الانتخابات البرلمانية المقبلة أول تحدّ سياسي أمام الرئيس الفرنسي

ماكرون لن ينعم بـ «شهر عسل» بولايته الثانية.. في فرنسا المضطربة

صورة

ربما تفوّق إيمانويل ماكرون على زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، لكن فترته الثانية في رئاسة فرنسا قد تكون أكثر تعقيداً مع تصاعد المعارضة السياسية والغليان الاجتماعي.

ففي الوقت الذي احتفل فيه أنصاره بإعادة انتخابه بشق الأنفس، في تجمع حاشد بجوار برج إيفل، الأحد الماضي، أقر ماكرون في خطاب النصر بأن كثيرين ممن صوتوا له فعلوا ذلك لمنع لوبان من الوصول إلى الرئاسة، وليس لأنهم يدعمون أفكاره.

وقال ماكرون وهو يقف بجانب زوجته بريجيت «لن يعاني أحد الإهمال والتهميش، لن تكون الفترة المقبلة مثل الولاية السابقة، سنستكشف معاً طريقاً جديداً للإنجاز من أجل خمس سنوات أفضل». ولا تبعد العقبة القادمة التي يجب على ماكرون تخطيها سوى أسابيع قليلة. ستحدد الانتخابات البرلمانية في يونيو المقبل شكل الحكومة التي سيعتمد عليها في خطط الإصلاح، التي ستكون بمثابة تغيير غير مسبوق في برامج الرعاية الاجتماعية في فرنسا.

وجرت العادة أن يحصل الرؤساء المنتخبون حديثاً على الأغلبية في البرلمان، عندما تأتي الانتخابات التشريعية بعد التصويت الرئاسي مباشرة بسبب المشاركة المنخفضة عموماً لمؤيدي المرشحين المهزومين.

نبرة تحدٍّ

ومع ذلك، أبدت لوبان نبرة متحدية في خطاب الإقرار بالهزيمة، وتعهدت بوجود كتلة معارضة قوية في البرلمان، بينما يسعى جون-لوك ميلونشون اليساري المتشدد لأن يصبح رئيساً للوزراء بعد حصوله على الجزء الأكبر من أصوات اليسار في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية.

ويأمل ميلونشون الاستفادة من هذا الزخم في الانتخابات البرلمانية، وإجبار ماكرون على التعامل معه بوصفه زعيم الأغلبية اليسارية في البرلمان، وهو تعايش صعب قد لا يكتب له البقاء.

وحتى إذا حصل حلفاء ماكرون على الأغلبية، أو توصلوا لاتفاق لتشكيل ائتلاف فعال، فسيتعين عليه أيضاً التعامل مع رفض الشارع خططه الإصلاحية، لاسيما إصلاح نظام التقاعد الذي سيرفع الحد الأدنى لسن التقاعد تدريجياً إلى 65 من 62.

بطة عرجاء

تعتبر معاشات التقاعد دائماً قضية ساخنة في فرنسا، وتعني نسبة الأصوات المنخفضة التي حققها ماكرون أمام لوبان مقارنة بانتخابات 2017 أنه لن يتمتع بالسلطة نفسها التي كان يتمتع بها قبل خمس سنوات لتنفيذ الإصلاحات، رغم أنه أصبح الرئيس الفرنسي الوحيد الذي فاز بولاية ثانية خلال عقدين من الزمن.

وقال الخبير الاقتصادي في «ساكسو بنك» كريستوافر ديمبيك، لـ«رويترز»، «انتخابه هو خيار فرضته الظروف. قد يتحول إلى بطة عرجاء في مواجهة استياء اجتماعي كبير، إذا أراد تنفيذ إصلاحات حساسة مثل معاشات التقاعد».

وفي إشارة محتملة إلى المتاعب التي تنتظر ماكرون، حذره الناخبون الغاضبون مراراً بشأن إصلاح نظام معاشات التقاعد خلال الحملة الانتخابية.

وحذر رئيس الاتحاد العام للعمال في فرنسا (سي.جي.تي) المدعوم من الاشتراكيين فيليب مارتينيز، ماكرون من أنه لن ينعم بـ«شهر عسل» وحري به أن يتوقع تظاهرات، إذا لم يتراجع بالكامل. ومن القضايا الشائكة الأخرى التي يجب على ماكرون التعامل معها في أعقاب الانتخابات الارتفاع الهائل في أسعار الطاقة.

ووضعت حكومة ماكرون حداً لأسعار الكهرباء، وقدمت خصومات على أسعار المستهلكين حتى ما بعد الانتخابات. وقال ماكرون خلال الحملة إنه سيحمي الناخبين طالما كان ذلك ضرورياً، لكنه لم يقدم جدولاً زمنياً.

تدابير مكلفة

والواضح حتى الآن أن التدابير المكلفة يجب رفعها في مرحلة ما. وفي الوقت نفسه، يقول مشرعون إن الناخبين يشتكون بالفعل ارتفاع أسعار جميع أنواع المواد الغذائية الأساسية، مثل زيت دوار الشمس المصنوع في أوكرانيا والأرز والخبز.

وفي عام 2018، تسبب ارتفاع أسعار المستهلكين في أسوأ اضطرابات اجتماعية في فرنسا منذ ثورة الطلاب في عام 1968، إذ تسببت احتجاجات «السترات الصفراء» في اضطرابات دامت شهوراً عدة في باريس ومختلف ميادين فرنسا. ولذلك سيتعين على ماكرون أن يخطو بحذر إذا كان لا يريد أن ينفجر الوضع مرة أخرى.

وكانت ولايته الأولى مملوءة بأخطاء في العلاقات العامة جعلته يبدو متغطرساً أو متعجرفاً. ولا يحبه العديد من الفرنسيين، وأخبره رجل في وجهه في أثناء الحملة الانتخابية بأنه «أسوأ رئيس للجمهورية الخامسة».

ويحذر الحلفاء السياسيون من أن ماكرون سيحتاج إلى استشارة المشرعين والنقابات، والمجتمع المدني، بصورة أكبر والتخلص من أسلوب الحكم من أعلى إلى أسفل الذي كان مميزاً لولايته الأولى والتي وصفها بنفسه بأنها «كوكب المشتري».

وقال النائب باتريك فينيال لـ«رويترز» تلقى إيمانويل ماكرون الرسالة، ومفادها أنه لا يمكنه اتخاذ قرار بشأن كل شيء من الأعلى، فهو ليس رئيس شركة. إنه يحتاج إلى قبول فكرة التفاوض والتشاور.

• ماكرون ربما يواجه احتجاجات حال الموافقة على إصلاحات نظام معاشات التقاعد.

• تقلّب أسعار الطاقة وعدم القبول الشعبي قد يذكي الاضطرابات.

• أبدت لوبان نبرة متحدية في خطاب الإقرار بالهزيمة، وتعهدت بوجود كتلة معارضة قوية في البرلمان، بينما يسعى جون-لوك ميلونشون اليساري المتشدد لأن يصبح رئيساً للوزراء بعد حصوله على الجزء الأكبر من أصوات اليسار في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية.

• عام 2018 تسبب ارتفاع الأسعار للمستهلكين في أسوأ اضطرابات اجتماعية في فرنسا منذ ثورة الطلاب في عام 1968، إذ تسببت احتجاجات «السترات الصفراء» في اضطرابات دامت شهوراً عدة في باريس ومختلف ميادين فرنسا.


ماذا سيحدث بعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية

منح الناخبون الفرنسيون إيمانويل ماكرون فترة ولاية ثانية رئيساً للبلاد، في انتخابات هزم فيها بسهولة زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان.

فيما يلي التطورات ذات الصلة التي يمكن توقعها في الفترة التي تسبق الانتخابات التشريعية في يونيو، والتي ستحدد ما إذا كان ماكرون سيتمتع بأغلبية برلمانية تمكنه من تمرير سياساته.

■ الخطوات الأولى

ستعلن المحكمة الدستورية الفرنسية رسمياً نتائج الانتخابات الرئاسية في 27 و28 أبريل.

في هذه الأثناء تقريباً، يمكن لحكومة رئيس الوزراء، جان كاستكس، تقديم استقالتها. وإذا قبلها ماكرون، يمكنه اختيار رئيس وزراء جديداً لتشكيل حكومة انتقالية حتى انتخابات يونيو.

ومن المقرر عقد مراسم أداء اليمين قبل انتهاء ولاية ماكرون الجارية في 14 مايو.

قال ماكرون إن أول رحلة خارجية له بعد التصويت ستكون إلى برلين، للقاء المستشار الألماني أولاف شولتس. قد يحدث هذا في الأيام القليلة المقبلة. ومن المقرر أيضاً أن يطرح ماكرون رؤيته لمستقبل أوروبا في مؤتمر في ستراسبورغ في التاسع من مايو.

■ الانتخابات البرلمانية

في الفترة من 16 إلى 20 مايو، من المتوقع أن يتقدم المرشحون من جميع الأحزاب للتسجيل من أجل التنافس على 577 مقعداً في الانتخابات البرلمانية.

ومن المقرر إجراء الجولة الأولى في 12 يونيو. وفي الدوائر الانتخابية التي لا يحسم فيها أي مرشح الفوز بأغلبية مطلقة، ستجري جولة إعادة بعد ذلك بأسبوع.

يمكن للمرشحين خوض جولة الإعادة إذا فازوا بما لا يقل عن 12.5% من الأصوات في الجولة الأولى.

يمكن لماكرون من الناحية النظرية حل البرلمان الجاري مبكراً، وتقديم موعد الانتخابات أسبوعين، وبالتالي ربما يستغل الزخم من فوزه بالرئاسة على أمل الفوز بمزيد من المقاعد في البرلمان.

■ الحكومة المقبلة

بعد الانتخابات البرلمانية، جرت العادة أن يختار الرؤساء الفرنسيون رئيس وزراء جديداً من الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات لتشكيل حكومة جديدة.

وفاز حزب الرئيس بالأغلبية في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

إذا كانت النتيجة مختلفة هذه المرة، فلن يكون أمام ماكرون خيار سوى تسمية رئيس وزراء من حزب آخر، ما قد يؤدي إلى ما كانت عادة فترة تعايش متوترة، يتم خلالها تقييد السلطات الرئاسية بشدة. أثناء فترة التعايش تلك، يظل الرئيس هو قائد القوات المسلحة، ويحتفظ ببعض النفوذ في السياسة الخارجية، لكن الحكومة تتولى إدارة معظم الأمور اليومية المتعلقة بالدولة.

طباعة