خوفاً من زيادة نفوذ موسكو على الغرب

الهجوم الروسي على أوكرانيا يدفع أميركا إلى سرعة الاتفاق مع إيران

صورة

فالي كاليج*

يبدو أن الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا ينطوي على تداعيات بالنسبة لإيران، وأهمها ما يؤثر في وضع المفاوضات النووية وسوق الطاقة. ومع وصول المفاوضات النووية في فيينا إلى المراحل النهائية والأكثر أهمية، فإن العودة إلى اتفاقية خطة العمل الشامل والمشترك، ستؤدي إلى رفع عقوبات «الضغوط القصوى» التي تم فرضها على إيران في ظل إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب.

الخوف من امتداد الأزمة إلى فيينا

بعد 10 أشهر من المفاوضات المتواصلة بين ممثلي إيران والصين، وروسيا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، أشار المسؤولون الإيرانيون والأميركيون إلى أن المفاوضات تقترب من الخاتمة. وغرد المفاوض النووي الإيراني، علي باقري كني، في 16فبراير الماضي، قائلاً «نقترب أكثر من أي وقت مضى من الاتفاق» وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، مردداً تعليقات كني المتفائلة، أخيراً «نحن الآن في منتصف المراحل النهائية للمفاوضات الصعبة».

وتبقى المخاوف الرئيسة، في مثل هذه الظروف، أن تمتد آثار الخلافات بين روسيا والغرب نتيجة الأزمة الأوكرانية، إلى المفاوضات النووية الإيرانية، الأمر الذي ربما سيمنع الأطراف المشاركة من الموافقة على النص النهائي للاتفاقية. ويحذر الخبيران الأميركيان، جونثان تيرون، وغولنار موتيفالي، من مؤسسة بلومبيرغ الإعلامية، من أن مخاطر الهجوم الروسي على أوكرانيا «يعرض الدبلوماسية لعدم الاتفاق على الاتفاقية النووية الإيرانية في العقبة الأخيرة» ولكن التعليقات الصادرة عن مسؤولين من روسيا والولايات المتحدة تفيد بأن المفاوضات ستكون قادرة على المواصلة دون عوائق. القضيتان غير مرتبطتين

وقال المبعوث الروسي للمفاوضات النووية في فيينا، ميخائيل أوليانوف، إنه ليس هناك أي «علاقة» بين «إيران، وأوكرانيا» في السياسة الخارجية الروسية. ونشر مرات عدة صور لقاءاته مع نظيره الأميركي، روب ماللي، للتأكيد على التعاون بين روسيا والولايات المتحدة في فيينا. وفعلاً أبلغ وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، محطة «سي بي إس» التلفزيونية في السادس من مارس الجاري، أن العقوبات الأميركية على روسيا «ليس لها أي علاقة بالاتفاقية النووية الإيرانية»، مضيفاً أن القضيتين «غير مرتبطتين» وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض، جين ساكي، إن روسيا تواصل المشاركة في المفاوضات النووية مع إيران. ومع ذلك فإن هناك الكثير من المخاوف بشأن تداعيات الأزمة الأوكرانية على المفاوضات النووية الإيرانية.

لافروف يطالب بضمانة

وتصاعدت هذه المخاوف أخيراً عندما حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من أن العقوبات الغربية الأخيرة ضد روسيا يمكن أن تقوّض المفاوضات النهائية، إذا لم يتم إصدار استثناءات للتجارة بين روسيا وإيران. وقال لافروف «نريد جواباً.. ونحن بحاجة إلى ضمانة بأن هذه العقوبات لن تمس، ولا بأي شكل من الأشكال، نظام التجارة الاقتصادية والعلاقات الاستثمارية المنصوص عليها بالاتفاقية النووية» وتم انتقاد هذا الموقف الروسي على نطاق واسع داخل إيران. وقال مستشار الفريق الإيراني المفاوض في فيينا، محمد مراندي، معلقاً «إنه ليس من الواضح تماماً ما الذي يقصده الروس. وما إذا كان مرتبطاً بالتنفيذ الفعلي لاتفاقية إيران النووية، خصوصاً فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني نفسه، فإن ذلك وثيق الصلة، لأن الروس يلعبون دوراً في حل هذه القضية. وسوف يتعاملون مع اليورانيوم المخصب، والعناصر الأخرى للبرنامج النووي. ولانزال بانتظار التوضيحات»

انتقاد إيراني لروسيا

وفي مقابل المطلب الروسي، أشار المتحدث باسم وزير الخارجية الإيراني، سعيد خطيب زاده، إلى أن طاولة المفاوضات وليس المقابلات الإعلامية هي المكان الذي يجب أن تطرح فيه المخاوف. وبعد ذلك أجرى وزيرا الخارجية الروسي والإيراني محادثة هاتفية في السابع من مارس، وناقشا الآثار المحتملة للأزمة الأوكرانية على مفاوضات فيينا. وكانت ردود الفعل والانتقادات أكثر وضوحاً وحِدة في الإعلام الإيراني. واتهم كثيرون موسكو باستغلال طهران من أجل زيادة نفوذها على الغرب ودعوا إلى مفاوضات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة في فيينا. ومن ناحية أخرى، رفض وزير الخارجية الأميركي بلينكن مطالب روسيا الجديدة باعتبارها «بعيدة الصلة» عن الاتفاقية. ولكن بلا شك بعد الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا، فإن الولايات المتحدة تريد التوصل إلى خاتمة للمفاوضات النووية مع إيران بسرعة. وثمة ستة أسباب لتجدد هذا الشعور بالاستعجال.

ستة أسباب

وأول هذه الأسباب، أن الغرب يشعر بالقلق من أنه طالما أن الحرب في أوكرانيا متواصلة فإن موسكو ستستغل المفاوضات النووية من أجل تعزيز نفوذها. وفي هذه الحالة، ستضاف عقبات جديدة إلى المفاوضات، ما يعقد من عملية الوصول إلى الاتفاق النهائي.

والثاني، أن إدارة بايدن واجهت انتقادات كبيرة لسياستها الخارجية إزاء أفغانستان وأوكرانيا. وبناء عليه، فمن مصلحة الإدارة التوصل إلى نجاح سياسي مهم في السياسة الخارجية، عن طريق حل القضية النووية الإيرانية. وخصوصاً، في الوقت الذين تكون فيه «خطة العمل المشترك والشامل» هي من إرث إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، فإن العودة إلى الاتفاق سيبعث برسالة واضحة إلى الجمهوريين، وبصورة خاصة الرئيس السابق دونالد ترامب ورفاقه.

وثالثاً، فإن اختتام المفاوضات النووية مع إيران سيسمح للغرب بالتركيز أكثر على مواجهة روسيا. وفي هذا الصدد، يعتقد الغرب أن استمرار المفاوضات النووية يصب في مصلحة روسيا.

رابعاً، فشل المفاوضات النووية مع إيران واستمرار فرض العقوبات عليها من شأنه أن يقرب طهران أكثر باتجاه روسيا التي واجهت عقوبات غربية على نطاق واسع خلال الأسابيع الأخيرة. وفي ظل هذه الظروف، فإن روسيا يمكن أن تلغي بعض العقوبات ضد إيران وتتعاون أكثر معها، وهو أمر لا يصب في مصلحة الغرب. ولهذا السبب، يشير بعض المحللين داخل إيران إلى أنه إذا فشلت المفاوضات النووية، فإن العقوبات الغربية ضد روسيا على الأرجح ستدفع موسكو إلى مزيد من التجاهل لنتائج انتهاك العقوبات الأميركية في التعامل مع إيران.

وخامساً، فإن التوصل إلى اتفاق في فيينا سيساعد على استقرار الخليج العربي، حيث أدت العقوبات الأميركية وتوسع النشاطات النووية الإيرانية إلى زيادة التوتر وغذت الحروب بالوكالة في الأشهر الأخيرة. ولكن الحرب الجارية في أوروبا الآن هي التي تغطي على الجهود المبذولة من أجل الاتفاق النووي. وبالنظر إلى أن الاستقرار في الشرق الأوسط والخليج العربي، سيسمح للغرب بالتركيز أكثر على مواجهة روسيا، فإن الغرب لديه كل المحفزات لتسريع التوصل إلى خاتمة للمفاوضات النووية في فيينا.

والسادس والأخير، فقد وصلت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل بعد الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا.

ومع أخذ ذلك في الاعتبار، فإن التوصل إلى خاتمة للمفاوضات النووية مع إيران ورفع العقوبات الأميركية عنها سيسمح لإيران بالعودة إلى سوق النفط العالمية. وبالنظر إلى أن إيران كانت واحدة من أكبر منتجي النفط الخام في منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» قبل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية الإيرانية، فإن عودتها إلى السوق يمكن أن يقلل من سعر برميل النفط.

ويتوقع كثيرون أن إيران يمكنها زيادة كمية تصديرها من النفط بنحو مليون برميل يومياً إذا تم رفع العقوبات عنها. وبالفعل، فإن الإيرانيين يمتلكون الآن كميات من النفط تنتظر التصدير. وبناء عليه، فإن التوصل إلى اتفاق في فيينا ورفع العقوبات يمكن أن يساعد على السيطرة على سوق النفط.

وعلى الرغم من أنه لا يبدو بأن روسيا قد أصبحت مهتمة بتقويض اتفاقية إيران النووية بصورة شاملة، إلا أن إطالة أمد المفاوضات من شأنه أن يخدم مصلحة روسيا حيث يمنحها نفوذاً على الغرب. ولكن الولايات المتحدة وشركائها في فيينا سيكونون متحمسين للتوصل إلى نهاية للاتفاقية النووية الإيرانية بسرعة.

• الغرب يشعر بالقلق من أنه طالما أن الحرب في أوكرانيا متواصلة فإن موسكو ستستغل المفاوضات النووية من أجل تعزيز نفوذها. وفي هذه الحالة، ستضاف عقبات جديدة إلى المفاوضات، ما يعقد من عملية الوصول إلى الاتفاق النهائي.

• يُخشى أن تمتد آثار الخلافات بين روسيا والغرب نتيجة الأزمة الأوكرانية، إلى المفاوضات النووية الإيرانية، الأمر الذي ربما سيمنع الأطراف المشاركة من الموافقة على النص النهائي للاتفاقية.

• فشل المفاوضات النووية مع إيران واستمرار فرض العقوبات عليها من شأنه أن يقرب طهران أكثر باتجاه روسيا التي واجهت عقوبات غربية على نطاق واسع خلال الأسابيع الأخيرة. وفي ظل هذه الظروف، فإن روسيا يمكن أن تلغي بعض العقوبات ضد إيران وتتعاون أكثر معها.

فالي كاليج ■ كاتب إيراني

طباعة