغزو الروسي لأوكرانيا فتح فرصاً جديدة أمام تركيا، ولكن يتعين على أردوغان عدم المبالغة في مناوراته، فموقف تركيا الانتهازي واعتراضها على طلب انضمام السويد وفنلندا للناتو يمكن أن يكون علامة فارقة على مكانتها المتضائلة كحليف في الناتو.


أشادت العواصم الغربية بمبيعات تركيا لطائرات مسيرة لأوكرانيا وقرارها إغلاق مضيقي البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية الروسية، في ممارسة لحق أنقرة وفق المادة «19» من اتفاقية مونترو لعام 1936، وإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الروسية المتجهة إلى سورية.

يبدو أن أردوغان الآن يتمتع بالواقع السياسي الجغرافي الجديد، فقد أصبح الغرب وروسيا في الوضع الذي يرغب في أن تكونا فيه؛ حيث الغرب في وضع يدين فيه بالفضل لأردوغان، بينما روسيا في وضع ضعيف للغاية، يحول دون وقوفها ضده.

طباعة