فصلهم المستعمر الدنماركي عن محيطهم وأُسرهم عندما كانوا أطفالاً

دنماركيون من أصول غرينلاندية ضحايا تجربة اجتماعية فاشلة

صورة

نظرت هيلين ثيسين، البالغة من العمر سبع سنوات، من على متن سفينة الركاب «إم إس ديسكو»، وهي تعلم أنها كانت تُبحر من غرينلاند إلى مكان يسمى الدنمارك. ما لم تستطع فهمه، هو سبب موافقة والدتها على إرسالها بعيداً عنها في ذلك اليوم التعيس من عام 1951. تتذكر تلك اللحظة جيداً، إذ تقول: «كنت حزينة للغاية».

تبلغ ثيسين من العمر الآن 77 عاماً، كانت منهارة من شدة الحزن، ولم تُجدِ محاولاتها للإفلات والركض تجاه والدتها وشقيقيها، اللذين جاءا لوداعها في ميناء عاصمة غرينلاند، نوك. تقول: «نظرت في عيني أمي واندهشت: لماذا تركتني أرحل؟».

كانت ثيسين واحدة من 22 طفلاً من أطفال قومية الإنويت في غرينلاند، الذين تم فصلهم عن أسرهم وهم لا يعرفون بأنهم سيصبحون جزءاً من تجربة اجتماعية فاشلة. كانت أعمار هؤلاء الأطفال تراوح بين خمس وتسع سنوات، لم يتمكن الكثير منهم من رؤية عائلاتهم أو العيش معهم مرة أخرى، حيث أصبحوا منسيين ومهمشين في وطنهم الأم. في ذلك الوقت، كانت غرينلاند مستعمرة دنماركية، وكان سكان غرينلاند يعانون مستويات عالية من الفقر، وتدني نوعية الحياة، ومعدلات وفيات عالية، كما يقول الباحث في أحد مشروعات المتحف الوطني الدنماركي، أينار لوند جنسن.

نخبة من المثقفين

ويقول جنسن، الذي شارك في تأليف تقرير حديث بتكليف من الحكومة يتعلق بالتحقيق في تلك التجربة: «كان هدف الدنمارك من تلك التجربة هو إنشاء نخبة من المثقفين»، حيث شعرت الحكومة الدنماركية في ذلك الوقت، بأنها مضطرة لتحديث المستعمرة القطبية الشمالية، على أمل الإبقاء على مصالحها في الوقت الذي تجتاح فيه العالم حركات التخلص من الاستعمار، بعد الحرب العالمية الثانية.

ويضيف جنسن أن الحكومة استقت الفكرة من منظمة إنقاذ الطفولة الدنماركية لجلب أطفال الإنويت إلى البلاد من أجل إنقاذ غرينلاند مّما كان يُنظر إليه على أنه ظروف معيشية سيئة. وكان الافتراض في ذلك الوقت هو أن «المجتمع الدنماركي متفوق على مجتمع غرينلاند»، كما يقول جنسن.

بعد عام ونصف العام في الدنمارك، أُعيد معظم الأطفال إلى غرينلاند ليعيشوا في دار للأيتام تديرها جمعية خيرية أخرى، هي الصليب الأحمر الدنماركي، في نوك - منفصلين عن سكان غرينلاند وعائلاتهم وممنوعين من التحدث بلغتهم الأم. صار سكان غرينلاند ينظرون لهؤلاء الأطفال على أنهم غرباء، لذلك عادوا إلى الدنمارك عندما أصبحوا بالغين. يقول جنسن إن ما يصل إلى نصف المجموعة أصيبوا بأمراض عقلية، أو مشكلات تعاطي المخدرات في وقت لاحق من الحياة. وتقول ثيسين إن الكثير منهم أصبحوا عاطلين عن العمل وعاشوا حياة صعبة.

الحكومة أخذت هويتنا

وتقول إحدى هذه الحالات، واسمها كريستين هاينسن: «أخذت الحكومة الدنماركية هويتنا وعائلتنا منا». هاينسن تبلغ 76 عاماً، وتعتبر، إلى جانب ثيسين، واحدة من ستة ناجين من التجارب الاجتماعية في غرينلاند، لايزالون على قيد الحياة. تتجول في مقبرة في كوبنهاغن حيث دُفن بعض أصدقائها الذين خاضوا التجربة، وتعترف بأن حياتها كانت لا باس بها خلال أيامها في دار الأيتام. وتضيف «لكنني أعرف أن العديد من الأطفال الآخرين عانوا النمو، وأعتقد أنه لم يتبقّ منا سوى ستة من أصل 22».

ويقول جنسن إن الهدف من التجربة، التي بدأ التخطيط لها في عام 1950، كان تجنيد الأيتام، لكن كان من الصعب العثور على عدد كافٍ من الأطفال الأيتام. وأضاف أنه تم توسيع المعايير لتشمل الأيتام وأسرهم، وتم اختيار 22 طفلاً، على الرغم من أن العديد منهم كانوا يعيشون مع أسرهم الممتدة أو أحد الوالدين. وقالت ثيسين إن والدتها، التي كانت أرملة، رفضت في البداية طلب اثنين من الدنماركيين اصطحاب ابنتها الصغيرة إلى الدنمارك. لكنها وافقت في النهاية على الوعد بأن ثيسين ستحصل على تعليم أفضل. وتقول الأستاذة المساعدة في جامعة ساسكاتشوان بغرينلاند، كارلا جيسن ويليامسون، وهي أيضاً عضو لجنة المصالحة في غرينلاند، إنه كان من الصعب على مواطن غرينلاندي أن يرفض العرض في ذلك الوقت. وفقاً للتقرير الذي شارك جنسن في تأليفه حول التجربة، كانت هناك شكوك حول ما إذا كان بعض الآباء على دراية كاملة أو ما إذا كانوا قد فهموا ما وافقوا عليه.

وتقول ويليامسون إن ما حدث للأطفال يمثل، من نواحٍ عدة، الآثار المدمرة والمتعمدة للاستئصال الثقافي أثناء الاستعمار، «في الحقبة الاستعمارية، كان هناك اتجاه للقضاء على الطابع الفريد للثقافة، والعلاقة مع الأرض، ونطاق اللغات، والروحانية، وكان من الممكن التخلص منها حتى يستطيع المُستعمر أن يصبح اجتماعياً، ويشكل جزءاً من الدولة الاستعمارية».

عند وصولهم إلى الدنمارك، تم إيواء الأطفال في مخيم عطلات تابع لمنظمة أنقذوا الأطفال في شبه جزيرة فيديت الجنوبية، لمدة أربعة أشهر. ومُنع الأطفال من التحدث باللغة الغرينلاندية، وبدلاً من ذلك تم تعليمهم اللغة الدنماركية.

كان الأطفال مرعوبين ومندهشين في الوقت نفسه من محيطهم الجديد. كانت هاينسن تبلغ من العمر خمس سنوات فقط، في ذلك الوقت، وتتذكر بوضوح كل الأشجار، تقول: «ليس لدينا أي أشجار في غرينلاند، لذلك أتذكر كم كانت تلك الأشجار طويلة وكبيرة».

تم وضعهم في ما بعد مع أسر حاضنة منفصلة لمدة عام تقريباً. ولم تشعر ثيسين بالترحيب في منزل عائلتها بالتبني. كان عليها أن تضع مرهماً للأكزيما ولم يُسمح لها بالجلوس على الأثاث، وقالت: «كنت أشعر بالحنين إلى الوطن كل يوم». كانت عائلتها الثانية بالتبني أكثر لطفاً، حيث اشترت لها دراجة ودمية، وعاملتها كجزء من الأسرة.

عندما حان وقت العودة إلى غرينلاند، بقي ستة من أطفال الإنويت في الدنمارك، وتم تبنيهم من قبل أسرهم الحاضنة. ويقول المؤرخ جنسن إن عمليات التبني كانت «ضد الفكرة الكاملة للعودة إلى غرينلاند والتحول إلى النخبة المثقفة».

عادوا إلى غرينلاند في أكتوبر 1952، ووضعوا في دار للأيتام يديرها الصليب الأحمر الدنماركي في نوك. وبحسب الادعاء القانوني، تم نقل حضانة الأطفال إلى ناظرة دار الأيتام.

تم دمج غرينلاند بالكامل في الدنمارك عام 1953، وفي عام 1979 تم منحها الحكم الذاتي. ويقول جنسن إنه في تلك الفترة فقدت السلطات الدنماركية والغرينلاندية الاهتمام بالتجربة الاجتماعية، حيث احتلت مشروعات البنية التحتية في غرينلاند وقطاع الأعمال وإصلاحات الرعاية الصحية مركز الصدارة.

• الهدف من التجربة، التي بدأ التخطيط لها في عام 1950، كان تجنيد الأيتام، لكن كان من الصعب العثور على عدد كافٍ من الأطفال الأيتام.

• ما حدث للأطفال يمثل، من نواحٍ عدة، الآثار المدمّرة والمتعمّدة للاستئصال الثقافي أثناء الاستعمار.


غرباء في ديارهم

بدأ سكان غرينلاند يعتبرون الأطفال غرباء بعد عودتهم من الدنمارك. ويقول غابرييل شميدت، البالغ من العمر 76 عاماً، وهو واحد من ستة خاضوا التجربة الاجتماعية، ويعيش الآن في الدنمارك: «إن أطفال غرينلاند في نوك يقولون لنا أنتم لا تعرفون غرينلاند، أنتم غرباء عن غرينلاند، ويرمون الحجارة علينا». ويضيف من منزله في الدنمارك «لكن معظم ما قالوه لم أفهمه، لأنني فقدت لغتي الأم».

تتذكر ثيسين عند عودتها من الدنمارك أنها رأت عائلتها تنتظرها على رصيف ميناء نوك. وتقول: «أسقطت حقيبتي على الأرض وركضت إليهم، وأخبرتهم بكل ما رأيته»، وتضيف: «لكن والدتي لم ترد علي». كان ذلك لأنها كانت تتحدث الدنماركية، وأن والدتها كانت تتحدث لهجة الإنويت في غرينلاند، وهي لغة فقدت ثيسين القدرة على فهمها.

استمر لمّ شملهم 10 دقائق. أخبرتها ممرضة دنماركية تعتني بالأطفال أن تتخلى عن والدتها، وأن تعيش في دار للأيتام، وتقول: «بكيت طوال الطريق إلى دار الأيتام - كنت أتطلع بشدة لرؤية بلدتي، ولكني لم أستطع رؤية أي شيء من خلال دموعي».

كان يعيش في دار الأيتام 16 من الأطفال. سُمح لهم فقط بالتحدث باللغة الدنماركية، ووُضعوا في مدرسة ناطقة باللغة الدنماركية، وكان الاتصال بأسرهم محدوداً أو غير موجود. لم يخبر أحد هينسن أن والدتها البيولوجية توفيت بعد وقت قصير من انضمامها إلى دار الأيتام.

ويقول جنسن إنه تم التركيز على البقاء على اتصال مع العائلات الحاضنة. لم يُسمح لوالدة ثيسين بزيارة ابنتها إلا مرتين خلال السنوات السبع التي قضتها هناك.

يقول جنسن إنها كانت صدمة نفسية «أن ينفصل هؤلاء الأطفال على هذا النحو عن مجتمع غرينلاند وآبائهم»، ويضيف «حتى أولئك الذين لديهم أسر في نوك قالوا إنه لم يُسمح لهم بزيارة أسرهم، وفي بعض الأحيان كانت دار الأيتام تدعو الأسرة لتناول القهوة أيام الأحد، ولكن لم يتم منح الأطفال فرصة عادلة للاتصال بأسرهم».

اعتذار متأخر

اعتذرت منظمة «سيف ذي تشلدرن» (أنقذوا الأطفال) في عام 2015 عن الدور الذي لعبته في التجربة الاجتماعية. وقال محامي الضحايا، مادس كروجر برامينج، إن الحكومة الدنماركية أصدرت اعتذاراً بعد خمس سنوات، بعد ضغوط من نشطاء اجتماعيين، لكنها رفضت تعويض من لايزالون على قيد الحياة. وقدم مطالبة تعويض بمبلغ 250 ألف كرونة (38 ألف دولار) لكل واحد من الضحايا في محكمة مقاطعة كوبنهاغن في أواخر ديسمبر 2021.

المتبقون الستة يتهمون الدولة الدنماركية بالتصرف «بشكل ينتهك القانون الدنماركي الحالي وحقوق الإنسان، بما في ذلك حقهم في الحياة الخاصة والعائلية بموجب المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان»، كما جاء في ادعائهم.

وفي تصريح لشبكة «سي إن إن»، يقول وزير الشؤون الاجتماعية والمسنين الدنماركي إن الحكومة تدرس دعوى التعويض.

كان أهم جانب بالنسبة للحكومة الدنماركية هو تقديم اعتذار رسمي للضحايا وعائلاتهم عن الخيانة التي تعرضوا لها. كانت هذه خطوة كبيرة نحو تصحيح فشل الحكومة؛ وهي «مسؤولية لم تتحملها أي حكومة سابقة»، كما يقول أحد المسؤولين الحكوميين. ويضيف «الحكومة تعتقد أن الاعتراف بأخطاء الماضي أمر بالغ الأهمية في حد ذاته، ويجب أن نتعلم من تلك الأخطاء حتى لا يكرر التاريخ نفسه».

طباعة