المراقبة أنشئت في البداية لرصد الحرائق

أول «حارسة ليلية» في سويســـرا تُنهي 6 قرون من احتكار الرجال للمهنة

صورة

احتفظت لوزان بالمراقبة الليلية فوق كاتدرائيتها منذ عام 1405، لكنها لم تعين امرأة في هذه المهمة أبداً، حتى حصلت كساندرا بيردوز، بعد كفاح طويل، على وظيفة كانت «حلم طفولتها». ومن أعلى كاتدرائية مدينة لوزان السويسرية، في وقت متأخر من الليل، تنادي بيردوز بصوت عالٍ وعلى مدار الساعة من أجل حقوق المرأة في سويسرا، البلد الذي كان متخلفاً في المساواة بين الجنسين.

وبيردوز (28 عاماً)، هي أول امرأة يتم تعيينها على الإطلاق في منصب «حارسة ليلية» في لوزان، على الرغم من أن المدينة لديها متسع من الوقت للقيام بذلك؛ إذ احتفظت بهذه الوظيفة لأكثر من 600 عام، حتى لو لم تعد هذه الوظيفة تنقذ حياة الناس، كما فعلت في القرون الماضية، عندما ساعدت المراقبة الليلية في حماية السكان من الحرائق والكوارث الليلية الأخرى.

حفظ الوقت

ولم تعد هناك حاجة إلى الإعلان عن الوقت في بلد مشهور بساعاته، لكن بيردوز لاتزال تحتفظ أيضاً بعنصر حفظ الوقت في وظيفتها القديمة، ومن الجوانب الأربعة لبرج الكاتدرائية التي يوجد به الجرس، تصيح بأعلى صوتها كل ساعة مباشرة بعد دق الجرس الكبير في الكاتدرائية.

وتقوم حارسة الليل السويسرية بوضع يديها حول فمها للمساعدة في انتقال الصوت أكثر، وتميل على الدرابزين وترسل رسالتها الموجزة: «إنها الحارسة الليلية! لقد دقت للتو الساعة 10». وتقول بيردوز إن الانضمام إلى مراقبة الساعة الليلية كان «حلم طفولتها»، لكن كان عليها أن تخوض معركة طويلة وشاقة لتحقيق ذلك.

وعندما استفسرت عن الوظيفة لأول مرة قبل بضع سنوات، لم تتلق رداً من سلطات المدينة، وكتبت إليها مرة أخرى، ولم تتلق أي رد؛ ولذلك بدأت في الاتصال بعمدة لوزان كل شهر للاستفسار عن وظيفة حارسة ليلية. وقالت: «أعتقد أنني أستطيع القول بثقة إني أظهرت مثابرة». وجاء هذا الاختراق في يونيو 2019، عندما نظمت مئات الآلاف من النساء في جميع أنحاء سويسرا إضراباً ليوم واحد، احتجاجاً على عدم المساواة في واحدة من أغنى دول العالم.

تقليد رائع

وفي لوزان، تسلقت أربع نساء برج جرس الكاتدرائية ليصرخن على رأس الساعة، وهو عمل رمزي تحدين من خلاله التقاليد المحلية، وأشادت المتظاهرات بهذا الإنجاز، ثم في العام الماضي، عندما كان لدى سلطات لوزان وظيفة ليلية شاغرة، تمت دعوة النساء للتقدم لها. ومن بين 100 طلب أو نحو ذلك تلقاها مكتب التوظيف، كان 80 طلباً من النساء.

وبعد جولتين من المقابلات التي تضمنت إظهار قوة صوتها، تم تعيين بيردوز - التي تغني أيضاً في جوقة هواة - في أغسطس. وعن ذلك قالت: «أعمل في مكان قديم وجميل، وأحمل شيئاً إلى المدينة أحبه، وأبقي تقليداً رائعاً على قيد الحياة»، متابعة: «لكني أيضاً أصرخ باسم المرأة، وهي مساهمتي في الحركة النسائية».

من جهتها، قالت نادية ليمامر، وهي خبيرة في قضايا النوع الاجتماعي والأستاذة في الجامعة الفيدرالية السويسرية للتعليم والتدريب المهني، إن التعيين كان «رمزاً قوياً، ورحب به العديد من الناشطات»، لكن المدينة لاتزال بحاجة لإثبات أن خطوتها هي أكثر من رد فعل على إضراب النساء، وفقاً لليمامر التي تتساءل: «هل سيبقى هذا العمل الرمزي استثناءً؟».

وترى الخبيرة الاجتماعية أن فتح الباب أمام النساء في هذا النوع من الوظائف لا يعني أن الطريق أصبح أسهل؛ إذ حصلت النساء على حقوق التصويت الكاملة في عام 1971، ولايزال أمامهن الكثير من أجل التقدم، كما توضح ليمامر، عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل الأجر المتساوي للمرأة، والتوازن العادل بين رعاية الأطفال والأعمال المنزلية، وتوظيف المزيد من النساء في القطاعات المحجوزة تقليدياً للرجال، وبينما انضمت أخيراً امرأة إلى الحراسة الليلية في لوزان، فإن جميع زملاء بيردوز هم من الرجال، وهي جزء من فريق من ستة مساعدين لكبير الحراس الليليين، وهو رجل.

مهمة أساسية

وقال عضو مجلس بلدية لوزان المسؤول عن المراقبة الليلية، ديفيد بايوت، إن سويسرا تستحق الثناء على ديمقراطيتها المباشرة التي تسمح للمواطنين بالتصويت على السياسات الرئيسة، ولكن «عندما تنظر إلى الوضع الاقتصادي للمرأة ودورها في الحياة الأسرية، فلايزال يبدو غير متكافئ للغاية». ولوزان، المدينة الجذابة ذات الشوارع شديدة الانحدار، والمرصوفة بالحصى، وموطن اللجنة الأولمبية الدولية، أبقت على حارس في كاتدرائيتها منذ عام 1405، وفقاً لسجلات المدينة.

ومن خلال إطلالة شاملة على المدينة والجبال المحيطة عبر بحيرة جنيف، وقف حارس الكاتدرائية في الماضي على نقطة المراقبة متحلياً باليقظة، وكانت المهمة الأساسية للحارس الليلي هي رصد واكتشاف الدخان أو اللهب، قبل أن ينتشر الحريق عبر المباني الخشبية في المدينة؛ كما قام الحراس بفرض حظر تجول ليلي جزئياً لضمان بقاء الناس في المنزل والاهتمام بمدافئهم حتى لا تتسبب في مشكلات.

وفي حين أن العديد من المدن في أوروبا أعادت العمل بالحراسة الليلية، بهدف الجذب السياحي، يُعتقد أن كراكوف في بولندا هي المدينة الأخرى الوحيدة في أوروبا التي حافظت على الوظيفة بشكل مستمر منذ العصور الوسطى، وفقاً لبايوت. وبيردوز، التي تعمل في وظيفة نهارية كمديرة فعاليات، تجلس عادة في برج الجرس بكاتدرائية لوزان أربع ليالٍ في الشهر من الساعة 10 مساءً حتى الساعة 2 صباحاً، وتكسب نحو 130 دولاراً عن كل مناوبة.

• تقول بيردوز إن الانضمام إلى مراقبة الساعة الليلية كان «حلم طفولتها»، لكنها خاضت معركة طويلة وشاقة لتحقيق ذلك.

• 130 دولاراً هو المبلغ الذي تتقاضاه حارسة الليل عن كل مناوبة، من الساعة 10 مساءً حتى الساعة 2 صباحاً.


أمر محزن

بينما تم الترحيب على نطاق واسع بتعيينها، قالت كساندرا بيردوز إنها تسمع شكاوى من حين لآخر من أشخاص يؤكدون أن المرأة لا ينبغي أن تحصل على هذه الوظيفة، كما تسمع انتقادات مفادها أن شخصاً غير متدين مثلها يجب ألا يعمل في الكنيسة. وأضافت: «أجد أنه من المحزن أن بعض الناس يريدون أن يضعوني على طريق الإيمان الصحيح، وهذه الوظيفة كانت موجودة هنا ليس لأي سبب ديني، ولكن لأن الكاتدرائية توفر أعلى مكان يمكن من خلاله رعاية الناس».

ارتباط شديد

يبدأ عمال الحراسة الليلية في الصراخ على الجانب الشرقي من برج الجرس، والذي كان تقليدياً مهماً لأنه في اتجاه القدس، ولكن الحارسة كساندرا بيردوز قالت إنها تفضل الجانب الجنوبي، بسبب المنظر المطل على البحيرة، بينما الجانب الشمالي يقدم «أفضل صدى واضح للصوت».

وولدت بيردوز، مثل والديها، في لوزان، وقالت إنها شعرت بالارتباط الشديد بمدينتها وتقاليدها، خصوصاً بسبب ما تعلمته من والدتها، التي تؤرخ للفن. ووالداها مغنيان في الجوقة المحلية؛ لذا «كان الغناء دائماً مهماً في عائلتي»، وفقاً للحارسة الليلية، مضيفة: «نحن نهتم بأصواتنا».

وبينما لم تتغير المهمة الأساسية للوظيفة كثيراً خلال القرون الماضية، فقد أصبحت أكثر راحة على قمة برج تعصف به الرياح، في مدينة ذات فصول شتاء باردة.

وفي عام 1947، قامت لوزان ببناء حجرة في الكاتدرائية، تدعمها جدران خشبية بجانب برج الجرس، لإبقاء الحارس دافئاً أثناء ساعات عمله الليلي. وتستخدم الحجرة أيضاً لتخزين القبعة التقليدية والفانوس المضاء بالشموع، الذي يستخدم من قبل الحارس، بالإضافة إلى تشكيلة من الأجبان.

طباعة