روجت لها روسيا والصين

نظريات مؤامرة عن تمويل أميركا لأسلحة جرثومية وكيماوية في أوكرانيا

صورة

تصاعدت قبل أيام واحدة من أكثر حملات التضليل الروسية رواجاً، عندما أصدرت وزارتا الدفاع والخارجية الروسية بيانات تزعم، زوراً، أن وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) تمول مختبرات أسلحة بيولوجية في أوكرانيا. وكرر هذه الادعاءات نفسها دبلوماسيون صينيون، ومؤسسات إعلامية حكومية صينية، في مؤتمرات صحافية في بكين، وفي مقالات صحافية، وفي حسابات وسائل التواصل الاجتماعي الرسمية.

وإزاء ذلك اتخذ البيت الأبيض خطوة غير عادية في رده على الحملة الدعائية المنسقة في كلا البلدين، عندما قال إنهما قد يوفران غطاءً لهجوم محتمل من قبل الجيش الروسي بالأسلحة البيولوجية أو الكيماوية على الأوكرانيين.

وأطلقت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض، جين ساكي، تغريدة تقول فيها إنه «بعد أن روجت روسيا لهذه الادعاءات الكاذبة، وأيدتها الصين في ذلك، يجب علينا جميعاً أن ننتبه لاحتمال استخدام روسيا أسلحة كيماوية أو بيولوجية في أوكرانيا، أو أن تلفق عملية كاذبة بأن جهة ما استخدمتها» وأضافت: «إنه نمط واضح».

منافية للعقل

ووصفت ساكي الاتهامات بأنها «منافية للعقل»، وقالت إن الولايات المتحدة «لا تطور أو تمتلك مثل هذه الأسلحة في أي مكان». ووصفت وزارة الخارجية الأميركية هذه الادعاءات بأنها «محض هراء» وقالت إن أوكرانيا ليس لديها معامل أسلحة بيولوجية. وفيما بعد كرر كبار مسؤولي وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي أيه) تلك النقاط في جلسة استماع بمجلس الشيوخ.

وجدت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن وحلفاؤها الأوروبيون والآسيويون أنفسهم يخوضون حرباً إعلامية ضد كل من روسيا والصين، في الوقت الذي يواصل فيه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هجومه العسكري على أوكرانيا. وأثار ترويج الحكومة الصينية للمعلومات المضللة الروسية في خضم الحرب، القلق بين المسؤولين الغربيين بسبب المكانة الدبلوماسية القوية للصين، وإمكانات الإنترنت الواسعة النطاق التي تتمتع بها. وقال محللون يدرسون المعلومات المضللة التي يروج لها البلدان إن هذه هي المرة الأولى التي يرون فيها هذا الحجم من التضخيم لنظرية المؤامرة من قبل بكين وموسكو.

حملة دعائية نشطة

ويقول المحلل البارز في التحالف من أجل تأمين الديمقراطية، بريت شيفر، والذي يتتبع المعلومات المضللة من الصين وروسيا وإيران «لم أتخيل أبداً حملة دعائية نشطة مثل هذه تنظمها روسيا وتحصل على هذا المستوى من الدعم من الصين»، ويضيف: «لم أر مثل هذا الكم الهائل من المعلومات المضللة حول أمر كهذا».

هذا هو أحدث عرض للاصطفاف الوثيق بين بكين وموسكو، والذي أكد البلدان في بيان من خمسة آلاف كلمة، أن «لا حدود له»، صدر في قمة بين بوتين، والرئيس الصيني، شي جين بينغ في الرابع من فبراير، وطالب من خلاله كبار المسؤولين الصينيين من روسيا، عدم غزو أوكرانيا قبل انتهاء دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين، وفقاً لتقرير استخباراتي غربي.

وابتداءً من نوفمبر الماضي، أجرى المسؤولون الأميركيون محادثات بهدوء مع المسؤولين الصينيين، بمن فيهم سفير الصين في واشنطن ووزير خارجيتها، لمناقشة المعلومات الاستخباراتية التي تظهر حشد بوتين لقواته، وإقناع الصينيين بإخبار الروس بعدم شن حرب، لكنهم رفضوا، حسب رواية مسؤولين أميركيين. ويقول مدير (سي آي أيه)، وليام جيه بيرنز، في جلسة استماع بمجلس الشيوخ إنه يعتقد أن شي كان «غير راض» عن الحرب على أوكرانيا، ويبدو أنه لم يتم إخباره بما سيحدث من قبل أجهزة المخابرات الخاصة به.

تنديد بأميركا

ووقف المسؤولون الصينيون علناً إلى جانب روسيا في هذه الحرب، ونددوا بالولايات المتحدة واتهموها بإثارة الصراع، وأكدوا على شكاوى بوتين بشأن توسع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بينما أعربوا أيضاً عن قلقهم بشأن الأزمة الإنسانية. وفيما بعد كرر شي النقاط نفسها التي تحدث عنها مسؤولوه بشأن الحرب في مكالمة فيديو مع قادة فرنسا وألمانيا، لكنه أضاف أن الصين «حزينة بشدة من اندلاع الحرب مرة أخرى في القارة الأوروبية»، وفقاً لبعض المصادر، لكنه لم يذكر أن روسيا هي التي بدأت القتال.

وباستخدام الدبلوماسيين الصينيين المؤتمرات الصحافية ووسائل الإعلام الحكومية وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي في جميع أنحاء العالم، تحاول الصين بخطابها الناري تأجيج الموقف، ونشر نظريات المؤامرة المتجذرة في المعلومات المضللة الروسية، كما يقول مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون وباحثون مستقلون.

وبينما كان شي يتحدث إلى القادة الأوروبيين يوم الثلاثاء، أثار المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو ليجيان، مسألة الأسلحة الكيماوية والجرثومية في أوكرانيا في مؤتمر صحافي في بكين، مؤكداً أن «روسيا اكتشفت خلال عملياتها العسكرية أن الولايات المتحدة تستخدم هذه المنشآت لتنفيذ خطط بيولوجية عسكرية». وقال: «لديها 26 معملاً بيولوجياً ومنشآت أخرى ذات صلة في أوكرانيا، وتمتلك وزارة الدفاع الأميركية سيطرة مطلقة عليها» ويختتم حديثه قائلاً «جميع مسببات الأمراض الخطيرة في أوكرانيا يتم تخزينها في هذه المختبرات وينفذ الجانب الأميركي جميع الأنشطة البحثية».

وينشر ليجيان نظريات المؤامرة المناهضة للولايات المتحدة في محاولة لصرف النظر عن سوء تعامل الصين مع تفشي فيروس كورونا الأولي في ووهان، والتساؤلات حول أبحاث معهد ووهان لعلم الفيروسات. وقال في مارس 2020 إن الجيش الأميركي ربما يكون قد جلب الفيروس إلى ووهان، وأكد أن البحث في فورت ديتريك بولاية ماريلاند ربما كان السبب الجذري للوباء. وذكر فورت ديتريك مرة أخرى يوم الخميس الماضي.

واستخدم الدبلوماسيون الصينيون والوكالات الحكومية والمؤسسات الإعلامية الحكومية الصينية الحسابات الرسمية على تويتر ومنصات التواصل الاجتماعي الأخرى لنشر نظرية المؤامرة بشأن المختبرات الأوكرانية.

حتى أن الدبلوماسي في السفارة الصينية في بيروت، كاو يي، نشر النظرية على تويتر باللغتين العربية والإنجليزية.

ويقول شيفر إن «تيليسور» وهي شبكة التلفزيون الحكومية الفنزويلية، «قامت أيضاً بتضخيم نظرية المختبرات لكن نشاطها ضئيل مقارنة بما تفعله الصين»، وقال أيضاً «الآن بعد أن اتخذت منصات التكنولوجيا الأميركية إجراءات ضد وسائل الإعلام الحكومية الروسية، فإن وسائل الإعلام الحكومية الصينية تملأ هذه الفجوة» ويضيف «إنهم يرددون النقاط نفسها التي يرددها الكرملين».

نظرية المؤامرة

وتداولت مختلف الأوساط نظرية المؤامرة الخاصة بالأسلحة الكيماوية والجرثومية في الأسابيع الأخيرة، وتحدثت بصددها شخصيات ومجموعات سياسية أميركية يمينية متطرفة، بما في ذلك مضيف قناة فوكس نيوز، تاكر كارلسون. ويقول الصحافي الناقد للقوة العسكرية الأميركية والوكالات الأمنية، جلين غرينوالد، إن النظرية قد تكون صحيحة. حتى الفنانة الصينية المنشقة آي ويوي أعادت تعليقها على النظرية على تويتر.

كما أصدر معهد دراسة الحرب، وهو مركز أبحاث في واشنطن يتتبع الصراع في أوكرانيا، تحذيراً يوم الأربعاء من أن هذا الترويج الروسي يمكن أن يكون جزءاً من محاولة لوضع الأساس لهجوم كيماوي أو بيولوجي من قبل موسكو. وأضاف بأن «روسيا قد تشن أو تلفق مثل هذا الهجوم وتحمل أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي (ناتو) اللوم لتبرير عدوان إضافي ضد أوكرانيا»، وكررت وسائل الإعلام الحكومية الصينية التصريحات الروسية الرسمية حول حرب أوكرانيا، مع التأكيد الزائف بأن أوكرانيا مليئة بالنازيين الجدد، وساقت الحجج القائلة بأن الولايات المتحدة هي «إمبراطورية أكاذيب» تحرك خيوط دمية كييف.

ونشرت جلوبال تايمز، وهي صحيفة قومية ينشرها الحزب الشيوعي الصيني، مقالاً قبل أيام جاء فيه أن الحكومة الأميركية كانت تحاول إثارة الغضب ضد الصين بسبب حرب أوكرانيا من خلال نشرها قصصاً في نيويورك تايمز، ووول ستريت جورنال، وفويس أوف أميركا. واتهمت منشورات أخرى في وسائل الإعلام الحكومية الصينية أوكرانيا باستخدام المدنيين دروعاً بشرية، وهي نقطة نقاش أثيرت في الكرملين، مع تجنب أي ذكر لوفيات مدنيين على أيدي القوات المسلحة الروسية.

• وجدت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن وحلفاؤها الأوروبيون والآسيويون أنفسهم يخوضون حرباً إعلامية ضد كل من روسيا والصين، في الوقت الذي يواصل فيه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هجومه العسكري على أوكرانيا.

• قال محللون يدرسون المعلومات المضللة التي يروج لها البلدان، إن هذه هي المرة الأولى التي يرون فيها هذا الحجم من التضخيم لنظرية المؤامرة من قبل بكين وموسكو.

إدوارد وونغ ■ مراسل دبلوماسي ودولي لصحيفة نيويورك تايمز

طباعة