فلسطينيون في مناطق متفرقة يطهون الطعام في منازلهم ويوزعونه مجاناً

طعام الإفطار في غزة.. من الفقراء إلى الفقراء

صورة

في قطاع غزة، البالغة مساحته 360 كيلومتراً مربعاً، يقطن مليونان و300 ألف مواطن، مليون ونصف المليون منهم يعيش تحت خط الفقر، بفعل تداعيات الحصار الإسرائيلي المفروض منذ صيف عام 2006، وما نتج عن الحروب العسكرية التي شنها الاحتلال على مدار السنوات الماضية، الأمر الذي عقّد حياتهم اليومية، وحرمهم العيش الكريم كغيرهم من سكان الأرض.

وفي ظل هذه المشاهد الإنسانية القاسية، وزيادة احتياجات العائلات في شهر رمضان المبارك، لتوفير ما يلزم أفرادها، لم يجد سكان غزة المحاصرة بديلاً سوى إغاثة أنفسهم بأنفسهم، حيث أطلق مواطنون في غزة بشكل فردي حملات إنسانية عدة، قائمة على طهو وجبات الطعام داخل منازلهم، وتقديمها طازجة بشكل مجاني للأسر الفقيرة والمحتاجة، طوال أيام شهر الصيام.

«طباخ الغلابة»

في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، ومع حلول وقت أذان العصر، يضع المواطن، وليد الحطاب، أوعية معدنية كبيرة الحجم أمام منزله على مواقد أشعلها من الحطب، يملأها باللحوم وحبوب القمح المحمص، وقبيل أذان المغرب، يصطف العشرات إلى جانبه للحصول على «جريشة» أبويوسف، التي اعتاد جميع سكان الحي على تناولها مجاناً على مدار الشهر الفضيل.

وليد الحطاب، البالغ من العمر 57 عاماً، يطهو حساء «الجريشة» لفقراء غزة بالمجان في حي الشجاعية، في أيام شهر رمضان المبارك، للسنة السادسة على التوالي، إلى جانب يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع بقية شهور السنة، حتى أطلق عليه السكان لقب «طباخ الغلابة»، في إشارة إلى الجهد الذي يبذله على مدار السنوات الماضية، لتقديم وجبات الطعام إلى العائلات الفقيرة على نفقته الخاصة، وطهو وجبة الحساء المفضلة لديهم على مائدة الإفطار.

وبينما كان ينتظر نضوج «الجريشة» لتصبح جاهزة لتوزيعها على السكان أمام منزله أيضاً، يقول الحطاب لـ«الإمارات اليوم»، إن «طعام الجريشة يعود إلى عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام، وتوارثتها الأجيال السابقة من الآباء والأجداد، ولها مكانة مرموقة في التراث الفلسطيني، ومن باب الحفاظ عليها من الاندثار، أداوم منذ عام 2017 على إعدادها، وتقديمها مجاناً للعائلات، ولكل من أحب تناول هذه الوجبة».

ويضيف «منذ اليوم الأول لطهو الجريشة شاهدت حجم الإقبال الكبير على تناولها، حيث كنت أطهو ما يقارب خمسة كيلوغرامات من القمح المحمص، أما اليوم فأستخدم يومياً 25 كيلوغراماً، وأقدم الطعام لمئات العائلات طوال أيام شهر الصيام، إلى جانب إيصال الوجبات إلى دار المسنين».

ويشير «طباخ الغلابة» إلى أن أولاده وبناته يشاركونه في إعداد وجبة «الجريشة»، ثلاثة أبناء منهم تكون مهمتهم طهو «الجريشة» وتوزيعها على الفقراء والراغبين من سكان الحي، فيما تنشغل ابنتاه داخل المنزل بتنظيف حبوب القمح من الشوائب.

ويؤكد الحطاب أنه لن يتوقف عن استمرارية مبادرته الخيرية الشخصية في التخفيف من معاناة العائلات الفقيرة والمحتاجة، من خلال تقديم وجبة الجريشة التي تساعدهم في سد رمق أطفالهم خلال شهر رمضان، الذي تكثر فيه احتياجات أفراد كل عائلة، مضيفاً «السكان هنا اعتادوا على تناول وجبة الجريشة التي أعدها يومياً في رمضان، لا يمكن أن أتوقف عن عمل الخير أملاً في نيل الثواب».

«تكية فرج الله»

على غرار «التكية الإبراهيمية» في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، التي توفر وجبات الطعام الطازجة يومياً لجميع الفقراء على مدار العام، يقدم المواطن، خضر فرج الله، طعام الإفطار الطازج يومياً لمئات الفقراء في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، والتي تحتوي على لحم الضأن، وحبوب الفاصولياء، وعصير الطماطم.

وشق فرج الله طريق الخير هذا في عام 2017، عندما بدأ بطهو وحبة الفاصولياء داخل بيته على نفقته الخاصة، وتقديمها لعشرات العائلات الفقيرة المجاورة لمنزله ومنطقة سكناه، طوال أيام شهر رمضان.

وفي ظل نجاح هذه المبادرة الفردية، اتسعت رقعتها على مدار السنوات الماضية، إذ يشاركه حالياً مجموعة من المتطوعين بجهود ذاتية، الذين يعدون وجبات الإفطار، ثم يتوجهون إلى منازل المئات في مخيم النصيرات، لتوزيعها ساخنة قبل قليل من موعد أذان المغرب.

ويقول فرج الله إن «فكرة مبادرة تقديم الطعام مجاناً لعائلات القطاع، تعد خطوة على درب الخير والعطاء، الذي تقدمه تكية مدينة الخليل للفقراء منذ عام 1927، والتي أنشئت في عهد صلاح الدين الأيوبي، ومع تفاقم معاناة السكان خلال السنوات الماضية، سرت في طريق تأسيس تكية لفقراء غزة، حيث سارعت بشكل شخصي لمساعدة عشرات العائلات بكل ما أستطيع».

ويضيف «بعد نجاح المبادرة في تحقيق مبادئ التكافل الاجتماعي، تمكنت بمساعدة العديد من المتطوعين من تأسيس تكية فرج الله داخل مخيم النصيرات، الذي يقطن بداخله آلاف اللاجئين الفلسطينيين، في ظل ظروف معيشية قاسية، لمساعدتهم في توفير طعام الإفطار لأطفالهم على مدار أيام شهر الصيام، على أمل أن تبقى أبواب التكية مشرعة يومياً أمام الفقراء والمحتاجين على مدار العام».

ويوضح فرج الله أن الهدف الرئيس من تأسيس تكية للفقراء في غزة نشر فكرة التكافل، ومساعدة السكان لمواجهة موجات الظروف المعيشية المتردية، والتخفيف من معاناتهم، في ظل تفشي معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق بين سكان غزة المحاصرة.

عائلة تطهو لـ 1000 أسرة

بالانتقال إلى حي «السلام» بمدينة رفح أقصى جنوب قطاع غزة، وللسنة الخامسة على التوالي، يتشارك المواطن عمر أبوحسين وزوجته وأولادهما في إعداد كميات وفيرة من الطعام داخل منزلهم، وتوزيعها للعائلات التي تعيش فقراً وعوزاً دائمين.

(أبوحسين)، البالغ من العمر 50 عاماً، بادر في السابق لتقديم الطعام للفقراء في المنطقة التي يعيش بداخلها، ونظراً لفاعلية مبادرته الشخصية في محاربة الفقر، تلقى العديد من تبرعات فاعلي الخير، حتى تمكن من تأسيس مشروع «مطبخ إغاثة فقراء غزة» داخل منزله، الذي يقدم وجبات الإفطار يومياً لأكثر من 1000 عائلة في مدينة رفح.

ويقدم «مطبخ إغاثة الفقراء» الذي أسسه (أبوحسين) وجبات طازجة يومياً متعددة الأصناف، منها: البامية، والكفتة، الأرز باللحم أو الدجاج، الفاصولياء، والبازيلاء.

• بادر (أبوحسين)، البالغ من العمر 50 عاماً، في السابق لتقديم الطعام إلى الفقراء في المنطقة التي يعيش بداخلها، ونظراً لفاعلية مبادرته الشخصية في محاربة الفقر، تلقى العديد من تبرعات فاعلي الخير، حتى تمكن من تأسيس مشروع «مطبخ إغاثة فقراء غزة» داخل منزله، الذي يقدم وجبات الإفطار يومياً لأكثر من 1000 عائلة في مدينة رفح.

• خضر فرج الله: فكرة مبادرة تقديم الطعام مجاناً لعائلات القطاع، خطوة على درب الخير والعطاء الذي تقدمه تكية مدينة الخليل للفقراء منذ 1927.

طباعة