وسط يأس الحرب

أطفال ولدوا تحت القصف في أوكرانيا يجلبون الأمل

صورة

في قبو مستشفى بمدينة تتعرض للهجوم، ارتسمت على وجه أليكسي سيلفستروف، ابتسامة غير عادية، وهو يحمل ابنته، «ماريا»، لأول مرة، ومن خلال الجدران الخرسانية السميكة، يمكن سماع القصف المدفعي، وهمس الأب في أذن ابنته قائلاً، «سنكون معاً كل يوم، هنا لسماعه».

وبينما تتحرك ماريا في بطانيتها، يعلق أليكسي (26 سنة)، قائلاً، «إنها ترقص»، وقد كان الشاب الأوكراني قبل أسابيع قليلة فقط، يدير شركة معدات طبية، وتبدو زوجته إيلينا (28 عاماً)، التي تعمل مصممة غرافيك، شاحبة على كرسي متحرك، بعد ثماني ساعات من ولادة قيصرية طارئة، أجريت تحت ضوء خافت، وخوف من القصف المستمر.

ويقول أليكسي، «إذا سقط صاروخ، الآن، فلن تستطيع فعل أي شيء لحماية نفسها». وكانت أضعف من أن تنزل إلى الملجأ، لذلك قام الموظفون بدفعها على الكرسي المتحرك، إلى ممر بمستشفى «ميكولايف» للولادة، بعيداً عن النوافذ، وقبل ذلك بقليل، كانت صافرات الإنذار قد أطلقت، وهرع المرضى وطاقم المستشفى إلى المخبأ، ولكن أليكسي وقف بجانب زوجته، وهو يمسح شعرها الكستنائي الكثيف، حتى هدأ من روعها.

وكلا الزوجين أوكراني ناطق بالروسية، وقبل ثلاثة أسابيع، فقط، كانا مثل أي زوجين شابين يستعدان لوصول طفلهما الأول، وقد اقتنيا الملابس والبطانيات، وكان أليكسي يذهب إلى العمل، ويقابل أصدقاءه في المقاهي والمطاعم في وسط المدينة.

والآن، مثل أي شخص آخر في ميكولايف، بات الزوجان الأوكرانيان يعيشان ساعة بساعة، غارقين في الخوف، ويصيبهما الهلع من صوت النيران المقبلة، وقالت إيلينا، «لم أتصور أبداً أن هذا سيحدث»، وانخرط الأطباء والممرضات في عملية قيصرية غير عادية، في الصباح، وما كان يمكن أن يكون في الظروف العادية عملية روتينية، كان محفوفاً بالمخاطر لجميع المعنيين، ومنذ اندلاع الحرب، وما تتخللها من قصف ونقص في المعدات الطبية، حاول العاملون بالمستشفى تجنب إجراء عمليات قيصرية.

احتمال الإصابة

ويتم تسليم معظم الأطفال المولودين في المستشفى في الأقبية، والتي كانت تستخدم حتى قبل الحرب، لتخزين سجلات المرضى، وكانت العمليات القيصرية تجرى، في العادة، في غرفة العمليات بالطابق الرابع، لكن هذه الأيام، يتعرض الطاقم والمرضى لاحتمال الإصابة بالمقذوفات والشظايا؛ وكل لحظة يتم قضاؤها هناك يحتمل أن تكون قاتلة.

ويخترق صوت القصف المبنى ليلاً ونهاراً، والنوافذ، المغطاة بالبلاستيك والشريط اللاصق لمنع تسرب الضوء، تهتز في إطاراتها.

وقال أندريه غريبانوف، وهو طبيب التوليد والمدير الطبي في المستشفى، «هذا المكان ليس آمناً للغاية»، موضحاً، «لأنهم (الروس) يقصفون كل شيء».

وكان غريبانوف في ساعة متأخرة من نوبته، صباح الأربعاء، عندما أظهرت الموجات فوق الصوتية أن طفل إيلينا كان في وضع المقعد، وفي الخارج دوي انفجارات معظمها من المدفعية، وعرف الموظفون أن القصف الروسي يمكن أن يضرب في أي لحظة، وكانت صافرات الإنذار تدوي.

وقرر الجميع العمل على أية حال؛ وإلى غرفة العمليات، ذهب إلى العمل فريق من ثمانية مختصين هم: جراحان، وطبيب تخدير، وقابلة، وممرضة تنظيف، وممرضا تخدير وطبيب مختص في حديثي الولادة، وقال غريبانوف، «كان هناك خطر القصف»، متابعاً «لكن مع ذلك، كنا بحاجة إلى إجراء عملية قيصرية عاجلة».

على الرغم من أن النوافذ كانت مغطاة، إلا أنهم تجرؤوا على تشغيل بعض الأضواء فقط، خشية من أن يتم استهدافهم، وقال الطبيب الأوكراني، «نحن نعمل بأسرع ما يمكن، فقط لاختصار وقت الجراحة» متابعاً، «لأن القصف يمكن أن يبدأ في أي وقت» وتم تسليم ماريا عند الساعة الرابعة والنصف صباحاً، وقالت إيلينا، متذكّرة اللحظة، «كنت سعيدة جداً، وكانت (ماريا) جميلة جداً».

نفاد الإمدادات

وُلد أكثر من أربعة آلاف طفل، منذ بدء الحرب في جميع أنحاء البلاد، وفقاً لوكالة السكان التابعة للأمم المتحدة، وكثير منهم في ملاجئ تحت الأرض، ووُلد 26 في مستشفى ميكولايف للولادة، على أيدي فريق مرهق من الأطباء والممرضات والطاقم الطبي، الذين يخشون باستمرار نفاد الإمدادات الطبية الأساسية.

وقالت رئيسة أطباء التخدير، نادية شيرستوفا، 50 عاماً، والتي عملت في المستشفى لمدة 30 عاماً، «الأمر صعب للغاية بالنسبة للأمهات، إنهن خائفات للغاية» مضيفةً، «إنهن مرهقات للغاية، وهو ما يجعل من الصعب إنتاج ما يكفي من الحليب للأطفال».

والموظفون يخاطرون بحياتهم أيضاً، وفي الأسبوع الماضي، بعد 12 ساعة من ولادة ماريا، أصاب صاروخ روسي مستشفى الولادة في مدينة ماريوبول المحاصرة، شرق البلاد، وقالت السلطات الأوكرانية إن ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، قتلوا.

وأظهرت الصور التي التقطت لأم حامل، وهي تحمل على نقالة في مكان تناثرت فيه الأنقاض، والرماد يتساقط من حولها مثل الثلج، كما ظهرت امرأة أخرى وهي تغادر مكان الحادث، وهي مصابة بجروح في الوجه، وأنجبت طفلة، بعد ساعات من التفجير، سمتها فيرونيكا.

«أي دولة هي روسيا؟ إنها تخاف المستشفيات وأقسام الولادة وتدمرها»، علق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في خطاب بالفيديو، ووصف الهجوم بأنه جريمة حرب.

 تطويق المدينة

مدينة ميكولايف، التي يتحدث معظم سكانها اللغة الروسية، ويبلغ عدد سكانها نصف مليون نسمة، وتقع على ضفة نهر بوج، على بعد 65 كيلومتراً من البحر الأسود؛ تمنع تقدم الجيش الروسي باتجاه الغرب، حيث تحاول قوات الكرملين التمركز على طول الساحل، من القرم، وقطع أوكرانيا عن البحر. وعلى مدار الأيام الماضية، حاولت القوات الروسية تطويق المدينة، إذ يقول المسؤولون الأوكرانيون إنها تخطط لعبور النهر إلى مدينة أوديسا الساحلية.

ولم ينجحوا بعد، ولكن مع التقدم الروسي إلى الأمام في مواجهة المقاومة الأوكرانية الشديدة، ألحقت قوات بوتين الدمار بأجزاء من المدينة. وعلى أحد الطرق الرئيسة، كانت المباني السكنية المدمرة ذات النوافذ المكسورة، خالية من الناس، فيما تناثر الزجاج على الرصيف.

استهداف كل شيء

في مستشفى المدينة، مشى كونستانتين بوليانسكي، وهو مساعد المدير في أحد أكبر المستشفيات، في ميكولايف، عبر الثلج المتساقط إلى تل صغير، حيث سقطت قذيفة قبل يومين. وقال إنه في الخامسة صباحاً، سقط شيء ما على الأرض، فوق الملجأ الذي كان يختبئ فيه المرضى والموظفون. وكان يعتقد أنها قنبلة روسية، لكن كان من المستحيل التأكد.

قال بوليانسكي، «إنهم يستهدفون أي مكان، وأي مبنى» متابعاً، «ليس لديهم أي أهداف أو أغراض، إنهم يهاجمون فقط».

وكل يوم، تمتلئ مستشفيات ميكولايف، والمستشفيات في جميع أنحاء البلاد، بالمزيد من ضحايا الهجوم الروسي. وفي مستشفى الأطفال الإقليمي، على الطرف الجنوبي الشرقي من المدينة، يرقد ثلاثة أطفال، إيرينا وصوفيا وستاس، في غرف مجاورة في جناح بإضاءة خافتة.

ولا أحد منهم يعرف الآخر، لكنهم أصيبوا جميعاً عندما قُصفت منازلهم. وإيرينا، (سبع سنوات)، التي كانت مستلقية على جانبها، تعاني جروحاً، بينما لُفت ضمادات حول ذراعها اليسرى. وكانت المراهقة صوفيا، شاحبة الوجه، تنظر من تحت الضمادات التي غطت الجانب الأيمن من وجهها، الذي أصيب بشظايا.

وجود دائم

قال المدير الطبي للمستشفى، ألكساندر يورفيتش، «أجرى الأطباء عمليات جراحية لهؤلاء الأطفال، واستمرت العمليات الجراحية من ست إلى سبع ساعات، وبذلوا جهداً لا يُصدق لاستعادة وظائف الذراعين والساقين، ووظائف المخ». وجميع العاملين في المجال الطبي موجودون في المستشفى على مدار الساعة، «نبقى هنا طوال الوقت، تقريباً، لتوفير الرعاية للأطفال»، يوضح يورفيتش، «بالنسبة لنا، نحن الأطباء، من غير المعقول أن نرى في عام 2022، في أوروبا، مثل هذه الفظائع التي ارتكبتها روسيا».

وكان ستاس، البالغ من العمر 12 عاماً، الطفل الوحيد في الجناح، مستلقياً على سرير بالمستشفى، ووجهه ممزق ومليء بالكدمات، وذراعه المكسورة مربوطة. وبعد قصف منزله، نُقل إلى المستشفى ونجا بعد عملية جراحية طويلة.

وعندما ألقى الصحافيون التحية عليه، أشار بإبهام ضعيفة، وقال بلغة إنجليزية مترددة «أنا بخير»، عندما سُئل عن حالته.

وهتفت الممرضات الجالسات معه في محاولة للحفاظ على معنوياته مرتفعة. ولكنهم يعرفون ما لم يعرفه بعد: القصف الذي نجا منه قتل والدته وشقيقته.

• 4000 طفل ولدوا في جميع أنحاء أوكرانيا منذ بدء الحرب.

طباعة