لم تلوّث اسمها فضيحة

ميركل تترفع عن صفات بعض الزعماء السيئة: الكبرياء.. والجشع.. والكسل

صورة

لقد كتب الكثيرون عن كيف أن أنغيلا ميركل على وشك أن تصبح الزعيم الألماني الأطول خدمة في تاريخ البلاد منذ عهد المستشار أوتو فون بسمارك، ولكن حتى هذا لا يقلل من إنجازها. وإذا ما نظرنا إلى العام الجديد، ستكون قد خدمت ما يزيد قليلاً على 16 عاماً متتالية، أطول من أي زعيم لدولة ديمقراطية رئيسة متقدمة منذ القرن التاسع عشر، عدا زعيم واحد، وهو رئيس وزراء السويد، تاج إيرلاندر. وتحدت ميركل التطور الطبيعي للسلطة، وهو أن القادة يتقادمون مع مكوثهم سنوات في مناصبهم ويغادرون في أدنى مستوى لهم. أولئك الذين يطيلون البقاء في مناصبهم يميلون إلى التعجرف أو الرضا عن النفس بمرور الوقت، والوقوع في الفضيحة أو تتجاوزهم الأحداث. يفقد معظمهم الزخم والدعم، وعادة ما يكون ذلك قبل فترة طويلة من انتهاء عقدهم الأول. وبالعودة إلى عام 1900 استمر 31 زعيماً في أكبر 20 ديمقراطية متقدمة، على أساس الناتج المحلي الإجمالي، في منصبه فقط لمدة 10 سنوات أو أكثر قليلاً، وتعرض العمالقة منهم بشكل منتظم لمتلازمة (القائد ضعيف الهمة). فعندما ترك الرئيس الفرنسي الراحل، شارل ديغول، الرئاسة في عام 1969، أظهرت استطلاعات الرأي أن معظم الناخبين يعتقدون أنه كبير في السن وأناني ومستبد. خدم الرئيس فرانسوا ميتران لفترة أطول من أي زعيم فرنسي آخر منذ نابليون الثالث لكنه تنحى في عام 1995، وكان مكروهاً من قبل بعض أبناء شعبه، وتسامح معه الآخرون، ولكن يحبه القليلون. واعترف الرئيس جاك شيراك في النهاية أنه فقد الاتصال بالناخبين الشباب وطرده أحد رعاياه من حزبه. وتوفي الرئيس الأميركي، فرانكلين دي روزفلت، في منصبه قبل أشهر من انتصار الحلفاء في أوروبا، وهو الذي كان محبوباً على نطاق واسع كبطل حرب، لكن كرهه منتقدوه باعتباره اشتراكياً خطيراً. وأشعلت ولاياته الأربع غير المسبوقة المخاوف بنشوء رئاسة إمبراطورية، ما قاد بسرعة إلى تحديد فترة ولاية خلفائه. ومع ذلك، فمن بين 14 رئيساً للولايات المتحدة منذ روزفلت، شهد 11 رئيساً انخفاضاً في معدلات شعبيتهم على مدار فترة إداراتهم. وحصلت كل من رئيسة الوزراء البريطانية، مارغريت تاتشر وخليفتها توني بلير على فترات متعددة في بريطانيا، لكنهما تركا المنصب مع معدلات شعبية سيئة، أقل من 25%. لقد تجاوزت تاتشر حدودها بفرض ضريبة «ضريبة المجتمع»، والتي قد تقضي على حظوظ حزب المحافظين في الانتخابات المقبلة، ما أعطى منافسي حزب المحافظين ذريعة لإجبارها على الخروج من المنصب.

كانت ألمانيا، قبل ميركل، مثالاً واضحاً على كيفية استنفاد القادة لطاقاتهم. المستشار المؤسس لجمهورية ألمانيا الاتحادية، كونراد أديناور، والذي أشرف على «المعجزة الاقتصادية» بعد الحرب، لكنه تعرض للإبعاد بعد 14 عاماً من قبل منافسيه الذين تذرعوا بإساءته استخدام حكومته للسلطة في «قضية شبيغل». وارتفعت بسرعة أسهم المستشار هلموت كول، الذي أشرف على إعادة توحيد ألمانيا، بشكل متزايد، وسعى إلى فترة خامسة غير مسبوقة، لكنه خسر بشدة. وفي النهاية، كما كتب المفكر الأميركي، رالف والدو إيمرسون، يصبح كل بطل شخصاً مملاً. ويصبح مثل هذا الاتجاه أكثر وضوحاً في الدول النامية، حيث تكون الضوابط على السلطة أضعف. فقد تم تكريم كل من الرئيسين محمد سوهارتو ومهاتير محمد، على التوالي، كأبوين للتنمية في إندونيسيا وماليزيا على التوالي؛ وكلاهما احتفظ بالسلطة لعقود، لكنهما غادرا وسط احتجاجات واتهامات بالمحاباة. وفقد الرئيس الصيني دنغ شياو بينغ، الذي يمكن القول إنه أهم مصلح اقتصادي في القرن العشرين، ألقابه الرئيسة بعد نحو 10 سنوات في السلطة في أعقاب احتجاجات ميدان تيانانمين. القادة الذين تقاعدوا بسمعة طيبة - مثل أول رئيس وزراء سنغافوري، لي كوان يو أو إيرلاندر، الذي خدم 23 عاماً رئيساً لوزراء السويد بعد الحرب العالمية الثانية - كانوا استثناءات من القاعدة. ويكتسب العديد من الحكام شعبية فقط بعد موتهم، عندما تبحث دولهم عن أبطال جدد أو على الأقل تعيد تصورهم. لكن ميركل، لاتزال السياسي الأكثر شعبية في ألمانيا، وتكسر القوالب السائدة في الأوقات العصيبة.

السياسة كائن مستقطب بشكل متزايد. فقد قوض وباء «كورونا» مكانة القادة في العديد من الديمقراطيات الكبرى؛ أما ميركل فقد كانت واحدة من زعيمين فقط حصلا على نسبة شعبية تزيد على 50%. أما الآخر فهو رئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراجي، الذي قضى ثمانية أشهر فقط في منصبه. لو ترشحت ميركل لولاية خامسة، لكانت ستفوز على الأرجح، وتنجح حيث فشل كول. لم ينقلب عليها حزبها، وبدلاً من تشويه سمعتها، ترشح زعيم المعارضة الرئيس وفاز بصفته وريثها الحقيقي. لا توجد فضيحة تلوث اسمها. كانت الخطوة الأكثر إثارة للجدل التي اتخذتها ميركل، هي فتح أبواب ألمانيا للاجئين في عام 2015، والذي يعتبر أيضاً أجرأ إصلاح لها. ستترك ألمانيا أكثر ثراءً، مقارنة بأقرب منافسيها: بريطانيا وفرنسا. المأخذ الوحيد ضد ميركل هي أنها مُصلِح خجول تركت وراءها قائمة طويلة من المهام غير المنجزة، من إمدادات الطاقة إلى القدرة التنافسية الرقمية. لكن هذه الخطايا السياسية لا ينبغي أن تلقي بظلالها على الصفات البشرية السيئة التي ترفعت عنها: الكبرياء، الجشع، والكسل. السلطة تفسد الزعماء والوقت يضعفهم، ولكن لم يكن لأي منهما تأثير كبير على ميركل. وبالعودة إلى أكثر من قرن من الزمان، فمن النادر أن تجد أي زعيم حكم لفترة طويلة وخرج بمثل هذه القوة.

روشير شارما ■ كبير الاستراتيجيين العالميين في مؤسسة مورغان ستانلي إنفيسمينت مانجمينت

• كانت ألمانيا، قبل ميركل، مثالاً واضحاً على كيفية استنفاد القادة لطاقاتهم.

طباعة