بايدن مطالب باتخاذ أسلوب متوازن بشأن الأزمة

الولايات المتحدة وروسيا أمام احتمال الخسارة حال فشل الدبلوماسية في أوكرانيا

صورة

عندما جاء الرئيس الأميركي، جو بايدن إلى السلطة كان يهدف إلى تركيز سياسته الخارجية على حاجات الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة، وإنهاء جائحة «كورونا» وتعزيز نفوذ الولايات المتحدة في العالم ومعالجة أزمة تغير المناخ، وفي قمة أولوياته كان التنافس مع الصين، ولكن روسيا لم تكن من بين هذه الأولويات. وبعد سلسلة من الإجراءات الأولية المعدة لمعاقبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاستخدامه الأسلحة الكيماوية في هجوم على المعارض أليكسي نافالني، والتدخل في السياسة الداخلية للولايات المتحدة، اختار صانعو السياسة الأميركية السعي لتحقيق الاستقرار والتنبؤ بالعلاقات الروسية الأميركية. ولكن الأزمة الروسية في أوكرانيا تهدد بعرقلة هذه الأهداف وصرف الانتباه عن أهداف بايدن الأوسع. وسيكون أمراً كارثياً إذا انجذبت إدارة بايدن بعمق إلى أزمة أوكرانيا، خصوصاً بعد ما تعرضت له من عملية مؤلمة خلال انسحابها من أفغانستان.

صقور واشنطن

ولكن المخاطر تتزايد يومياً، وحتى الآن فإن بايدن يتخذ أسلوباً متوازناً يتسم باستخدام الدبلوماسية النشطة والتهديد بفرض العقوبات وتقديم الدعم لأوكرانيا إذا قامت روسيا بغزوها، ولكن مجموعة من الناقدين الصقور من منظمات فكرية في واشنطن العاصمة وكتاب رأي في صحيفة «واشنطن بوست» وأعضاء سابقين في مجلس الأمن القومي الأميركي؛ يرون هذا الأسلوب ليناً، ويتهمون الرئيس بايدن بأنه يقوم بملاطفة بوتين. ويريدون أن تشارك الولايات المتحدة في النزاع مع روسيا بصورة أقوى، بما فيها استخدام القوة العسكرية، على أمل ردع الغزو الروسي. وكانت النتائج المحدودة جداً لمفاوضات الأسبوع الماضي، إضافة إلى الهجوم السيبراني على مواقع الإنترنت التابعة للحكومة الأوكرانية والأخبار التي تتحدث عن استعدادات روسية محتملة للقيام بعملية مقنعة تحت هوية أخرى مثل «الانفصاليين أو غيرهم»، كلها تصب في تعزيز الضغط على أوكرانيا.

نشر الأسلحة

ويعتبر الإحباط والغضب في مواجهة بوتين للتجاهل الصريح لأهمية الحياة البشرية مسألة طبيعية وصحية، كما أن قيام حرب في أوكرانيا يمكن أن يؤدي أيضاً إلى إضعاف القانون الدولي والمعايير التي تفضل الحلول السلمية للصراعات، ناهيك بالتداعيات السلبية على الولايات المتحدة. ولكن من الخطأ جعل الأزمة الأوكرانية رمزاً للنظام العالمي برمته.

وبالنظر إلى التوتر الشديد في الوقت الحالي، فإن تسريع نشر الأسلحة المضادة للدروع، وأية أسلحة أخرى إلى أوكرانيا يمكن أن يزيد من فرص بوتين نحو الزحف إلى الحرب ومن ثم إبطائه. ولجعل نشر هذه الأسلحة فعالاً، ربما يجب أن يرافقها إرسال مستشارين من الجيش الأميركي، الأمر الذي يزيد من مخاطر صراع مباشر بين الولايات المتحدة وروسيا. وبالطبع فإن أوكرانيا تستحق دعم العالم الغربي، ولكن علينا ألا ننسى أنها ليست عضواً في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

الخيارات الدبلوماسية

وبدلاً من محاولة ردع بوتين بالإجراءات العسكرية، يتعين على الولايات المتحدة أن تقوم بكل جهد ممكن لدعم استمرارية الدبلوماسية التي بدأت الأسبوع الماضي. ويركز جدول أعمال المفاوضات الدائرة حالياً على متابعة المعاهدة المهجورة المتعلقة بالأسلحة النووية المتوسطة المدى واستنهاض عناصر القوات التقليدية في معاهدة أوروبا. وحتى وإن كانت هذه الأمور مرغوبة إلا أنها بالتأكيد لا تكفي وحدها لجعل روسيا تواصل المفاوضات.

وفي الحقيقة، من الصعب القول إن ذلك سيحقق النجاح المطلوب، ولكن يجب أن تكون جميع الخيارات الدبلوماسية موجودة على طاولة المفاوضات لمنع قيام غزو روسي لأوكرانيا. وفي واقع الأمر فإن إصرار روسيا على أن حلف الناتو يجب أن يغلق بابه أمام أي توسع مستقبلي؛ أمر غير واقعي، وكذلك أي آمال بأن أوكرانيا يمكن أن تنضم ذات يوم إلى حلف هو في الواقع لا يريدها.

عاصفة نارية

وأي فكرة حول التسوية الدبلوماسية للمطالب الروسية تواجه مخاطر تجلب عاصفة نارية من الانتقادات المحلية والخارجية للرئيس بايدن. وتتسم التحركات الدبلوماسية على مستويات عالية مع روسيا المستبدة بالصعوبة بالنظر إلى الطرق التي هاجم بها الديمقراطيون الرئيس السابق دونالد ترامب لأنه صادق بوتين الذي وصفه بايدن ذات مرة بأنه «قاتل»، وثمة مخاطر من أن بوتين يرفض العرض المقدم له علناً ويغزو أوكرانيا في كل الأحوال، تاركاً الإدارة الاميركة تتعلق بحبال الهواء، الأمر الذي يعزز ادعاءات من اعتبروا أن بايدن يستلطف بوتين.

ولكن إذا فشلت الدبلوماسية، فستقوم روسيا بسرعة بغزو أوكرانيا، والجميع سيخسرون باستثناء الرئيس بوتين. وعندما سيقع الغزو لن يبقى أمام الرئيس بايدن من خيارات سوى تنفيذ تهديداته وفرض العقوبات على روسيا، وتقديم المساعدة لأوكرانيا.

الحرب العالمية الأولى

ومع الأيام، ستجد دول حلف الناتو نفسها مضطرة لإنفاق مزيد من الموارد على الدفاع، بما فيها القدرات العسكرية البرية. وسيحدث تقارب كبير بين روسيا والصين، الأمر الذي سيؤدي إلى تصلب المواقف المتعلقة بالمصالح الجيوسياسية، ما سيجعل الظروف تذكر بالفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وهو الأمر الذي طالما أعرب الرئيس بايدن أنه يريد تجنبه، وبالطبع فإن كل ذلك لن يساعد هدف بايدن في مساعدة الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة.

• المخاطر تتزايد يومياً، وحتى الآن فإن بايدن يتخذ أسلوباً متوازناً يتسم باستخدام الدبلوماسية النشطة والتهديد بفرض العقوبات وتقديم الدعم لأوكرانيا إذا قامت روسيا بغزوها، ولكن مجموعة من الصقور يرون هذا الأسلوب ليناً ويتهمون الرئيس بأنه يقوم بملاطفة بوتين.

• بدلاً من محاولة ردع بوتين بالإجراءات العسكرية، يتعين على الولايات المتحدة أن تقوم بكل جهد ممكن لدعم استمرارية الدبلوماسية التي بدأت الأسبوع الماضي. ويركز جدول أعمال المفاوضات الدائرة حالياً على متابعة المعاهدة المهجورة المتعلقة بالأسلحة النووية المتوسطة المدى.

كريستوفر تشيفيز ■ مدير برنامج ستيتكرافت الأميركي وباحث في معهد كارنيجي للسلام الدولي

طباعة