زاد من حظوظ الأجنحة المتطرفة

ماكرون عمل على تحطيم السياسة الوسطية الفرنسية

صورة

كان القائد الفرنسي، شارل ديغول، الذي بشّر بالجمهورية الفرنسية الخامسة، يؤمن بإقامة رئاسة قوية، يمكن أن تصنع دولة قوية ومستقرة. وينص القانون الذي طبّقه مع حلفائه على إجراء انتخابات الاقتراعات العامة والمباشرة لانتخاب الرئاسة، التي يتم تنظيمها من خلال جولتين، وبذلك يتم عزل السلطة التنفيذية في فرنسا عن تقلبات السياسة البرلمانية والحزبية. وإضافة إلى ذلك، فإن اقتراعات الجولة الثانية من شأنها أن تساعد على حماية الجمهورية من المنافسين المتطرفين، الذين لم يتمكنوا من تحقيق غالبية الأصوات في المنافسة بين شخصين.

منافسة شديدة

وهذا المنطق لايزال معمولاً به لأكثر من ستة عقود، بالنظر إلى أن الناخبين الفرنسيين ينتظرون الـ24 من الشهر الجاري من أجل اقتراعات الجولة الثانية بين الرئيس إيمانويل ماكرون، والمرشحة من اليمين المتطرف مارين لوبان.

ووصلت لوبان، نتيجة هذه الانتخابات، كما هو متوقع، إلى المركز الثاني في الجولة الأولى، التي جرت في الـ10 من الشهر الجاري، ويفصلها ثلاث نقاط خلف ماكرون، وعلى الأرجح فإنها لن تواجه بعد أسبوعين الهزيمة الساحقة التي مُنيت بها أمام ماكرون قبل خمس سنوات. وظهر ماكرون في حينه باعتباره ذلك الشاب الوسطي المستقل، الذي قام بحملته الانتخابية على أساس «لا يميني ولا يساري». وفي عام 2017، اتحد ائتلاف من الناخبين من مختلف الأطياف السياسية لمنحه الفوز المؤزر في الجولة الثانية على لوبان، سليلة الحركة التي كانت متجذرة في الفاشية الجديدة، والعنف المعادي للديمقراطية.

وتشير استطلاعات الرأي الآن إلى أن منافسة شديدة ستحدث، حيث كثيرون من اليمين الفرنسي سيدلون بأصواتهم للوبان، وربما أن بعض الناخبين في أقصى اليسار سيصوتون لها أيضاً. وربما يعزز امتناع مجموعة متزايدة من الفرنسيين المحبطين من الخيارات المعروضة عليهم، الذين شعروا بالملل من ماكرون، حظوظ لوبان. ويبدو ماكرون، الذي يعمل على إعادة تنشيط الدولة الفرنسية، بالنسبة للعديد من خصومه، بأنه الوكيل الانعزالي لمؤسسة من النخبة الثرية، وحاضن الوضع الراهن الهش الذي يحتاج إلى إصلاح.

الفرق السياسية التقليدية تم مسحها

وعملت لوبان بجد من أجل تحسين صورتها وصورة حزبها، وطرحت نفسها باعتبارها شعبوية اقتصادية متعاطفة. وحظيت بمساعدة من قبل المنافس من اليمين المتطرف والمتعصب القومي، إيريك زيمور، الذي أسهمت خطاباته النارية في جعل لوبان تبدو أكثر اعتدالاً. وقال زميلي ريك نوك شارحاً «تجنبت لوبان إلى حد كبير طرح أكثر مقترحاتها إثارة للجدل، وحاولت التركيز على المخاوف الشعبية المتعلقة بالاقتصاد والتضخم المتزايد، ولكن من حيث الجوهر لاتزال مواقف لوبان متطرفة تماماً كما كانت قبل خمس سنوات».

دفع الغرامة

وفي الأسبوع الماضي، تعهدت بإجبار المسلمات المحجبات على دفع الغرامة، وكتبت صحيفة الغارديان البريطانية تقول «إن اسم لوبان لم يعد ينظر إليه باحتقار. ويتعين على ماكرون أن يخوض أكبر معركة في حياته المهنية لمنعها من الوصول إلى قصر الإليزيه».

ويرجع الفضل في إعادة التأهيل الظاهري للوبان إلى المسار السياسي لماكرون.

ففي الوقت الذي ظلت الفرق السياسية التقليدية الرئيسة في فرنسا، مثل اشتراكيي يسار الوسط، ويمين الوسط الجمهوري (حاملي إرث ديغول السياسي)، تكتسب الأهمية في التصويت المحلي، وتصويت البلديات، إلا أنهم عانوا الهشاشة والضعف في الانتخابات الوطنية، حيث خسروا معظم ناخبيهم لمصلحة ماكرون وحركته. وفي ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، فقد تم مسحهم تماماً، ولم يتمكنوا من جمع سوى 7% من الأصوات مجتمعين. وقالت الزميلة السياسية البارزة في مجلس الاتحاد الأوروبي للعلاقات الخارجية، تارا فارما، في رسالة إلكترونية «ثمة تغيير شامل في السياسة الفرنسية على وشك الحدوث. وقد بدأت في عام 2017، وسيتم إنجازها الآن».

ماكرون حطّم سياسة الوسط

وفي هذه الأثناء، اختار نحو نصف الناخبين الفرنسيين التصويت للمرشحين المناوئين للمؤسسة الحاكمة، بمن فيهم لوبان، وزيمور، واليساري المتطرف، جان لوك ميلينشون، الذين جاؤوا بعد لوبان، وقال مدير معهد بو ليل للعلوم السياسية، الفرنسي بيير ماثيوت «الأمر الذي حدث أن المعتدلين من اليمين واليسار تعرضوا لخيبة الأمل. وأصبح ماكرون يقوم بعملية تحطيم سياسة الوسط، وكلما زاد في التحطيم، قدم مزيداً من الحظوظ للأجنحة المتطرفة».

ويرى محللون آخرون بأن ماكرون نفسه سياسي يمين الوسط. وكتب رئيس مجلس مديري مدرسة باريس للاقتصاد، دانييل كوهين «لقد تبنى ماكرون بصورة منهجية جوهر مواقف اليمين السائد، بما فيها التقاعد في سن الـ65، ومتطلبات العمل بالنسبة للمستفيدين من الرعاية، وتقليص الضرائب على الإرث. وهذا يرقى إلى سيطرة واسعة ليمين الوسط الفرنسي». وأضاف «إذا تمت إعادة انتخاب ماكرون، فإنه سيكون رئيساً على حزب واسع الانتشار وكبير، وسيترك الجمهوريين للفتات، محاصرين بين اليمين المتطرف الصاعد، والحزب الحاكم العازم على افتراسهم».

 

تحول ماكرون بحدة إلى اليمين

ويتبع جزء مما هو قيد هذه اللعبة اتجاهات مألوفة، في أماكن أخرى في سياسة أوروبا الغربية، وبصورة خاصة إضعاف الأحزاب التقليدية السائدة لمصلحة مشهد حزبي أكثر تعقيداً وتجزئة، ولكن في فرنسا، وبخلاف الحال في ألمانيا، تراجعت السياسة المناخية التي دافع عنها يسار الوسط أمام الصراع الثقافي بشأن الهجرة والهوية الوطنية. ومع نهاية فترته الحالية، يكون ماكرون قد تحول بحدة إلى اليمين، فقد نشر قوانين ضد «الانفصالية الإسلامية» في المجتمع الفرنسي، وفي الوقت ذاته قام حلفاؤه بتوجيه انتقادات لاذعة ضد «اليسارية الإسلامية» في الجامعات الفرنسية. ولن يكون من السهل التغلب على المخاوف الثقافية التي ميزت الحملة الانتخابية، وقال المستشار السابق لماكرون، الذي أصبح يعمل الآن في «جيرمان كاونسل اون فورين ريلاشن»، شاهين فالي، لمجلة نيو ستيتمان: «أريد أن أكون متفائلاً، ولكنه تفاؤل على المدى البعيد، ومفاده أنه يمكننا التغلب على هذه التوترات، وقبول هذا المجتمع المتعدد الديانات والثقافات، الأمر الذي يعني قبول تعريف مختلف للعالمية عن الذي نعرفه الآن».

إحباط اليسار

ويبدو اليسار الفرنسي في الوقت الحالي محبطاً ومنقسماً، في حين أن الرئيس الفرنسي يمكن أن يواصل محاربة لوبان على أرضها. وكتب مدير الدراسات في معهد ايكول للدراسات الاجتماعية في باريس، ديديار فاسين، قائلاً «ماكرون يقوم بلعبة خطرة، وعن طريق امتصاص وجهات نظر خصومه إلى برنامجه، يخاطر بإحداث مشهد سياسي مشوه على نحو خطر إلى اليمين».

وبعيدا عن «المتراس» أمام اليمين المتطرف، حذر فاسين، بأن ماكرون يمكن أن ينتهي به المطاف إلى مد جسر النجاة لهم.

• يبدو ماكرون، الذي يعمل على إعادة تنشيط الدولة الفرنسية، بالنسبة للعديد من خصومه، بأنه الوكيل الانعزالي لمؤسسة من النخبة الثرية، وحاضن الوضع الراهن الهش الذي يحتاج إلى إصلاح.

• ربما يعزز امتناع مجموعة متزايدة من الفرنسيين المحبطين من الخيارات المعروضة عليهم، الذين شعروا بالملل من ماكرون، حظوظ لوبان.

• كثيرون من اليمين الفرنسي سيدلون بأصواتهم للوبان، وربما أن بعض الناخبين في أقصى اليسار سيصوتون لها أيضاً.

إيشان ثارور ■ كاتب في الشؤون الدولية في «واشنطن بوست»

طباعة