البلدان الغنية تواجه ضغوطاً لدفع الفاتورة

تغير المناخ يلحق ضرراً بالبلدان الفقيرة لا يمكن إصلاحه

صورة

أصبحت فصول السنة غريبة الأطوار في قرية كورديليرا بالفلبين، وباتت المحاصيل لا تنضج في الأوقات المعتادة، بينما أصبح الجو أكثر حرارة من أي وقت مضى، وقد جفت الينابيع التي كانت تعتمد عليها عائلة بيفرلي لونجيد دائماً في الحصول على المياه.

وقالت الأم الفلبينية، وهي عضو في مجتمع إيغوروت للسكان الأصليين، إن تغير المناخ الذي يسببه الإنسان قد أضر الكثير من شعبها، وأفسد أراضي المزارعين، وأخذ الطعام من أفواه الأطفال، ولم تعد الطقوس القديمة ممكنة، لأن الدورات الطبيعية التي يعتمد عليها السكان قد تغيرت. وقالت لونجيد «بالكاد ساهمنا في المشكلة»، متابعة «لكننا نحن الدول النامية، والشعوب الأصلية، من يتحمل العبء الأكبر من الآثار». وتريد تعويضاً عما فقدته.

لطالما كان تعويض الخسائر والأضرار، التي لا يمكن تجنبها، والتي لا رجعة فيها بسبب تغير المناخ، مطلباً من مجموعات المجتمع المدني والدول الضعيفة في محادثات المناخ الدولية، ولكن مع ارتفاع منسوب مياه البحار، وموجات الحر المدمرة، وتغير المواسم، وهي عوامل تحصد المزيد من الأرواح، وتقضي على سبل العيش في أجزاء من العالم، أصبحت القضية نقطة شائكة أكثر من أي وقت مضى في المفاوضات الحالية في غلاسكو.

وقال مدير مركز أبحاث «بور شيفت أفريكا»، ومقره كينيا، محمد أدو «هذا في الواقع أحد أكبر أوجه القصور في هذه العملية»، موضحاً «لدينا وضوح بشأن الهدف العالمي للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، لكن ليس لدينا هدف مشابه، لمساعدة العالم على التعامل مع بعض الآثار الحتمية لتغير المناخ».

ووجد تقرير صدر عام 2020 عن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، ومقره جنيف، أن الطقس المتطرف والكوارث المتعلقة بالمناخ قتلت أكثر من 410 آلاف شخص، خلال العقد الماضي، معظمهم في البلدان منخفضة الدخل. وقدرت أبحاث أخرى أن الاحتياجات المالية السنوية الناجمة عن الخسائر والأضرار في البلدان النامية، قد تصل إلى ما بين 290 و580 مليار دولار سنوياً، بحلول عام 2030. والمستويات الحالية للتمويل الإنساني - الذي يجب تخصيصه للناجين من الزلازل والانفجارات البركانية والصراعات العنيفة، وكذلك الأزمات المناخية - أقل من عُشر ذلك.

انبعاثات تراكمية

وتقول المجتمعات ذات الدخل المنخفض المتضررة بشدة إنهم يدفعون الآن ثمن خيارات العالم الثري، بما في ذلك التلوث الذي يتسبب في ارتفاع درجة حرارة الكوكب، وأن أكثر من نصف الانبعاثات جاء من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وفي ذلك يقول كبير مستشاري السياسات في نيودلهي في شبكة العمل المناخي الدولية، هارجيت سينغ: «نعلم جميعاً الانبعاثات التراكمية، ونعلم جميعاً من الذي ربح أكثر من التصنيع». وأضاف سينغ أن الدول التي بنيت ثروتها على الصناعات التي تلوث الغلاف الجوي «كان ينبغي أن تقول نعم، نحن نتحمل هذه المسؤولية».

ولكن في حين أن الدول الأغنى وعدت منذ فترة طويلة بتخصيص 100 مليار دولار سنوياً، لمساعدة البلدان الضعيفة على التكيف مع تغير المناخ، والتخفيف من الاحترار المستقبلي، وهو الوعد الذي لايزال يتعين عليهم الوفاء به بالكامل، إلا أنهم حتى الآن غير راغبين في تبني المزيد من التمويل لضرر لا يمكن إصلاحه بالفعل. وقال كبير مستشاري التكيف في الصندوق العالمي للحياة البرية، سانديب تشاملينج راي، إن «تمويل الخسائر والأضرار غير موجود حقاً».

حتى الآن، كانت الآلية الدولية الرئيسة لمعالجة الخسائر والأضرار هي موقع على الإنترنت لتبادل الخبرات والموارد حول مخاطر المناخ. وفي عام 2019، وافقت الدول على إنشاء برنامج مساعدة فنية، يُعرف باسم شبكة سانتياغو، على الرغم من عدم وجود موظفين أو تمويل حتى الآن. وقال مدير مفاوضات المناخ في معهد الموارد العالمية، ياميد داغنيت: «نحن بحاجة إلى أن نكون صادقين»، موضحاً «في وقت اليأس، كما رأينا هذا العام، موقع الويب ليس كافياً».

وتخشى الدول الغنية تقليدياً من أن فتح الباب أمام التعويض عن التأثيرات المناخية، التي تسببت فيها إلى حد كبير، يمكن أن يؤدي إلى التزامات مالية ضخمة لا تنتهي. وبموجب اتفاق باريس للمناخ التاريخي، في عام 2015، وافقت البلدان المتقدمة، بشكل ملحوظ، على «أهمية تجنب وتقليل ومعالجة الخسائر والأضرار المرتبطة بالآثار الضارة لتغير المناخ». ولكنهم أصروا، أيضاً، على تضمين بند آخر، مشيرين إلى أن اتفاقية باريس «لا تتضمن أو توفر أساساً لأي مسؤولية أو تعويض».

استجابة متشككة

وحتى في البلدان الغنية التي تفتخر عادة بامتلاكها محفظة مفتوحة للمساعدات الدولية، مثل ألمانيا، أثار احتمال إضافة فاتورة عن الخسائر والأضرار استجابة متشككة. وفي هذا السياق، قال المدير العام لوزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية، يورغن زاتلر، «لسنا متأكدين تماماً مما تعنيه الخسارة والضرر، وكيف يمكن تحديدهما مقارنة بموضوعات تمويل المناخ الأخرى؟»

وأوضح «مازلنا نجهل ذلك إلى حد كبير هنا، وهذا موضوع مهم، لكنني لا أعتقد أنه يجب علينا إيجاد حلول سريعة وسهلة لحل هذه المشكلات». وقال إن ألمانيا طلبت من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية دراسة القضية.

ولكن المدافعين عن تمويل الخسائر والأضرار يقولون إنها قضية منفصلة عن «التخفيف والتكيف»، وهما الهدفان الحاليان لمعظم جهود التمويل المناخي. ويهدف التخفيف إلى تجنب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في المستقبل، وليس معالجة التأثيرات المناخية الجارية بالفعل. وستكون بعض الكوارث حتمية، بغض النظر عن مدى تكيف المجتمعات. ويقول رئيس مجموعة الدفاع الأسترالية للناجين من حرائق الغابات، جو دودز «إنه يدمر مجتمعاتنا، ويقتل شعبنا».

وفي عام 2018، اندلع حريق في إحدى الغابات، ودمر 69 منزلاً. وفي الآونة الأخيرة، يمتد موسم الحرائق في أستراليا إلى معظم العام، لتُحيي الصدمات التي تعرض لها الناجون وتغمر السماء بالدخان. وقال دودز عن ذلك وكوارث مماثلة في جميع أنحاء العالم «لم يعد حدثاً واحداً بعد الآن»، متابعاً «إنه أسلوب حياة كارثي».

عندما تقع كارثة في البلدان الغنية، تكون هذه الدول قادرة على تقديم الدعم للمواطنين الذين تضرروا. وبعد حرائق الغابات في عام 2018، أنشأت الحكومة الأسترالية صندوقاً بأكثر من مليار دولار لمساعدة المجتمعات التي دمرتها الحرائق. وضحايا الفيضانات التي سجلت أرقاماً قياسية في ألمانيا هذا الصيف مؤهلون للحصول على ملايين الدولارات كإغاثة، والمزيد من التمويل لإعادة بناء البنية التحتية.

• 100 مليار دولار سنوياً، وعدت بها الدول الغنية لمساعدة البلدان الضعيفة على التكيف مع تغير المناخ.

• 410000 آلاف شخص راحوا ضحية الطقس المتطرف والكوارث المتعلقة بالمناخ، خلال العقد الماضي.

طباعة