واشنطن لطالما تجاهلت حلفاءها لتحقيق مصلحتها الوطنية

محلل بريطاني: الفرنسيون محقون بشأن «الخيانة» الأميركية لكن هذا لا يكفي

صورة

تقول صفقة الغواصات بين الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة والضجة التي أعقبتها في فرنسا شيئين عن القوة الأميركية. أحدهما أن القدرة على بناء التحالفات تمنح الولايات المتحدة ميزة حيوية في المنافسة الجيوسياسية مع الصين، بينما لدى بكين عدد قليل من الأصدقاء الحقيقيين. والامتداد العالمي لواشنطن جزء لا يتجزأ من عدد من المعاهدات الثنائية والإقليمية.

ومع ذلك، فإن هذه الحادثة تعتبر تذكيراً، أيضاً، بمدى الإهمال والقسوة اللذين يمكن أن تتعامل بهما الولايات المتحدة مع الحلفاء. ويُنظر أحياناً إلى قيادة واشنطن في فترة ما بعد الحرب، على أنها نتيجة فن الحكم الحالم. وكان هناك بالفعل قدر من ذاك في بناء نظام دولي مفتوح بعد عام 1945. ولكن لكي نكون واضحين، لم تبتعد الولايات المتحدة أبداً عن السعي وراء مصلحتها الخاصة بأنانية.

خدمت مؤسسات بريتون وودز، وخطة مارشال أغراض أميركا قبل أغراض حلفائها. وإن تراجع واشنطن عن النظام الاقتصادي المفتوح في السنوات الأخيرة يمكن تفسيره بسهولة: المكاسب التي كانت تعود في السابق على الولايات المتحدة تتمتع بها الصين الآن.

لم يزعج رؤساء الولايات المتحدة أنفسهم أبداً بشأن الإساءة إلى الأصدقاء. وكان أسلوب انسحاب الرئيس جو بايدن من أفغانستان مثالاً صغيراً. وتم إبلاغ الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) بدلاً من التشاور معهم بشأن انسحاب القوات الأميركية، ونفوا أن يكون لهم أي دور في الجدول الزمني. ولم يكن الرئيس متأسفاً عندما انتهى كل شيء في فوضى عارمة.

ويأتي غضب فرنسا من صفقة الغواصات في جوانب عدة. والأمر الأكثر وضوحاً هو أن خسارة عقد بقيمة 50 مليار دولار أسترالي، هي ضربة قاسية لقطاعها الدفاعي وضربة أكبر لفخر صناعتها. وبحكم أراضيها الجزرية، فإن فرنسا هي الدولة الأوروبية الأكثر تواجداً عسكرياً في المحيطين الهندي والهادئ. وقد كانت تبني شراكتها الأمنية الخاصة مع أستراليا. وتأتي «أوكوس» - اتفاقية أمنية ثلاثية بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة - لتحطم كل ذلك.

ما يثير القلق حقاً هو «خيانة» بايدن للثقة بشكل عرضي تقريباً. واستمرت مفاوضات واشنطن مع كانبيرا لأشهر. وتم إبقاؤها طي الكتمان حتى عندما شجعت الإدارة الأميركية فرنسا والاتحاد الأوروبي على تطوير جهودهما لمواجهة الموقف الصيني الأكثر عدوانية في المنطقة. وهذا يعتبر كذباً صريحاً.

المملكة المتحدة، التي وصفها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أنها تابعة للولايات المتحدة، لديها خبرة طويلة في مثل هذه القسوة. وأجبرت إدارة دوايت أيزنهاور على الانسحاب المهين من السويس في عام 1956. وبعد ربع قرن، لم تُحسب صداقة رونالد ريغان مع مارغريت تاتشر شيئاً، عندما عرض مسألة الردع في محادثات الأسلحة النووية مع الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف.

ومن الإنصاف القول إن فرنسا توجد حالياً في موقف صعب عندما تشكو سعي الآخرين وراء المصلحة الوطنية. وإذا كانت الولايات المتحدة قد أنشأت النظام الدولي وفقاً لرؤيتها ومصالحها الخاصة، فقد سعت فرنسا إلى فعل الشيء نفسه من خلال عملية التكامل مع الاتحاد الأوروبي. ومن وجهة نظر الإليزيه، كان الهدف من «المزيد من أوروبا» دائماً هو فرنسا.

ومشكلة ماكرون الكبرى هي أن الصواب بشأن الغدر الأميركي ليس في حد ذاته إجابة عن أي شيء. وقد يرى في هذه الحادثة حافزاً لـ«الحكم الذاتي الاستراتيجي» الأوروبي، جوهر السياسة الخارجية الفرنسية منذ السويس. وهذا مشروع منطقي للغاية، يجب على الآخرين الاشتراك فيه. ولكن إذا كان إجراء الحملة الانتخابية الألمانية بمثابة دليل، فإن أقوى دولة في أوروبا ليس لديها نية لتحمل الكثير من أعباء أمن القارة.

وقبل أن يحطم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الركيزة الأوروبية لسياستها الخارجية، حاولت المملكة المتحدة أن تكون بمثابة جسر بين أوروبا والولايات المتحدة. وسعت فرنسا إلى بناء الاتحاد الأوروبي كثقل موازن للقوة الأميركية. وأظهرت حرب العراق - تقسيم أوروبا وإجبار بريطانيا على الاختيار - أن كلتا الاستراتيجيتين قد فشلتا.

وضعت بريطانيا نفسها، الآن، شريكاً مرناً لواشنطن. وظلت بقية أوروبا تعاني معضلة. ويمكن أن تحاول لعب لعبة متساوية البعد كما هي الحال بين الصين والولايات المتحدة. أو يمكنها أن تعترف بأنه عندما يكون الاختيار بين غطرسة الولايات المتحدة والهيمنة الصينية، لا يوجد سوى جانب واحد يجب أن يكونوا فيه. لذا يتعين على ماكرون أن يتريث، فكون المرء على صواب لا يكفي.

انهيار اتفاق الغواصات بين فرنسا وأستراليا كان متوقعاً

يشكل إلغاء أستراليا من جانب واحد لعقدها لشراء غواصات فرنسية والاشتراك في اتفاقية «أوكوس» الأمنية صفعة على الوجه للدبلوماسية الفرنسية، والتي وصفها الدبلوماسيون الفرنسيون بأنها «طعنة في الظهر» و«خيانة». وعلى الرغم من أن باريس قد تصاب بصدمة من هذا التحول في الأحداث، إلا أنه كان متوقعاً إلى حد ما، لأسباب تاريخية وثقافية ودبلوماسية عدة.

فبموجب «عقد القرن» هذا، الذي تم الاتفاق عليه بين باريس وكانبيرا في عام 2016، كان على فرنسا أن تزود أستراليا بغواصات باراكودا تعمل بالديزل والكهرباء بإجمالي 34 مليار يورو (55 مليار دولار أسترالي) على مدى 25 عاماً.

وبالنسبة لفرنسا، كان الهدف هو تطوير شراكة مع أكبر دولة في جنوب المحيط الهادئ، شراكة كان من المفترض أن تُبرم اتفاقية وثيقة ودائمة لمدة نصف قرن، وبالتالي تعزيز شبكتها الدبلوماسية والعسكرية في منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة.

وفي حين أن هذه الخطة ربما كانت حكيمة (لأنها اقترحت مساراً دبلوماسياً ثالثاً للمنطقة، متحرراً من القبضة الصينية الأميركية) وطموحة (لأنها أعطت فرنسا وأوروبا وجوداً متجدداً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ)، كانت هناك مع ذلك، نقاط ضعف لا يمكن التغلب عليها في الموقف الفرنسي أدت إلى فشل هذا التعاون.

بريطانيا وضعت نفسها، الآن، شريكاً مرناً لواشنطن، وظلت بقية أوروبا تعاني معضلة.

• فيليب ستيفنز.. كاتب متخصص في الشؤون الدولية

طباعة