بسبب خلافه الدائم معه

انتصار أوروبان يشكل إنذاراً للاتحاد الأوروبي

صورة

من الواضح أن انتصار فيكتور أوروبان بالانتخابات الهنغارية، سيلقى الترحيب والفرح من موسكو، وبكين و(مارا لاغو)، وهو مكان سكن الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، بيد أنه سيكون بمثابة إنذار رعب للاتحاد الأوروبي، وكييف.

وقبيل الانتخابات البرلمانية الهنغارية (يوم الأحد)، وصف الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي، أوروبان بأنه «عملياً القائد الوحيد في أوروبا الذي يدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صراحة»، فرد عليه رئيس الحكومة الهنغارية على الفور بعد إعلانه الانتصار، واصفاً زيلينسكي بأنه أحد «خصومه» الذين هزمهم، إضافة إلى البيروقراطيين في بروكسل، ووسائل الإعلام الدولية.

أوروبان أثنى على بوتين:

وحتى لو تغاضينا عن نشوة الانتصار التي يمكن أن يكون أوروبان قد شعر بها عشية الانتخابات، فإن سخريته من زيلينسكي في اليوم الذي تم فيه الكشف عن جرائم حرب وحشية ارتكبت بحق المدنيين الأوكرانيين، يعتبر أمراً سيئاً. ولكنه لم يكن مفاجئاً.

وفي الماضي، أثنى أوروبان على بوتين، لأنه «جعل روسيا عظيمة من جديد». وعقد اجتماعاً مرحاً مع الرئيس الروسي في موسكو، قبل وقت قصير من الغزو الروسي لأوكرانيا. ويعتبر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، من معجبي أوروبان. وفي بداية العام الجاري أيد الرئيس الأميركي السابق ترشيح أوروبان نفسه لإعادة انتخابه رئيساً لحكومة هنغاريا، ووصفه بأنه «قائد قوي»، قام بعمل قوي ورائع.

وطور أوروبان علاقة خاصة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ. وكانت هنغاريا أول دولة من الاتحاد الأوروبي تشتري عقّار «سينوفارم» الصيني ضد فيروس كورونا. ورفضت حكومة أوروبان بياناً للاتحاد الأوروبي ينتقد فيه الصين فيما يتعلق بالوضع في هونغ كونغ.

أهمية عالمية

ويفسر هذا النوع من الأعمال التي تجذب الانتباه السبب الذي جعل الانتخابات في هنغاريا، هذه الدولة التي لا يزيد تعداد سكانها على 10 ملايين نسمة، أو نحو 2% من تعداد الاتحاد الأوروبي، تنال أهمية عالمية. ومن خلال كلماته وأعماله، طرح أوروبان نفسه كمتحدث باسم أيديولوجية يطلق عليها «الديمقراطية غير الليبرالية».

ويعني هذا في هنغاريا وجود نظام سياسي يحافظ على مظاهر الديمقراطية، ولكن يفرغها من مضمونها. وكانت الانتخابات في نهاية الأسبوع الماضي نزيهة. ولكن أوروبان زور النظام السياسي لمصلحته، لأكثر من عقد من الزمن. وقام بتنظيم المحاكم على هواه ووفق مصلحته، وتم تطهير الخدمة المدنية، ناهيك عن التلاعب بالنظام الانتخابي.

وإضافة إلى كل ذلك، كان هناك اعتداء على حرية الإعلام. وحصل زعيم المعارضة الهنغارية بيتر ماركي-زاي على خمس دقائق فقط من البث على الهواء في التلفزيون الحكومي، خلال طيلة فترة الحملة الانتخابية. وتعتبر جميع الصحف الهنغارية صديقة لأوروبان. وهذا المناخ السياسي يفسر لنا لماذا تعتبر هنغاريا هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي يتم تصنيفها باعتبارها «حرة جزئياً» من قبل مؤسسة «فريدوم هاوس» الفكرية.

نموذج تحتذي به الولايات المتحدة

وعلى الرغم من هذا السجل، أو ربما نتيجة له، يعتبر أوروبان هو المفضل لليمين المدعوم من ترامب في الولايات المتحدة. وصنف كبير الاستراتيجيين السابق في إدارة ترامب، ستيف بانون، الزعيم الهنغاري باعتباره «بطلاً» ونقل مذيع محطة فوكس نيوز الأميركية تاكر كارلسون، برنامجه برمته إلى العاصمة الهنغارية بودابست، لمدة أسبوع كامل، العام الماضي، لعرض هنغاريا في ظل حكم أوروبان، باعتبارها نموذجاً محتملاً يمكن للولايات المتحدة أن تحتذي به.

وينظر اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وأوروبا إلى أوروبان باعتباره نموذجاً يحتذى بسبب تطرفه القومي، وتشدده ضد اللاجئين، وقبوله بالشعارات الشعبوية في القضايا الثقافية. وخلال الحملة الانتخابية الأخيرة، وصف أوروبان مشكلاته مع الاتحاد الأوروبي باعتبارها ناجمة عن رغبة الاتحاد الأوروبي في فرض «جنون الجندر» على هنغاريا.

وفي الحقيقة، فإن جوهر الخلاف بين الاتحاد الأوروبي وبودابست يكمن في أن الاتحاد يتهم حكومة أوروبان بأنها تعمل بصورة ممنهجة على تقويض حكم القانون، كما أنها تعمل على نقل أموال الاتحاد إلى أصدقاء أوروبان المقربين. وأحد أصدقاء أوروبان من أيام المدرسة هو الآن أغنى رجل في هنغاريا.

تعزيز المخاوف

وسيعزز انتصار أوروبان في الانتخابات مخاوف الاتحاد الأوروبي من أنه ربما أصبح الوقت متأخراً جداً على اتخاذ أي إجراءات ضد هذا الرجل. وتبدو الديمقراطية غير الليبرالية متجذرة تماماً في هنغاريا. ويعتبر أوروبان، (58 عاماً)، أطول زعماء دول الاتحاد الأوروبي بقاء في السلطة، وربما يستمر في السلطة لسنوات عدة قادمة. ولكن على الرغم من أن معجبيه حول العالم سيشعرون بأن لديهم ما يبرر سعادتهم، إلا أن حياة أوروبان ربما ستصبح قريباً أكثر تعقيداً.

المشي على حبل مشدود

وطوال أكثر من عقد من الزمن، يمشي أوروبان على حبل مشدود، فقد ظل في نادي الاتحاد الأوروبي، حيث يتمتع بجميع الميزات التي يؤمنها له بمعنى الاستثمارات والدعم والأمن المتزايد، والنفوذ الدبلوماسي. وفي الوقت ذاته، فإنه يغازل الشخصيات المعادية للاتحاد الأوروبي، مثل بوتين، وترامب، وغيرهما.

ولكن الغزو الروسي لأوكرانيا سيجعل من الصعب على أوروبان الحفاظ على هذا التوازن. وبالنظر إلى أنها مدفوعة بمزيج من الغضب الأخلاقي والخوف، تحشد دول الاتحاد الأوروبي ضد بوتين. من المحتمل أن يتضاءل الاستعداد لتحمل تعامل أوروبان المزدوج مع روسيا بصورة كبيرة. وكما قال الرئيس زيلينسكي، فإن الزعيم الهنغاري ربما سيتعين عليه سريعاً أن يوضح خياره.

وحتى فترة قريبة، تم إنقاذ أوروبان من العزلة، ضمن الاتحاد الأوروبي، عن طريق دعم الحكومة البولندية التي اصطدمت أيضاً مع الاتحاد الأوروبي حول قضايا تتعلق بحكم القانون. ولكن البولنديين يقودون الدعوة الآن من أجل فرض عقوبات أشد قسوة ضد روسيا. وأعربوا عن غضبهم الجلي من أوروبان، وربما أنهم يدرسون التسوية مع بروكسل لمصلحة وحدة الاتحاد الأوروبي ضد روسيا.

وبعد انتصاره في الانتخابات، أعلن أوروبان، كما فعل في الماضي، أن نوعية المحافظة غير الليبرالية يمثل مستقبل أوروبا. وهذا تحد لبقية الاتحاد الأوروبي. ويجب أن يؤخذ الأمر على محمل الجد إلى حد كبير، في وقت يرتكب فيه بعض القوميين أعمالاً وحشية في الحرب على الحدود الشرقية لهنغاريا.

ولكن عزلة هنغاريا في الاتحاد الأوروبي تشكل فرصة لممارسة بعض الضغوط التي ربما طال انتظارها على أوروبان. ويجب القيام بذلك.

• ينظر اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وأوروبا إلى أوروبان باعتباره نموذجاً يحتذى بسبب تطرفه القومي، وتشدده ضد اللاجئين، وقبوله بالشعارات الشعبوية في القضايا الثقافية.

• طوّر أوروبان علاقة خاصة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ. وكانت هنغاريا أول دولة من الاتحاد الأوروبي تشتري عقّار سينوفارم الصيني ضد فيروس كورونا. ورفضت حكومة أوربان بياناً للاتحاد الأوروبي ينتقد فيه الصين فيما يتعلق بالوضع في هونغ كونغ.

جيدون راتشمان ■ كاتب في «الفاينانشال تايمز»

طباعة