أنقرة استغلت تراجع القوى العظمى لتحقيق مكاسب

الغرب بحاجة إلى فهم مشـكلات تركيا عـوضاً عن مواجهتها

صورة

في ظل تراجع النفوذ العالمي الغربي، قد يحتاج صنّاع السياسة في واشنطن وبروكسل إلى طرح السؤال التالي: «هل مواجهة الصين وروسيا وتركيا في وقت واحد، قرار حكيم؟»، والمواجهة الأخيرة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، و10 دول غربية حول ما إذا كان ينبغي على تركيا الامتثال لقرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإفراج عن الناشط ورجل الأعمال، عثمان كافالا، أو ما إذا كان هؤلاء السفراء قد انتهكوا المادة 41 من اتفاقية فيينا، هي في الغالب مسألة فنية يمكن أن تكون معقدة.

وما يجب استيعابه هنا ليس بالضرورة ما إذا كان أردوغان سيطرد سفراءهم، لكن يمكنه إصدار مثل هذا التهديد غير المسبوق دون عواقب. وفي الواقع، في خطوة اعتبرها البعض تراجعاً أميركياً و«فوزاً كبيراً لأردوغان»، تعهدت واشنطن على الفور بأنها ستحترم الشؤون الداخلية لتركيا في قضية كافالا.

وفي الماضي، وبّخ أردوغان علناً الرئيس الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز على الهجوم الإسرائيلي على غزة، كما توغلت القوات التركية في سورية، بعد دقائق من تلقي رسالة تهديد من الرئيس الأميركي حينها، دونالد ترامب، وظل أردوغان على استعداد لتحدي الغرب من خلال سياسة خارجية مستقلة تؤكد أن «العالم أكبر من الأعضاء الخمسة» الموجودين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

نمط سياسة مستقلة

وخلال العقد الماضي، ظهر نمط سياسة أردوغان الخارجية المستقلة بشكل متزايد ولقيت قبولاً غربياً متزايداً. وعلى سبيل المثال، حاولت واشنطن لمدة 17 شهراً إقناع تركيا بإلغاء صفقة شراء نظام «إس 400» الدفاعي الروسي. وعندما فشلت الجهود الأميركية، اضطرت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات من خلال قانون، في ديسمبر 2020؛ لكنها اختارت معاقبة تركيا بشكل ضيق (على خمسة فقط من أصل 12 بنداً للعقوبات كما هو منصوص عليه في قانون العقوبات). وذلك بهدف عدم الإضرار بالعلاقات الثنائية الأميركية التركية بشكل كبير. وأكدت وزارة الخارجية الأميركية كذلك أن العقوبات «لا تهدف إلى تقويض القدرات العسكرية أو الاستعداد القتالي لتركيا»، وأن «العقوبات لا تنطبق على الشركات التابعة لوزارة الدفاع التركية». ولم تكن تركيا منزعجة فقط من قانون العقوبات، ولكن أردوغان أعلن أيضاً، في سبتمبر، عن احتمال اقتناء أنقرة المزيد من الصواريخ الروسية.

لماذا يتعذر على الغرب، بشكل متزايد، التأثير على صنع السياسة الداخلية والخارجية لتركيا؟ الإجابة هي أن الانحدار العام للغرب قد خلق بيئة مؤاتية لتركيا للبدء في حل عدد من القضايا القائمة منذ عقود، بما في ذلك تهديد حزب العمال الكردستاني، والنزاع البحري في بحر إيجة، ونزاع ناغورني قره باغ.

الغرب المتراجع

شهد العقد الماضي تدهوراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً سريعاً، في الديمقراطيات الغربية؛ بينما كان التأثير الدائم للأزمة المالية المدمرة لعام 2008، والركود الاقتصادي المستمر، والنمو المنخفض، والبطالة المستمرة، والشيخوخة وتراجع السكان، عوامل جعلت الاقتصادات الأوروبية هشة للغاية.

وأدى تدفق اللاجئين والمهاجرين على جانبَي المحيط الأطلسي إلى ظهور الشعبوية وزعماء أقوياء، ما يهدد القيم الديمقراطية. وأصبح أعضاء الاتحاد الأوروبي الشرقيون يتحدون بشكل متزايد بروكسل. ولم تعد حرية التنقل في الاتحاد الأوروبي حرة كما كانت في السابق. وكان الخوف كبيراً لدرجة أنه دفع لندن إلى الانفصال عن الاتحاد الأوروبي من أجل اتخاذ قراراتها السيادية. وكان الانقسام بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، أكبر من أي وقت مضى في الاتحاد الأوروبي.

وأدى الانهيار الاقتصادي والسياسي، بدوره، إلى اضطراب اجتماعي في جميع أنحاء العالم الغربي. ومن أعمال الشغب المتعلقة بحياة السود إلى إطلاق النار الجماعي، و«محاولة الانقلاب»، في مبنى الكابيتول الأميركي، تُظهر الولايات المتحدة الآن انطباعاً عن دولة من العالم الثالث، على عكس منارة الديمقراطية والقوة العظمى المزدهرة. وخلقت القضايا الاقتصادية والاجتماعية الهائلة في الداخل ضجة بين الناخبين الأميركيين، لوضع الديمقراطية والاقتصاد في المرتبة الأولى، ما أجبر صانعي السياسة الأميركيين على تبني سياسة خارجية خجولة. والنتيجة الثانوية لهذا النفور من المخاطرة هي الانعزالية الأميركية الجديدة، التي تفسر تراجع أثر الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وشرق البحر الأبيض المتوسط، وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى. وهذا «النفور من المخاطرة» هو، في الواقع، أحد الأسباب الرئيسة التي تسببت في الهروب الأميركي المثير من أفغانستان.

وبالمثل، في أوروبا، أدى الركود الاقتصادي على مستوى الكتلة؛ والبطالة، واندلاع الاضطرابات الاجتماعية، إلى جعل صانعي السياسة الأوروبيين يتحولون إلى الداخل، ما خلق إحساساً بانعزالية أوروبا. وبعد أن فقد أكثر من 40 جندياً، منذ عام 2013، ولا يرى نهاية في الأفق، قرر الرئيس إيمانويل ماكرون إنهاء «الحرب الأبدية» الفرنسية في مستعمراتها السابقة في غرب إفريقيا، وبدأ انسحاب الجنود الفرنسيين من مالي. وبالنسبة لألمانيا، تعتبر التجارة مع تركيا أكثر أهمية بكثير من مطالبات اليونان البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط. وتستعد ألمانيا لبيع ست غواصات من طراز 214، الأمر الذي من شأنه أن يمنح تركيا ميزة في شرق البحر المتوسط، ما أثار غضب اليونان، العضو في الاتحاد الأوروبي.

وكان أردوغان قادراً على استغلال الاضطرابات الغربية وما يقابلها من عدم قدرتها على التأثير في الشؤون العالمية، لمصلحة تركيا. وبفضل صناعة الدفاع المحلية المتنامية باستمرار وقيادتها القوية، سجلت تركيا نقاطاً في ليبيا وغرب إفريقيا وجنوب القوقاز ضد فرنسا؛ وفي سورية، سجلت ضد الولايات المتحدة؛ وفي شرق البحر المتوسط وقبرص، ضد اليونان. وعادت المنافسات الأوروبية الداخلية، كنتيجة مباشرة للانحدار الأوروبي، بالفائدة على تركيا. وفي محاولة لمنع فرنسا من الصعود إلى القيادة الأوروبية في حقبة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، انحازت المملكة المتحدة إلى خصم فرنسا السياسي، تركيا.

حوار صادق

أقر نائب رئيس الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، في عام 2020، أن «أوروبا تواجه وضعاً يشهد عودة الإمبراطوريات القديمة (الصين وروسيا وتركيا) بنهج يؤثر على جيرانها المباشرين، وكذلك على مستوى العالم».

وكما رأينا في قضية كافالا الأخيرة، أظهرت إدارة بايدن تطلعاً مستمراً إلى استفزاز أنقرة بكل طريقة، أو شكل ممكن. وقد ثبت مراراً أنه كلما أرادت واشنطن إيذاء أردوغان، كلما كان رده أقوى. وفي ظل تراجع النفوذ الغربي، قد يحتاج صناع السياسة في واشنطن وبروكسل، إلى أن يتساءلوا، هل من الحكمة مواجهة ثلاث دول، الصين وروسيا وتركيا، في وقت واحد؟ وربما حان الوقت لصانعي السياسة الغربيين لإجراء حوار صادق مع تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومرشح عضوية الاتحاد الأوروبي؛ وفهم مشكلات تركيا. وسيستفيد الغرب من العمل عن كثب مع تركيا، وليس محاربتها.

• خلقت القضايا الاقتصادية والاجتماعية في الداخل ضجّة بين الناخبين الأميركيين، لوضع الديمقراطية والاقتصاد في المرتبة الأولى، ما أجبر الساسة الأميركيين على تبنّي سياسة خارجية خجولة.

• أدّى تدفّق اللاجئين والمهاجرين على جانبَي المحيط الأطلسي إلى ظهور الشعبوية وزعماء أقوياء، ما يهدّد القيم الديمقراطية. وأصبح أعضاء الاتحاد الأوروبي الشرقيون يتحدّون بشكل متزايد بروكسل. ولم تعد حرية التنقل في الاتحاد الأوروبي حرة كما كانت في السابق.

• 6 غواصات من طراز «214» تستعد ألمانيا لبيعها لأنقرة، ما يمنح تركيا ميزة في شرق البحر المتوسط.

علي دميرداش ■ أستاذ العلوم السياسية في جامعة ساوث كارولينا، وباحث في برنامج «فولبرايت»

طباعة