يصعب الحدّ من انتشاره

السلاح الناري الشخصي في أميركا أصبح رمزاً للرجولة

صورة

تعاني الولايات المتحدة موجة عنف مسلح، يبدو أحياناً كما لو أن الحرب الأهلية عادت إلى داخل أميركا نفسها. في عام 2021، زادت حوادث إطلاق النار بنسبة 52٪ مقارنةً بعام 2020، وفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي.

وفي نهاية هذا الأسبوع، تسببت حوادث القتل الجماعي في بنسلفانيا وكارولينا الجنوبية في ازدياد عدد الضحايا في بوفالو، نيويورك؛ أوفالد، تكساس؛ تولسا، وأوكلاهوما. المحارب الأميركي، جيمس ستريكنلاند، الذي حارب من أجل بلاده 10 أعوام ولاتزال بندقيته الآلية تتدلى من كتفه، يعتقد أن السلاح الناري ليس هو السبب في حوادث القتل الجماعي، فالسلاح الناري ينصاع فقط لأفكار حامله.

وخلال العقد الذي أعقب إطلاق النار الجماعي في مدرسة ساندي هوك الابتدائية في نيوتاون، كونيتيكت، ساعد هذا المنظور في دفع الجدل حول الأسلحة نحو نغمة دينية تقريباً، يعتبرها البعض بأنها معركة بين الخير والشر تتجاوز السياسة الجيدة أو السيئة. وتعتقد هذه المجموعة الصغيرة من الأميركيين والزعماء الدينيين، أنه كلما أصبح الحصول على الأسلحة النارية مسألة أخلاقية، أصبح الدفاع عنها قضية وطنية تهدف للدفاع عن حماية فضائل أميركا.

أما بالنسبة إلى المدافعين عن الحد من حمل الأسلحة، بمن في ذلك الزعماء الدينيون أيضاً، فإنه كلما أصبح المزيد من الأسلحة شيئاً مقدساً تقريباً، أصبح الأمر أكثر تعقيداً لتمرير التشريعات التي تدعمها الغالبية العظمى من الأميركيين في شكل قوانين.

عالم الاجتماع بجامعة ويك فورست، ومؤلف كتاب «ثورة حمل السلاح المخفية»، ديفيد يامان، يقول: «لا يعتقد الناس في الواقع أن البندقية مقدسة، ولكن ما تمثله البندقية شيء مقدس»، ويضيف «عندما ينظرون إلى بنادقهم فإنهم يرون الحرية والاستقلال، وفضل الله في أن تكون أميركا على ما هي عليه».

في أقل من عقد من الزمان، لاحظ الباحثون عمقاً جديداً لمفهوم «الإيمان والبنادق». المزيد والمزيد من حاملي الأسلحة يربطون بنادقهم بقوة رمزية تتعلق بمنظور ضيق، لكنه قوي للهوية المسيحية المحافظة. ويعرضون آراءهم عن البندقية في وسائل التواصل الاجتماعي على شكل تبجيل. ومثل هذه الأفكار يسوّقونها بفخر للأطفال.

ويقول الفيلسوف بجامعة كنتاكي الشرقية، مايكل أوستن، ومؤلف كتاب «الله والأسلحة والبنادق في أميركا»: «لقد أصبحت الأسلحة أكثر من مجرد أداة». ومنذ يناير، على سبيل المثال، أظهر أكثر من 100 إعلان سياسي المرشحين الجمهوريين وهم يحملون الأسلحة النارية بمثابة إشارة لأوراق اعتمادهم المحافظة.

الحرية والاستقلال

وبالنسبة للعديد من مالكي الأسلحة النارية، تتجاوز ملكية الأسلحة النارية الحماية الذاتية والرياضة والاستبداد الحكومي، لترتبط بالميثاق الدستوري الأميركي الذي يكفل الاستقلال والحرية الشخصية. كما كتب مالك السلاح في فلوريدا، ميغيل غونزاليس، في رسالة بريد إلكتروني: «ظلت البنادق جزءاً من الحمض النووي للأمة المستقبلية».

عدد مالكي السلاح الفردي صغير نسبياً، نحو 16 مليون أميركي، كما يقول الأستاذ الفخري للعلوم السياسية في جامعة ولاية نيويورك كوليدج في كورتلاند، روبرت سبيتزر. لكن جميع هؤلاء تقريباً من المؤيدين المتحمسين لحقوق السلاح، كما يقول، وكلهم تقريباً سيعارضون أي قوانين للحد من حمل الأسلحة النارية.

تزايد انعدام الثقة في المؤسسات الأميركية، بما في ذلك الكنيسة، أدى لخلق شخصية إيمانية اعتقادية ونظام مجتمعي مختلف، وغالباً ما ترتبط مثل هذه الاعتقادات الشخصية برموز مثل الأعلام والأقنعة والأسلحة، وغالباً ما ترتبط بهدف سياسي بشكل خاص. ويسلط هذا الموقف الضوء على ما يسميه البروفيسور يامان «تفاوتاً غريباً.. في أمة عنيفة للغاية، وفي الوقت نفسه مسالمة بشكل غير عادي». ويأتي ظهور البندقية كرمز للهوية المسيحية والهوية المحافظة عند تقاطع الاتجاهات العلمانية والدينية التكتونية.

لا للكنيسة

كان عام 2020 هو العام الأول الذي أكد فيه غالبية الأميركيين أنهم لم يعودوا ينتمون إلى الكنيسة، وفقاً لمؤسسة غالوب. وانخفض هذا الانتماء 47٪ من نحو 70٪ في العقود السابقة. وفي الوقت نفسه، يمتلك 81.4 مليون أميركي أسلحة نارية، وفقاً لمسح الأسلحة النارية الوطني لعام 2021، مع رقم قياسي يتمثل في بيع 22.8 مليون بندقية في عام 2020.

انخفاض وتيرة الصيد

بينما انخفضت وتيرة الصيد منذ وقت طويل، نمت رياضة الرماية والدفاع عن النفس، التي عززتها قرارات المحكمة العليا منذ عام 2008، وأصبح امتلاك السلاح الخاص حقاً دستورياً. ومثل هذه الترسانة الضخمة من الأسلحة الشخصية تجعل البلد ملغّماً بالمخاطر. في السنوات الأخيرة، شارك المسلحون في احتجاجات كبيرة، ما أدى إلى تغيير ديناميكيات حرية التعبير. وللمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، يموت عدد أكبر من الأطفال سنوياً بسبب الأسلحة النارية أكثر من أي سبب آخر. وفي هذه الأثناء، يرى العديد من مالكي الأسلحة أن الجريمة المتزايدة هي نتيجة السياسات المتحررة حول الكفالة والسجن، والتي تجسدت هذا الأسبوع في الدعوة لإقالة المدعي العام التقدمي في سان فرانسيسكو.

من ناحية أخرى، كتب المطران دانييل فلوريس من أبرشية براونزفيل في تكساس، أخيراً، على «تويتر» أن الأميركيين «يقدسون أدوات الموت، ثم يتفاجأون من أن الموت يستخدم الأسلحة نفسها». وقال الأسقف فلوريس لموقع الويب الكاثوليكي «ذي بيلر»: «عندما نرفع حق الفرد لمستوى أعلى من المناسب فإن أي شيء يعتبره هذا الفرد مقدساً لا يقبل لديه أي مناقشة».

ويرى بعض المراقبين من اليمين أن هناك أيضاً تهديداً، ليس من دعاة الحد من الأسلحة، ولكن من مجتمع السلاح نفسه. وكتب ديفيد فرينش، المحارب المخضرم والمحامي والمسيحي الملتزم، في صحيفة ديسباتش: «عبادة السلاح يعتبر أمراً عدوانياً بشكل أساسي، وغير مسؤول إلى حد كبير، ومن المحتمل أن يزعزع استقرار الديمقراطية الأميركية».

تأثير سلبي

ويعتقد الباحثون الاجتماعيون أن هناك بعض التأثير السلبي. وبما أن الأميركيين يخضعون لتفرقة على أسس سياسية وعرقية ودينية، يتزايد الإيمان في البندقية. ومنذ انتهاء الحظر على البنادق الهجومية في عام 2004، ارتفع عدد البنادق من نوع إيه آر -15 في أيدي المواطنين الأميركيين إلى 20 مليوناً، إذ استطاع المسوّقون أن يضربوا على هذا الوتر. دانيال ديفينس، بلاك كريك، جورجيا، الشركة التي باعت البندقية المستخدمة في 24 مايو لقتل 19 تلميذاً ومعلماً في أوفالدي، تكساس، في وقت سابق في مايو، نشرت صورة لطفل صغير يحمل آر-15 في حضنه.

لطالما أدركت الرابطة الوطنية للبنادق قوة الرسائل الدينية لهذا السلاح، وقال نائب الرئيس التنفيذي للرابطة، وارين كاسيدي، ذات مرة «ستحصل على فهم أفضل بكثير عنا إذا اقتربت منا كما تقترب من إحدى الديانات العظيمة في العالم». ويقول البروفيسور سبيتزر: «لقد خلقوا نوعاً ما من الوحوش».

ويقول عالم الاجتماع من تكساس، بول فرويز، مدير استطلاعات بايلر ريليجن الدينية: «ما تظهره بياناتنا هو أن هناك مجموعات من الأشخاص يشعرون بالتعلق الشديد بأسلحتهم»، ويضيف «إن امتلاك السلاح جعلهم يشعرون بأنهم جزء من مجتمعهم - وأنهم أشخاص أكثر أهمية في مجتمعهم. وهكذا تصبح البندقية رمزاً للرجولة. وبهذه الطريقة، تكتسب نوعاً من الصفة الصوفية والمقدسة تقريباً».

في عام 2015، بدأت مثل هذه المواقف تندمج مع ما يسميه الباحثون بالقومية المسيحية، التي غذاها ترشيح الرئيس دونالد ترامب، ثم رئاسته في ما بعد، والذي كان يستخدم رموزاً إنجيلية، على الرغم من أنه كان يرتاد الكنيسة من حين لآخر.

• منذ يناير أظهر أكثر من 100 إعلان سياسي المرشحين الجمهوريين وهم يحملون الأسلحة النارية بمثابة إشارة إلى أوراق اعتمادهم المحافظة.

• يمتلك 81.4 مليون أميركي أسلحة نارية، وفقاً لمسح الأسلحة النارية الوطني لعام 2021، مع رقم قياسي يتمثل في بيع 22.8 مليون بندقية في عام 2020.


الدفاع عن حمل السلاح

يعتقد العديد من مالكي الأسلحة أن مفهوم «عبادة البندقية» الذي يروجه مؤيدو الحد من الأسلحة هو مفهوم خاطئ يهدف إلى نزع الشرعية عن التعديل الثاني، وشيطنة أصحاب الأسلحة قبل محاولات تنظيم الأسلحة. ويشير حامل السلاح، غونزاليس، في فلوريدا، إلى أن ارتباطه بالأسلحة النارية يعود إلى تجارب عائلته في الحرب الأهلية الإسبانية، والثورة الكوبية، والقيود المفروضة على الأسلحة في موطنه الأصلي فنزويلا.

كتب غونزاليس، مؤسس مدونة المنطقة الحرة للسلاح «نحن لا نصلي أو نضيء الشموع لأي نوع من الأسلحة تماماً مثل راكب الدراجة النارية الذي لا يركع أمام الدراجة، هارلي ديفيدسون، أو عشاق السيارات الذين لا يركعون أمام سياراتهم طراز شيلبي كوبرا».

وعلى هذا النحو، يعتقد العديد من مالكي الأسلحة، أن الخوف من تقديس الأسلحة أمر مبالغ فيه. الغالبية العظمى من الأشخاص الذين يمتلكون أسلحة، والذين لديهم تصريح حمل دستوري خفي، أو يعيشون في واحدة من 25 ولاية تتمتع بحماية «حمل دستوري للسلاح»، لا يتجولون مسلحين. ومع رفع القيود المفروضة على حمل السلاح على مدى العقدين الماضيين، لم يظهر مجتمع الغرب المتوحش الذي يخشى منه الجميع بشدة، على حد قولهم.

يقول مالك سلاح من تكساس وصاحب مدونة «حقيقة الأسلحة النارية»، دان زيمرمان: «معظم الناس لا يدخلون متجر أسلحة وهم يفكرون: هذه هي الطريقة التي سأعبر بها عن نفسي، وكيف سأتمتع بحريتي، وكيف سأدعم مرشحين معينين أحبهم»، ويضيف «هذا لا يقلل من النية الأصلية للتعديل الثاني، الذي جاء حماية ضد الاستبداد.. ومازال الكثير من الناس ينظرون إلى الأسلحة بهذه الطريقة».

جهود للتحكّم في الأسلحة الشخصية

داخل الكونغرس، تعمل مجموعة عمل من الحزبين على صياغة حزمة تشريعات للتحكم في الأسلحة تركز على قوانين العلم الأحمر. ويستخدم هؤلاء أوامر الطوارئ، المرتبطة بالإجراءات القانونية القوية للسماح للسلطات بالتركيز على الأفراد الذين قد يشكلون تهديداً لأنفسهم أو للآخرين، بدلاً من محاولة السيطرة على مجموعات أكبر من الناس. وتم تسليم الآلاف من البنادق، وغالباً ما أعيدت بموجب هذه القوانين، بما في ذلك في ولاية فلوريدا الصديقة للسلاح.

ويتوقع أن تصدر المحكمة العليا حكماً حاسماً بشأن قضية ترخيص حمل السلاح في نيويورك بحلول نهاية هذا الشهر. لكن من غير المرجح أن يترك ذلك ملكية السلاح وحمله دون تنظيم. ويقول أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة جورج ميسون، نيلسون لوند: «نعم، حق الاحتفاظ بالأسلحة وحملها لا جدال فيه في الدستور، لكن الدستور ترك للحكومة مطلق الحرية بشأن أي مدى يمكن أن تذهب اليه الحكومة في وضع قيود على هذا الحق».

ومع ذلك، كما يقول، فإن ما قد يسميه المراقبون بالحكم المطلق ليس مطلقاً حقاً. «عندما تكون هناك هذه الخلافات السياسية الخطيرة، فمن الطبيعي أن يتوصل الناس إلى استنتاجات مختلفة حول كيفية ملء الفراغات التي خلّفها غموض التعديل الثاني»، كما يقول.

طباعة