في ظل وجود لاعبين محليين أقوياء يحاربون «داعش»

وجود الجنود الأميركيين في سورية بلا جدوى

صورة

ما سبب وجود القوات الأميركية في سورية؟ ما المهمة الملقاة على عاتق هؤلاء الجنود الذين يرتدون الزي العسكري الأميركي؟ متى سيحين موعد عودتهم إلى وطنهم؟

لو طرحت على أحد المسؤولين في الولايات المتحدة أياً من هذه الأسئلة، فإنك ستحصل على الرأي الأميركي المعلن حول هذا الموضوع، وسيصرون على أن الولايات المتحدة موجودة في سورية لضمان «الهزيمة المتواصلة» لتنظيم «داعش»، وإلى حين تحقيق هذا الهدف ستظل القوات الأميركية، بهدف تدريب ومرافقة القوات الحليفة عند الضرورة، في الميدان، لاجتثاث فلول «داعش»، ولطالما كان هذا التفسير هو نفسه المتوافر عند إطلاق هذه الأسئلة منذ سنوات عدة، على الرغم من تغير الوضع بصورة ملحوظة على الأرض، منذ بدء العمليات العسكرية الأميركية ضد «داعش» قبل نحو سبع سنوات مضت.

شبه جيش

وفي عام 2014، كان تنظيم «داعش» شبه جيش، وكان مجموعة إرهابية تقليدية، وكان قادراً على الاستيلاء على مدن كاملة، وكان «داعش» أكثر المجموعات الإرهابية ثراء على وجه الأرض، حيث يكسب نحو مليون دولار يومياً من خلال الابتزاز، والضرائب على المجموعات البشرية التي تعيش تحت سيطرته، ومن بيع النفط في السوق السوداء، وأدى احتلال «داعش» لمدينة الموصل العراقية، عام 2014، ليس إلى ذهول الجيش العراقي الذي يفتقر إلى التنظيم والفاعلية فقط، وإنما منح التنظيم مئات الملايين من الدولارات جراء استيلائه على الآثار والودائع الموجودة في البنوك التي سيطر على التنظيم، وسيطر تنظيم «داعش» على منطقة تبلغ مساحتها نحو 130 ألف كيلومتر مربع، وكان عشرات آلاف الأشخاص مستعدين للانضمام إلى «داعش».

لكن «داعش» في عام 2021 مختلف تماماً، إذ قُتل عشرات الآلاف من مقاتلي المجموعة الإرهابية، كما تناقصت الأراضي التي يسيطر عليها كثيراً، وفي الواقع فإن «داعش» لم يعد يسيطر على أي مناطق، منذ مارس 2019، عندما قامت القوات الجوية الأميركية بالتعاون مع الميليشيات الكردية والعربية، بتدمير التنظيم وإخراجه من منطقة باغوس السورية. وعلى الرغم من أنه يمكن أن يكون لدى «داعش» نحو 10 آلاف مقاتل في سورية والعراق، إلا أنهم يواجهون صعوبة في التنقل، وأصبحت هجمات «داعش» في هذه الأيام عبارة عن هجمات انتهازية معزولة ضد نقاط تفتيش هشة، والهجمات الانتحارية التي تحدث بين الفينة والأخرى ضد أهداف باتت ضعيفة، وحتى هذه الهجمات الهامشية والبدائية تراجعت إلى حد كبير، وفق ما ذكره المفتش العام لوزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» لمواجهة هجمات «داعش».

العودة

ويرى البعض أن «داعش» يمكن أن يعود إلى قوته إذا سحب الرئيس الأميركي جو بايدن، نحو 1000 جندي أميركي موجودين في سورية، ويخشى أوساط السكان في شرق سورية، خصوصاً الأكراد، من أن رحيل القوات الأميركية يمكن أن يجعل مناطقهم معرضة لهجمات «داعش»، لكن هذا الرأي يوحي بأن اللاعبين الآخرين في سورية، مثل الأكراد والروس، والحكومة السورية والقوات المدعومة من تركيا، والميليشيات المدعومة من إيران، ليس لها أي تأثير.

وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، ففي واقع الأمر فإن الطائرات الحربية السورية والروسية تقوم بقصف مواقع «داعش» في الصحراء السورية منذ شهور عدة، كما اعترفت «البنتاغون» ذاتها. وتواصل الوحدات الكردية تنفيذ عمليات برية ضد خلايا التنظيم في منطقة دير الزور، وهي تنفذ هذه الهجمات بصورة مستقلة، ويقوم العراقيون أيضاً بعبور حدودهم، وهم يفتشون عن الشخصيات البارزة في «داعش»، وربما يحظون ببعض الدعم من أطراف أخرى في المنطقة، وبصراحة فإن جميع هؤلاء اللاعبين سيواصلون قتال «داعش»، سواء كان ذلك بوجود الأميركيين في سورية أو من دونهم، لأن القيام بذلك يصبّ في مصلحة بلادهم بصورة خاصة.

وبناء عليه، فإن السؤال الذي يحتاج صانعو السياسة الأميركية إلى طرحه هو: ما المغزى من تعريض حياة الجنود الأميركيين للخطر، في الوقت الذي أصبح الخطر الذي يشكله «داعش» يُواجَه بشدة من قبل العديد من اللاعبين المحليين؟ ما الجدوى من البقاء في مواقع صغيرة معزولة مثل «التنف»، والتعرض للقصف بالصواريخ والطائرات غير المأهولة (درونز) إذا كان وجودنا ليس له أي ضرورة؟ الجواب على ذلك ببساطة أنه ليس هناك أي هدف على الإطلاق.

ونفذ الجيش الأميركي مهمة محاربة الإرهاب في سورية، ولا أحد يستطيع أن يرفض هذه الحقيقة، وأصبح تنظيم «داعش» شيئاً من الماضي، كما أن فرص عودته إلى ممارسة نشاطه محدودة جداً، نتيجة مجموعة من العوامل، أهمها أن مصلحة جميع الحكومات الإقليمية تصبّ في منع عودته إلى الوجود.

• أصبحت هجمات «داعش» هذه الأيام عبارة عن هجمات انتهازية معزولة ضد نقاط تفتيش هشة، والهجمات الانتحارية التي تحدث بين الفينة والأخرى ضد أهداف باتت ضعيفة.

• «داعش» في عام 2021 مختلف تماماً، إذ قُتل عشرات الآلاف من مقاتلي المجموعة الإرهابية، كما تناقصت الأراضي التي يسيطر عليها كثيراً، وفي الواقع فإن «داعش» لم يعد يسيطر على أي مناطق، منذ مارس 2019، عندما قامت القوات الجوية الأميركية، بالتعاون مع الميليشيات الكردية والعربية، بتدمير التنظيم وإخراجه من منطقة باغوس السورية.

• أصبح تنظيم «داعش» شيئاً من الماضي، وفرص عودته إلى ممارسة نشاطه محدودة جداً، نظراً إلى أن مصلحة جميع الحكومات الإقليمية تصبّ في منع عودته إلى الوجود.

دان ديبتريس ■ كاتب في «واشنطن إكسامنر»

طباعة