إذا لم يحقق بوتين أهدافه

الحرب الروسية في أوكرانيا ستتجه نحو الأسوأ

صورة

بدأ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، فهم الصعوبات الضخمة للحرب التي شنها على أوكرانيا، وهو يدرك الآن أن جنرالاته الفاسدين، يكذبون عليه حول تأثير الآلة الحربية التي عملوا على بنائها. ويعرف أن «الخبراء» المنافقين الذين يعززون تحامله على ضعف الهوية الوطنية الأوكرانية، لا يمكنه الاعتماد على ما يقولونه، ويعرف أيضاً أن ضعف ألمانيا لن يدوم للأبد، وأن الأميركيين لايزالون يعرفون كيفية الانخراط في الحروب الباردة، وليس لديه أي وهم الآن بشأن قوة العقوبات الاقتصادية الغربية، ويعرف أن العائلات في جميع أنحاء روسيا ستبدأ بالحداد على أبنائها في الوقت الذي يزداد فيه أعداد القتلى في أوكرانيا.

بوتين مصمم على القتال

وهو بلا شك مستاء من دفق الأخبار السيئة، ولكنه مصمم على القتال، وهذا لن يشكل أي مفاجأة بالنسبة لنا، إذ أن بوتين يعرف أن مستقبل بقائه في السلطة وحريته، وربما حياته أيضاً، تعتمد على نتيجة هذه الحرب.

وثمة شيء آخر يعرفه أيضاً، أو أنه يعتقد أنه يعرفه، وأن الكثيرين في الغرب يتوقعون حدوثه، وهو أن الغربيين والأميركيين بصفة خاصة، يعتقدون أن الحرية هي التي تنتصر في النهاية، وهذا يعني أن الرئيس بوتين سيخسر في نهاية المطاف في أوكرانيا وأن «البوتينية» ستفشل في روسيا لأن هذه هي الطريقة التي يعمل وفقها التاريخ.

ستالين مات على فراشه

ويبدو أن التاريخ يعلمنا درساً مختلفاً، فإن إمبراطورية القياصرة لم تُبن على الحرية، ولم يتم تحقيقها أصلاً عندما سقطت هذه الإمبراطورية. ولم يكن الاتحاد السوفييتي الذي أنشئ على أنقاض حكم القيصر الروسي الأخير، نيقولا رومانوف، مستنداً إلى فكرة الحرية الإنسانية. والرئيس الثاني للاتحاد السوفيتي، جوزيف ستالين، لم تتم الإطاحة به من قبل الروس المتعطشين للحرية، بل إنه مات على فراشه، وأما الليبراليون الضعفاء الذين حاولوا إدخال النمط الغربي للديمقراطية إلى روسيا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، فقد تم تهميشهم خلال الصراع على السلطة في مرحلة ما بعد الرئيس الروسي الأول بوريس يلتسين. والرئيس بوتين لا يعتقد أن «الحرية دائماً تفوز» وأن ردة فعله المرجح حدوثها بعد فشل استراتيجيته الأولية لضم أوكرانيا إلى فلكه يمكن أن تشهد مزيداً من القمع.

لن يتنازل بوتين عن طموحاته

وعلينا ألا نقلل من قوة اعتقاد بوتين بفعالية القبضة الحديدية، فقد شاهد أنها تنجح في الكثير من الأماكن، ويعرف الرئيس بوتين بشاعة الحرب التي شارك فيها لمساعدة الرئيس السوري بشار الأسد، وأن رئيس كوريا الشمالية قد تحمل عقوداً عدة من العقوبات الأميركية، ويتذكر السنة الماضية الانتفاضة الديمقراطية في بيلاروسيا، ويتذكر السهولة التي تمكن من خلالها الرئيس ألكساندر لوكاشنكو، من قمع هذه الانتفاضة، وعلى الأرجح فإن الرئيس بوتين لن يتنازل عن طموحاته في أوكرانيا، وكذلك عن سلطته في موسكو.

ولا يمكن أن نخدع أنفسنا بالمدى الذي يمكن أن يذهب إليه الرئيس بوتين، فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، يفرض إجراءات أمنية مشددة، حيث عمد إلى إغلاق آخر المؤسسات الإعلامية الحرة، واعتقل المنتقدين وشدد القوانين ضد الاحتجاجات، والمعارضة. ولكن المرحلة السوفييتية شهدت سيطرة شمولية أكثر بكثير مما يفرضه بوتين الآن، كما أنها فرضت حالة من الرعب أكبر بكثير من أي شيء آخر موجود في روسيا الآن.

الالتزامات الثلاث

والسؤال المطروح الآن مفاده ما إذا كان بوتين سينجح أم لا. علماً أن دولة بوتين والبيروقراطية الروسية تفتقران الآن إلى الالتزام الأيديولوجي، وتجربة الحرب الأهلية، التي جعلت حزب ستالين الشيوعي أداة أكثر فعالية لقمع الجماهير. والآن تبدو وكالة الأمن الروسية المعروفة باسم «إف.إس.بي» أقل قوة بكثير من وكالة «كي.جي.بي» التي اتسمت بالرعب في الحقبة السوفييتية.

وفي كل الأحوال فإن بناء قوة أمنية فعالة أسهل من إنشاء جيش حديث، وأن الرجال الذين مكنوه من الزحف إلى أوكرانيا يمكن أن يواصلوا دعمه خلال الزحف عميقاً في التاريخ الروسي.

وتظهر السيرة المهنية السياسية للرئيس بوتين ثلاثة التزامات لا تتزعزع: الأول يتعلق بسلطته الشخصية، والثاني في توسع روسيا، والثالث تفوق المجتمع الشمولي على الغرب الليبرالي. ولسوء حظ الشعبين الروسي والأوكراني، فإن هذه المبادئ ستحدد قراراته في الأيام والأسابيع المقبلة.

• لا يمكن أن نخدع أنفسنا بالمدى الذي يمكن أن يذهب إليه الرئيس بوتين، ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا يفرض إجراءات أمنية مشددة، حيث عمد إلى إغلاق آخر المؤسسات الإعلامية الحرة، واعتقل المنتقدين وشدد القوانين ضد الاحتجاجات والمعارضة.

• الرئيس بوتين لا يعتقد أن «الحرية دائماً تفوز» وأن ردة فعله المرجح حدوثها بعد فشل استراتيجيته الأولية لضم أوكرانيا إلى فلكه يمكن أن تشهد مزيداً من القمع.

• تظهر السيرة المهنية السياسية للرئيس بوتين ثلاثة التزامات لا تتزعزع: الأول يتعلق بسلطته الشخصية، والثاني في توسع روسيا، والثالث تفوق المجتمع الشمولي على الغرب الليبرالي. ولسوء حظ الشعبين الروسي والأوكراني، فإن هذه المبادئ ستحدد قراراته في الأيام والأسابيع المقبلة.

والتر روسل ميد ■ أستاذ جامعي أميركي

طباعة