المرصد.. الصحافيون يهربون من مناطق النزاع

في أزمنة سابقة، كان أقسى تعبير توصف به الصحافة هي أنها «مهنة البحث عن المتاعب»، وكان المقصود بالمتاعب وقتها المشكلات البيروقراطية والأهلية والحكومية. هذه الخريطة تغيرت اليوم، فقد أصبح خبر اليوم، تصنع صلبه مناطق الصراعات والحروب الأهلية والإقليمية والانفلاتات الأمنية، وأصبح الصحافي الميداني الأبرز هو المراسل الحربي. وعلى هذه الخلفية، يكتسب تقرير «الاتحاد الدولي للصحافيين» عن مقتل 45 صحافياً عام 2021، ليصبح إجمالي عدد الصحافيين القتلى في مناطق الصراعات منذ عام (1991)، 2721 صحافياً؛ أهمية كبيرة، ويمثل استمراراً لواقع المأساة التي يعيشها صحافيو اليوم.

وعلى الرغم من أن التقرير بدأ بفقرة متفائلة تشير إلى انخفاض عدد الصحافيين القتلى في عام 2021 بمعدل الثلث مقارنة بعام 2020، فإنه استدرك أن خلفية ذلك هي «تراجع عدد الصحافيين المهنيين الذين يغطون الأحداث في مناطق النزاع»، وهو استدراك شديد الخطورة، بمعنى أن الفزع مما يحدث في مناطق النزاعات أثر بشكل واضح على قدرة المهنة على توصيل الحقيقة.

هناك أيضاً بعد آخر لا يتعلق بالارقام بشأن مقتل الصحافيين، ومختص بشكل القتل. ويعترف رئيس لجنة حماية الصحافيين الدولية، روبرت موهاني، بأن عنصرين ضاعفا إحساس الصحافين بالفزع هما «القتل العمد على الهوية الصحافية» و«قطع الرؤوس». ويقول موهاني انه «منذ صعود تنظيم داعش تعرض صحافيون للهجوم فقط لأنهم يعملون بالصحافة، ولم يتعرضوا للقتل في تبادل لإطلاق النار»، ويتابع «أدت عمليات اختطاف الصحافيين الأجانب وقطع رؤوسهم، منذ عام 2012، إلى تحول في سياسة مؤسسات الأخبار، ولم تعد ترسل الكثير من المراسلين الأجانب إلى مناطق الخطر».

في هذه الأجواء، أصبح كتابة ونشر الـ«ستايل بوك» بسلامة الصحافي في مناطق النزاعات لا يقل أهمية عن كتابة «دليل العمل التحريري»، لكن أحياناً تتسبب الأولى في جعل عمل الصحافي في منطقة النزاع يشبه المستحيل. وعلى سبيل المثال يطالب «دليل السلامة للعمل الإعلامي» الذي أنتجته المنظمة الدولية للاعلام بشبكة معقدة من الاجراءات منها ما يتعلق بتخفيف خطر الملاحقة، وأخرى لتخفيف التهديد، وثالثة للرقابة المضادة، ورابعة لأبرز التهديدات، وخامسة لمخاطر السفر، وسادسة أثناء عبور الحدود وسابعة تخص الذهاب إلى الخطوط الأمامية، وثامنة تتعلق بمواجهة السيارات المفخخة، وتاسعة في مواجهة الشراك، وعاشرة أثناء الاحتجاجات. وهي شبكة تشعر الصحافي بأن الأسهل والأضمن له أن يتطوع في فرقة كوماندوز. وتتعدى مساعي تلاشي هذا الوضع القاسي قدرات الصحافي، لتصبح في عهدة المنظومة الدولية، وإلا فسيلجأ الصحافي إلى أول درس سمعه في الإعلام، وهو أنه «لا خبر يستحق فقد الحياة»، ولحظتها سيكون الجميع هو الخاسر.

طباعة