لأن الشعب الروسي صبور وكثير التحمل

العقوبات الغربية على روسيا ستكون لها تداعيات عكسية

صورة

في الوقت الذي تقود فيه روسيا حرباً رهيبة، أسفرت عن هروب الملايين من الأوكرانيين إلى الدول المجاورة، بدأت العلامات التجارية الغربية بالنزوح أيضاً من روسيا. فقد تم إغلاق 800 مطعم ماكدونالدز، كان يرمز وجودها للعصر الجديد في روسيا الموالية للغرب.

ولكن هذا العصر انتهى بسرعة، فاتحاً الباب بسرعة لانتشار النهضة القومية الروسية، وكانت هذه النهضة نتيجة مباشرة للخنق الاقتصادي للدولة من خلال العقوبات والرفض الغربي لروسيا وحربها في أوكرانيا.

ويعمل الغرب على معاقبة روسيا، على أمل أن تؤدي الأزمة الاقتصادية الموجعة والناجمة عن العقوبات إلى إيجاد نهاية للحرب الدموية ضد أوكرانيا، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي.

المعاناة الروسية الدائمة

اعتاد الروس على الاضطرابات وانعدام الاستقرار، فقد تحملوا التجارب الاجتماعية الطويلة خلال القرن الـ20، وبداية القرن الـ21، والتي ألحقتها بهم قيادتهم السياسية. وباستثناء الزعيم ميخائيل غورباتشوف، لم تكن القيادة الروسية في هذه الفترة ديمقراطية.

وكان يقود روسيا خلال الحرب العالمية الأولى قيصر ضعيف، وخرج معدماً من هذه الحرب. وعملت الانتفاضة البلشفية على تدمير حكم هذا القيصر بصورة وحشية، والتي بشّرت بقيام حكم الاتحاد السوفييتي لعقود عدة. ونتيجة قيام الاتحاد السوفييتي، تم نفي الملايين من سكانه إلى مخيمات العمل، وإعدام الكثيرين بدم بارد، خصوصاً في فترة حكم الرئيس جوزيف ستالين. وتم إلغاء الملكية الفردية بحلول عام 1929، وأصبح القادة السياسيون يحكمون بسلطة مطلقة. وتطلبت الحرب العالمية الثانية تضحيات مؤلمة جداً من جميع المواطنين، بمن فيهم الأطفال.

الستار الحديدي

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، قام الاتحاد السوفييتي المتعب بإنشاء ما يعرف بالستار الحديدي، حيث منع المواطنين من السفر والتواصل مع الغرب. وأدت محاولات الاتحاد السوفييتي توسيع نفوذه الشيوعي إلى حدوث الحرب الباردة، وخلال هذه الفترة أسفر الفشل في الإصلاح الزراعي عن التقنين في المواد الغذائية، وأدى التفكك المؤلم للاتحاد السوفييتي عام 1990 إلى حدوث اضطراب اقتصادي في دولة روسيا المتشكلة حديثاً، إضافة إلى البطالة، وارتفاع معدل الانتحار.

وتشير كل هذه الويلات إلى أن الشعب الروسي لا يمكن تهديده بغياب السلع نتيجة العقوبات، وأصبحت الأزياء الراقية والهواتف النقالة والقهوة الفاخرة والسيارات الأجنبية جزءاً من حياة الروس خلال العقدين الماضيين، ولكن الروس لم يعتادوا عليها كثيراً إلى الحد الذي يجعلهم غير قادرين على تخيل الحياة من دون هذه السلع، وفي كل الأحوال، فإن تجارة البضائع الفاخرة، ومطاعم ماكدونالدز، تعتبر رائجة في موسكو وضواحيها، في حين أن معظم الروس لا يرون هذه البضائع في مدنهم وبلداتهم.

الوحدة في نضالهم

وتاريخياً، فإن أي كفاح سياسي أو اقتصادي يعمل على توحيد روسيا وشعبها، خصوصاً في وجه العدو المشترك، ولطالما كان العدو يتمثل في الغرب. وعملت الحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة، على توحيد شعوب الاتحاد السوفييتي حول فكرة التضحية بالذات من أجل هوية الاتحاد السوفييتي، وشملت الهوية السوفييتية مجموعة كبيرة من العرقيات، وليس الروس وحدهم. وعلى الرغم من أن عاصمة الاتحاد السوفييتي هي موسكو، واللغة الرسمية للاتحاد السوفييتي هي الروسية، إلا أن هذا الاتحاد كان يتشكل من 14 جمهورية، ويوحد به نحو 100 قومية.

وهذه الوحدة المزعومة للدول ضعيفة، كان يتم فرضها فيما بينها، ناهيك عن أن الدولة كانت تتحكم بكل مناحي الحياة في الاتحاد، إضافة إلى أنها كانت تحتكر كل شيء، ولهذا فإن كلمة «سوفييت» تشير إلى أي شخص يعيش في الاتحاد السوفييتي، بما فيها كل من دول روسيا، وأوكرانيا، وجورجيا، وأرمينيا، وأذربيجان. واستخدم الاتحاد السوفييتي خطاباً مفخماً يمجد الاتحاد السوفييتي والتضحيات التي يقدمها شعبه، والولاء للوطن الذي تشكل روسيا أساسه وجوهره.

الدب المجروح

نعتقد أن العقوبات الغربية يمكن أن تأتي بنتائج عكسية، ولا يؤيد جميع الروس الحرب في أوكرانيا، ولا حتى يؤيدون الحكومة التي دفعت بهم إلى أتون هذه الحرب المدمرة، ولكن جميع الروس يعانون العقوبات والأزمة الناجمة عنها. وتعتبر معاناتهم المشتركة شيئاً خطراً، وتجعلهم غاضبين، والبعض يتوق للرد.

ويستند احتمال الرد على العقلية الوطنية الروسية، التي نشأت في زمن الاتحاد السوفييتي، وهي تؤثر الآن على الأجيال التي تنمو في روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي. والحرية الغربية تبدو جذابة جزئياً، لأنه تاريخياً لم يكن الروس يتمتعون بها، فلا حرية التعبير، أو تقرير المصير، أو حرية الدين أو السفر بلا قيود. وبدلاً من ذلك، فإن الشعب الروسي صبور، وكثير التحمل، ويكرّس كل إخلاصه للوطن الذي قام قادته بشن الحرب.

ومن وجهة نظرنا، فإن هذه الصفات ستضع الشعب الروسي في مأزق عميق، فإن الدولة المعتدية التي تقوم الآن بقصف وتدمير أوكرانيا هي وطنهم المحبوب، وحتى الآن فإنه المكان الوحيد في العالم الذي يتقبلهم على هذه الحالة التي هم عليها.

وكون وطنهم قد أصبح منبوذاً من دول العالم أجمع ليس بالأمر الجديد بالنسبة للروس، فبدأ من سياسات المناخ الروسية إلى الرياضة، والعلاقات الخارجية، بما فيها الإدانة الدولية على نطاق واسع لضم روسيا لشبه جزيرة القرم، ولكن الوضع هذه الأيام يبدو مبالغاً فيه. ونعتقد أن الفرص المتاحة للروس التي تجعلهم يتحولون نحو حكومتهم، بالنظر إلى أنهم يشعرون بأنهم مرفوضون من المجتمع الدولي، قد أصبحت كبيرة.

وهذا من شأنه أن يعزز من استبداد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الحكم، تحت ستار استعادة صناعة واقتصاد الدولة في وجه الرفض الغربي. وعندها سيكون لدى روسيا عدو مشترك مرة أخرى، ونظراً إلى أن التفكير، والتنفيذ، للقيام بالعصيان تكون له عواقب قاسية عادة، فإنه لا يتم الاستماع للمعارضة. ويعتبر المعارضون لبوتين، ومن بينهم آنا بوليتيكوفسكايا، والكساندر ليتيفينكو، وبوريس نمتسوف، وأليكسي نافالني، والكثير غيرهم، وبعضهم تم قتله، وآخرون أصبحوا في غياهب السجون، بمثابة حكايات حذرة للعقاب الذي يناله المعارضون السياسيون في روسيا.

وتشجيع الروس على الاحتجاج ضد حكومتهم المستبدة، كما فعل الغرب، والتخلي عنهم في الوقت ذاته، ينطوي على التناقض الكبير. إذ إنه يصبح بمثابة عقوبة للناس على ما فعلت حكوماتهم، وتعمل على خنقهم اقتصادياً.

وفي سيبيريا، تعتبر قواعد السلامة بمثابة حياة أو موت، وإحدى هذه القواعد تتعلق بترك طريق دب للنجاة. ويكون الدب عدوانياً بصورة خاصة عندما يكون جريحاً، أو تتم محاصرته في مكان ضيّق، أو عندما يقوم بحماية صغاره. والدب الجريح حالياً هو روسيا، ولذلك يجب ترك متنفس لها، وإلا ستكون العواقب غير محمودة.

• اعتاد الروس على الاضطرابات وانعدام الاستقرار، فقد تحملوا التجارب الاجتماعية الطويلة خلال القرن الـ20، وبداية القرن الـ21، والتي ألحقتها بهم قيادتهم السياسية.

• تشير كل هذه الويلات إلى أن الشعب الروسي لا يمكن تهديده بغياب السلع نتيجة العقوبات.

جوليا كريبتان ■ أستاذة الدراسات الدولية في جامعة كولورادو.

إيفغينيا بايتوفسكايا ■ طالبة دكتوراه في جامعة جنوب فلوريدا.

طباعة