تدفّق أموال المساعدات لضحايا الحرب في أوكرانيا يقابله انحسار الاهتمام بالمناطق الأشدّ حاجة

معاناة الجوعى في إفريقيا تتفاقم مع اهتمام العالم بأوكرانيا

صورة

أوكرانيا ليست المكان الوحيد الذي يموت فيه الأطفال بسبب الحرب الروسية، ففي الوقت الذي تتدفق فيه أموال المساعدات لضحايا الحرب الروسية الأوكرانية ينحسر الاهتمام بمناطق أخرى في العالم هي في أشد الحاجة للمساعدات، ومن بين تلك المناطق الصومال، التي تعاني جفافاً مدمراً.

تتعرض ملايين الأسر الآن لصدمات متزامنة متعددة للأمن الغذائي عبر القرن الإفريقي. ويواجه ملايين الرجال والنساء والأطفال الجوع وسوء التغذية في تلك المناطق. ويتخلى الآباء والأمهات عن وجباتهم لأطفالهم، وتكافح العائلات للعثور على ما يكفي من الماء لإبقاء حيواناتها على قيد الحياة. وهناك قلق خطير من أن يؤدي فشل موسم أمطار آخر إلى إحداث مزيد من الدمار في حياة الأشخاص الذين عانوا بالفعل كوارث مناخية متعددة. واعتباراً من مارس 2022، عانى 14 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الشديد في القرن الإفريقي، وزادت معدلات سوء التغذية الحاد بشكل كبير، ما أثر في 5.5 ملايين طفل.

وضع مُزرٍ في الصومال

على بعد نحو 500 كيلومتر إلى الشمال، في العاصمة الصومالية مقديشو، تدب الحركة كالمعتاد في مستودعات برنامج الأغذية العالمي، حيث يتم تخزين أكياس الطعام، بعضها عليه ختم الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو إس ايد)، هناك أكياس مملوءة بالبازلاء والقمح والذرة الرفيعة، كل هذا يهدف لإنقاذ الأرواح، لكن مستودع برنامج الأغذية العالمي في المدينة، ممتلئ حتى نصفه تقريباً على غير العادة.

يقول المدير المحلي لبرنامج الأغذية العالمي في الصومال، الخضر دلوم: «لا يمكننا أن نفعل أي شيء من أجل الجوعى في المخيمات، إنهم في مأزق». ويقول إن السبب ببساطة هو عدم وجود ما يكفي من المال لشراء الطعام. وفقاً لحسابات وكالات الإغاثة المختلفة، لم يتم تلبية سوى 3% من المساعدات الإنسانية التي يحتاجها الصومال حتى الآن. ما يعني عجزاً يبلغ مقداره 97%، ما يعني بالتالي مزيداً من أعداد الذين يموتون جوعاً.

وأخيراً، لم تصل أيضاً إمدادات المساعدات التي دفع المانحون ثمنها بالفعل. ما يقرب من نصف المواد الغذائية التي يوزعها برنامج الأغذية العالمي على ضحايا الجفاف في الصومال، تأتي من أوكرانيا. وكان من المفترض أن يصل في 10 مارس 1188 طناً من البازلاء للمناطق التي ضربتها المجاعة في إثيوبيا والصومال. وكان من المقرر أن تنطلق عملية التسليم من ميناء أوديسا الأوكراني، التي تتعرض، مثل بقية أنحاء البلاد، لهجوم من الروس. وتم إرسال رسالة إلى مخططي برنامج الأغذية العالمي في مقديشو مفادها أن وصول الشحنة قد تأخر حتى 15 مارس، إلا أن هذا الموعد النهائي جاء ولم تصل الشحنة، ولايزال الجوعى في الصومال يعانون.

الأولوية لجوعى أوكرانيا

في حالات أخرى، يدرك مسؤولو الخدمات اللوجستية في برنامج الغذاء العالمي على الأقل ما حدث للشحنات. يقول دلوم: «كانت هناك بعض عمليات تسليم لشحنات، وعدنا بها المانحون، لكن تم تغيير مسارها فجأة نحو أوكرانيا». ويؤكد المقر الرئيس لبرنامج الأغذية العالمي في روما أنه تم إعادة توجيه بعض الشحنات إلى أوكرانيا بدلاً من إرسالها لمناطق الأزمات التي كانت مخصصة لها في الأصل. لكن مقر برنامج الأغذية العالمي يقول إن عمليات التحويل هذه لم يكن لها أي تأثير على المساعدات في تلك البلدان، لأن الإمدادات الاحتياطية الكافية كانت في متناول اليد. ومع ذلك، أصبح من الصعب بشكل متزايد الحصول على إمدادات جديدة بسبب الحرب في أوكرانيا. ويتنافس الجوعى في أوروبا الآن مع الجوعى في إفريقيا.

إرسال الشحنات ليس هو المشكلة الوحيدة، إذ يواجه برنامج الأغذية العالمي، ووكالات المعونة الأخرى، تحدي الارتفاع السريع في الأسعار، إذ لم تعد ميزانياتهم تغطي ما كانت تغطيه من قبل من نفقات، ما يعني أنهم لا يستطيعون مساعدة سوى عدد أقل بكثير من المحتاجين. وفي بعض البلدان الإفريقية مثل الصومال، ارتفعت الأسعار في الأشهر الأخيرة حتى قبل الغزو الروسي لأوكرانيا. ولم يعد كثير من الناس قادرين على تحمّل شراء حتى الأساسيات من المواد الغذائية.

لم تعد إفريقيا في بؤرة اهتمام المانحين

ويقول دلوم، إن العديد من الزيارات المخططة إلى الصومال من قبل كبار المانحين تم إلغاؤها في الأسابيع الأخيرة. و«هذا يعني أننا لم نعد في بؤرة الاهتمام، وهذا غير عادل، نتعاطف بعمق مع الضحايا في أوكرانيا، فهم لا يستحقون ما يمرون به، لكن شعب الصومال لا يستحق ذلك أيضاً». ويقول مسؤول آخر رفيع المستوى في الأمم المتحدة: «من الصعب للغاية حالياً جمع الأموال، لأن العديد من المانحين المحتملين يعتقدون أن الحرب في أوكرانيا تستهلك الكثير من الموارد»، ويضيف «يجب أن نستمر في تحديد الأولويات، لكن الخيارات بدأت تنفد ببطء».

بدأ عمال الإغاثة يلقون نظرة فاحصة على الأماكن التي من المرجح أن تهطل فيها الأمطار قريباً، نظراً لأن الناس هناك على الأقل لديهم فرصة للبقاء على قيد الحياة، وبدأت بعض المنظمات تركز جهودها على ما تبقى من تلك المواقع.

وصرح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في وقت سابق من شهر مارس، أن «الحرب في أوكرانيا صرفت الانتباه عن الجفاف الكارثي في الصومال»، حيث لاتزال البلاد تعاني حرباً أهلية طاحنة، ووصفت الأمم المتحدة الوضع في البلاد بأنه «لايزال إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم».

خيبة أمل

كان من المقرر عقد مؤتمر كبير للمانحين لجلب الأموال لتخفيف المعاناة، وحذر منظمو المؤتمر قبل الاجتماع من أنه لا يمكن تجاهل المعاناة في أجزاء أخرى من العالم، على الرغم من الحرب في أوكرانيا، لكن في النهاية، تم جمع ثلث المبلغ المستهدف البالغ قدره 3.9 مليارات يورو. وعبّرت الأمم المتحدة عن «خيبة أملها» من هذه النتيجة.

حتى قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كانت المنظمات الدولية تواجه صعوبات متزايدة في جمع الأموال. ووفقاً للمفوضية الأوروبية، فإن الحاجة إلى المساعدات الإنسانية ظلت في أعلى مستوياتها على الإطلاق، مع ظهور أزمات جديدة باستمرار. ولم يتم تحويل الأموال المخصصة لأوكرانيا، حتى الآن، من ميزانيات المناطق الأخرى. لكن الفجوة بين الأموال المتاحة والحاجة العالمية للمساعدات تستمر في الاتساع.

واشنطن تهتم بالأوكرانيين أكثر من غيرهم

في الواقع، يؤدي الاحتباس الحراري بشكل أساسي إلى تحويل مناطق كبيرة من إفريقيا إلى أرض قاحلة غير صالحة للعيش، فبعد سنوات من التحسن الاقتصادي في العديد من بلدان القارة، عادت المجاعة فجأة. وانضمت إلى ركب تلك الأزمات الآن كارثة إنسانية في قلب أوروبا.

ويعتبر شهر مارس من أكثر شهور السنة حسماً في هذا الشأن، حيث تطرح العديد من الحكومات ميزانياتها للموافقة عليها، كما هو الحال في ألمانيا. وتأتي إشارات مزعجة للغاية من واشنطن، التي تقول إن الولايات المتحدة ستوفر 4.1 مليارات دولار لضحايا الحرب في أوكرانيا، وفي الوقت نفسه تقول إنها ستخفض الميزانية الإنسانية لبقية العالم بمقدار مليار دولار مقارنة بالعام الماضي. وقد أعربت مجموعة من منظمات الإغاثة عن معارضتها الشديدة لهذه الخطوة.

محنة الطفلة أوبا

ذات يوم قريب رحلت بعد صلاة الفجر مباشرة الطفلة أوبا، البالغة من العمر أربعة أعوام، حملها والدها باتجاه المقبرة، كانت هناك مجموعة من نحو 10 رجال ينتظرون بعد أن حفروا حفرة على الأرض، كانت اللفافة التي تضم جثمان الطفلة رقيقة للغاية، بحيث يصعب أن يتخيل شخص أن هناك جثماناً داخلها.

في اليوم السابق لوفاتها، قضت «دير شبيغل» وقتاً مع أوبا ووالدتها، وكان لقاءً صعباً للغاية. كانت الفتاة مستلقية بين ذراعَي والدتها، وتبدو عظامها بوضوح من خلال جلدها، كانت الطفلة تستطيع بالكاد رفع ذراعها. جاء فريق طبي متنقل إلى المخيم، وقام بقياس محيط ذراع أوبا العلوي.

أحال الأطباء أوبا إلى أقرب مستشفى يقع في مدينة كيسمايو الساحلية على بعد نحو 15 كيلومتراً. ولكن بعد فوات الأوان. كانت أوبا ضحية للجفاف والجوع. تقول والدتها: «سأتذكرها كفتاة سعيدة، كانت تضحك دائماً مع أشقائها». وبحسب المسؤولين، لقي 15 شخصاً، معظمهم من الأطفال، حتفهم جوعاً في المنطقة في الأسابيع الأخيرة.

قالت والدتها جوهرة: «ظل حالها يتدهور من سيئ إلى أسوأ كل يوم، لم يعد بإمكانها الاحتفاظ بأي شيء في جوفها». حتى قبل ظهور سوء التغذية عليها، كانت أوبا مصابة بشلل جزئي منذ ولادتها. قالت والدتها: «كنا نتناول الحليب الذي نحصل عليه من حيواناتنا، ما أبقانا على قيد الحياة». ولكن عندما نفقت الحيوانات، وبدأت المجاعة لم يكن أمام الأسرة المكونة من خمسة أفراد من خيار سوى مغادرة قريتهم. ساروا خمسة أيام وخمس ليالٍ للوصول إلى المخيم، نفد طعامهم في اليوم التالي من رحيلهم. وعندما وصلوا أخيراً، لم تنتهِ محنتهم هناك، إذ لا توجد منظمة إغاثة تقدم الطعام إلى المخيم على أساس منتظم، ففي الأيام الجيدة، يحصلون على وجبة واحدة في اليوم، وفي الأيام السيئة، لا يوجد طعام على الإطلاق.

صورة بائسة

على مبعدة من العاصمة الصومالية مقديشو يوجد مخيم للنازحين أقامته الحكومة الصومالية في الجزء الجنوبي من البلاد. تأتي شاحنة لتوفير المياه بين الحين والآخر، لكن يتعين على سكان المخيم الاعتناء بكل شيء بأنفسهم. لقد كانوا في ما سبق جميعاً رعاة، وتسبب الجفاف المستمر في نفوق ماشيتهم ودمّر سبل عيشهم. تأثر أكثر من أربعة ملايين من سكان البلاد، البالغ عددهم 16 مليون نسمة، من الجفاف. ومن بين الخيام المؤقتة، يمكن رؤية أكوام صغيرة على أطراف المخيم، هي في الواقع مجموعة من القبور. كل يوم تأتي أفواج جديدة للانضمام للمخيم وأفواج أخرى تنضم لمدينة الموتى. توسعت مدينة الخيام لتتجاوز مدينة الموتى.

• اعتباراً من مارس 2022، عانى 14 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الشديد في القرن الإفريقي، وزادت معدلات سوء التغذية الحاد بشكل كبير، ما أثر في 5.5 ملايين طفل.

طباعة