تعتبر برنامجها النووي «بوليصة تأمين» ضد أي اعتداء خارجي

إيران أصبحت تمتلك جميع العناصر المادية والخبرة الفكرية اللازمة لإنتاج قنبلة نووية

صورة

في الأشهر التي انقضت منذ استئناف المحادثات الهادفة إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني، ظلت طهران تعلن أنها تجتاز عقبة تقنية تلو الأخرى في برنامجها النووي وهي تواصل طريقها، ويتساءل البعض: لماذا تفعل إيران ذلك؟ والجواب عن هذا السؤال لايزال غير واضح. لكن بالنسبة لبعض خبراء الانتشار النووي، ربما تكون طهران على الأقل ترى أنها في نهاية المطاف عليها الحصول على «بوليصة تأمين» لكسر هذا النمط يجعلها قريبة جداً من امتلاك سلاح نووي.

وتصرّ إيران، كما ظلت تدعي لسنوات، على أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية فقط. وقبيل نهاية العام، قال مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، وليام بيرنز، إن الولايات المتحدة لاتزال لا ترى أي بوادر على أن طهران قد تستخدم برنامجها سلاحاً.

بالنسبة للعديد من خبراء الانتشار النووي، يهدف إعلان إيران عن قفزات لبرنامجها النووي لحد كبير إلى تعزيز موقفها على طاولة المفاوضات، حيث تسعى إلى تخفيف العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بعد الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة في 2018.

وتشمل إنجازات إيران في هذا المجال زيادة مخزونات اليورانيوم المخصب بمستويات نقاء أقرب بكثير من تلك المطلوبة لتزويد قنبلة نووية بالوقود، وتركيب مئات من أجهزة الطرد المركزي المتطورة بشكل متزايد والمصممة لإنتاج هذا اليورانيوم المخصب.

لكن ما يقلق عدداً متزايداً من محللي حظر الانتشار النووي هو كيف أن برنامج إيران النووي الجامح والتقدم التقني الذي حققته منذ عام 2018 جعلها أقرب بشكل لا لبس فيه من أن تصبح دولة على أعتاب قدرة نووية، وهذا يعني أنها تمتلك جميع العناصر المادية والخبرة الفكرية اللازمة لإنتاج قنبلة في وقت قصير.

ومن دون اتفاق يعيد فرض قيود على برنامج إيران مع عودة الولايات المتحدة للاتفاقية وإلغاء عقوبات عهد ترامب، «قد يصبح الارتقاء بعتبة التسليح خياراً جذاباً لإيران»، كما تقول الزميلة المتخصصة في شؤون إيران وكوريا الشمالية بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في واشنطن، سوزان ديماجيو. وتضيف: «وإذا فشل المسار الدبلوماسي، فلا ينبغي أن نستبعد أن تسعى إيران للانتقال إلى برنامج أكثر تقدماً كوثيقة تأمين».

واستؤنفت المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في 29 نوفمبر الماضي في فيينا بعد توقف دام خمسة أشهر، لكن لم يتم إحراز أي تقدم حيث ردت الولايات المتحدة على طلب طهران المتطرف برفع العقوبات بالكامل من خلال مضاعفة حملة «الضغط الأقصى» التي مارستها إدارة ترامب.

وتوقفت المحادثات فجأة أواخر العام الماضي، عندما قال مفاوضون إيرانيون إنهم بحاجة إلى وقت للتشاور مع حكومتهم، ما جعل القوى الأوروبية تقود الجهود الدبلوماسية لإنقاذ خطة العمل الشاملة المشتركة، محذرة من أنه لم يتبقَّ سوى «أسابيع» للتوصل إلى اتفاق قبل أن يبلغ برنامج إيران النووي سريع التقدم مداه.

سابقة كوريا الشمالية

لم يكن منشأ فكرة اتخاذ الأسلحة النووية كبوليصة تأمين هو إيران، بل تعود إلى أكثر من عقد من الزمن إلى الدبلوماسية الأميركية-الكورية الشمالية الفاشلة. ويقول خبراء إقليميون الآن إن قرار بيونغ يانغ بتطوير أسلحة نووية كان وسيلة لحماية النظام من الدمار الأميركي.

ويقول بعض المحللين إن الفارق الرئيس بين كوريا الشمالية وإيران هو أن الإيرانيين لم يقرروا تسليح برنامجهم النووي. لكن ما يقلق البعض هو أن الولايات المتحدة تستخدم الآن نهجاً مع إيران مشابهاً لذلك الذي استخدمته مع كوريا الشمالية، لكنها تتوقع نتيجة مختلفة.

و«في ما يتعلق بمقارنة كوريا الشمالية بإيران، مازلنا نتبع طريقة واحدة بالفعل لجعلهما يتخليان عن برنامج تسليحهما النووي»، كما يقول كبير الباحثين المشاركين بمعهد كامبيردج لدراسات التقنية الأمنية بماساتشوستس، جيم والش. ويضيف: «وفي كلتا الحالتين، فإن الأداة الأميركية الأساسية هي العقوبات، وتنطوي الفكرة على أننا نستطيع فرض قدر كافٍ من الألم لإجبارهما على فعل ما نريد». لكن بدلاً من ذلك، قررت كل من كوريا الشمالية وإيران أن أفضل رد هو الإسراع في استكمال برنامجيهما النوويين. وتمخض عن هذا في كلتا الحالتين فشل ذريع بسبب الإكراه.

ويبدو أن الجميع لا يتفقون على ذلك. ويؤكد العديد من الخبراء، على سبيل المثال، أن العقوبات القاسية التي فرضتها إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما على إيران في وقت مبكر كانت مفيدة في إقناع طهران بعدم تجاوز الحدود التي فرضتها خطة العمل الشاملة المشتركة على برنامجها النووي. لكن بالنسبة للآخرين، فإن هذا لا يغير حقيقة أنه في حالة كل من إيران وكوريا الشمالية، فإن رفض الولايات المتحدة للاتفاقيات الدبلوماسية في وقت مبكر من البرنامجين النوويين للبلدين شجع كلاهما على المضي قدماً.

ويقول الدكتور والش: «لنتذكر أنه كان لدينا فرصة لعقد صفقة مع إيران في عام 2003، عندما كان لديهم ما يقرب من 300 جهاز طرد مركزي»، ويضيف «ولكن لأن الولايات المتحدة قالت لا نريد أجهزة طرد مركزي، انهارت الصفقة، ولديهم الآن 19 ألف جهاز طرد مركزي، وهم يتحدثون بصوت عالٍ حول تخزين اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%».

وبالنسبة لكوريا الشمالية، تشير ديماجيو إلى أن إدارة الرئيس السابق، بيل كلينتون توصلت إلى اتفاق إطاري مع بيونغ يانغ يهدف إلى القضاء على برنامجها النووي في مهده. وتضيف: «لكن بعد الانتقال الرئاسي من كلينتون إلى جورج بوش تم إلغاء الاتفاقية»، حيث قررت الإدارة الجديدة أن الصفقة كانت في الأساس تهدئة لكوريا الشمالية. والآن يُعتقد أن بيونغ يانغ تعمل على توسيع ترسانتها النووية وتطوير الصواريخ التي يمكن أن تحمل تلك الأسلحة.

سياق إقليمي مختلف

وعلى الرغم من أوجه التشابه بين مسارات كوريا الشمالية وإيران، هناك اختلافات رئيسة يمكن أن تمنع إيران من أن تصبح قوة نووية بحكم الأمر الواقع. فمن ناحية، تحذر ديماجيو من أن السياقات الإقليمية للبلدين مختلفة تماماً. وتقول: «لم يكن لدى كوريا الشمالية ما يشبه إسرائيل لتحتك بها»، في إشارة إلى خصم إيران اللدود، «ولكن في الواقع، إذا كان هناك أي شيء، فإن لدى كوريا الصين التي هي في بعض النواحي صديقتها الوحيدة والمهمة للغاية».

وفي الواقع، سافر مستشار الأمن القومي للرئيس جو بايدن، جيك سوليفان، إلى إسرائيل للتشاور بشأن إيران، في الوقت الذي يناقش فيه الجيشان الحليفان تنظيم تدريبات مشتركة لإحباط البرنامج النووي الإيراني الذي أحرز تقدماً كبيراً. وبالنسبة للبعض، فإن مثل هذه التدريبات يُقصد بها إجبار طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات، وأن تكون أكثر انفتاحاً على التنازلات من أجل إعادة خطة العمل الشاملة المشتركة إلى حيز التنفيذ. وبينما تعمل إيران على توثيق العلاقات مع كل من الصين وروسيا كقوة استراتيجية موازنة، فلا أحد يقترب من صديق كوريا الشمالية القوي وهو الصين.

طريق العودة إلى الثقة المتبادلة؟

إذا فشلت المحادثات واختارت إيران مواصلة مسيرتها نحو العتبة النووية، كما يقول والش، فليس هناك سبب للاعتقاد بأن الضربات العسكرية ستردع طهران. وبدلاً من ذلك، قد تلجأ إيران إلى بوليصة التأمين تلك. ويسترسل: «لنفترض أننا قصفناهم، فإن لديهم فرصة جيدة لأن يقرروا أنهم دولة نووية وأنهم يصنعون قنبلة». ولتجنب هذه النتيجة، تقول ديماجيو إن الولايات المتحدة ستضطر إلى التراجع عن حملة الضغط الأقصى، بينما سيتعين على كل من الولايات المتحدة وإيران حشد عنصر أساسي للدبلوماسية الناجحة بين الخصوم – وهو الثقة المتبادلة.

• من دون اتفاق يعيد فرض قيود على برنامج إيران مع عودة الولايات المتحدة للاتفاقية وإلغاء عقوبات عهد ترامب، «قد يصبح الارتقاء بعتبة التسليح خياراً جذاباً لإيران».

طباعة