بعد تعهد أميركا وبريطانيا بتزويد أستراليا بغواصات نووية

حرب باردة بين الصين ودول «أوكوس»

صورة

طلبت الصين من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا التخلي عن عقلية «الحرب الباردة»، أو المخاطرة بالإضرار بمصالحها الخاصة، بعد أن كشفت الدول الثلاث عن اتفاقية تعاون دفاعي جديدة، وأعلن رئيس الوزراء الأسترالي، سكوت موريسون عن هذه الشراكة الأمنية الثلاثية، المسماة «أوكوس»، يوم الخميس، في كانبيرا خلال خطاب افتراضي مع الرئيس الأميركي، جو بايدن، ورئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، وهو عرض منسق للقوة الدبلوماسية يستهدف بوضوح الصين، القوة الصاعدة في المحيطين الهندي والهادئ، وتتضمن الاتفاقية خطة مدتها 18 شهراً لتزويد أستراليا بغواصات تعمل بالطاقة النووية.

واجتذبت هذه الاتفاقية رد فعل سياسياً قوياً محلياً في أستراليا والمملكة المتحدة، ومن فرنسا أيضاً، التي انتهى عقدها الحالي الخاص بالغواصات مع أستراليا بقيمة 90 مليار دولار (65 مليار جنيه إسترليني)، وفي حين أن أياً من القادة الغربيين الثلاثة المعنيين لم يذكر الصين، فمن المفهوم على نطاق واسع أن الترتيب جاء رداً على توسّع بكين وعدوانها في بحر الصين الجنوبي وتايوان، وتحدث بايدن عن الحاجة إلى الحفاظ على «منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة»، ومعالجة «البيئة الاستراتيجية الحالية» في المنطقة.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو ليجيان، إن قرار الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تصدير تكنولوجيا غواصات تعمل بالطاقة النووية شديدة الحساسية إلى أستراليا، شكّل حالة من المعايير المزدوجة «غير المسؤولة للغاية».

وكان ردّ الفعل الغريزي للعديد من المحللين على العلاقة العسكرية الجديدة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، هو التساؤل: كيف ستستجيب الصين لمثل هذه الخطوة؟ لا مفاجآت هناك، وبقدر ما يعد هذا الأمر دفاعياً بشكل طبيعي، تجب معايرة كل قرار يتعلق بالسياسة الخارجية مقابل ردّ الأطراف الأخرى.

إلا أن عدداً من المحللين أقل بكثير، سلك طريقاً آخر، وإن كان أكثر إزعاجاً، فعلى مدى العقد الماضي، انخرطت الصين في واحدة من أسرع عمليات الحشد العسكري في وقت السلم في التاريخ الحديث، وركزت على توسيع وتحديث القوات البحرية والجوية.

وتمتلك الصين الآن أسطولاً بحرياً أكبر من أسطول الولايات المتحدة، ويتركز بشكل كبير في البحار المحيطة بها، بينما تنتشر قوات واشنطن في جميع أنحاء العالم، ودشنت الصين 18 سفينة جديدة عام 2016، بينما كان للولايات المتحدة خمس فقط، كما أصبحت القدرات المعززة للقوات الجوية الصينية تتصاعد أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً كجزء من جهود بكين للضغط على تايوان، للموافقة على شكل من أشكال التوحيد.

وذكرت صحيفة التابلويد التابعة للحزب الشيوعي الصيني «غلوبال تايمز»، في وقت سابق، أن الطائرات المقاتلة الصينية ستبدأ قريباً تحليقاً جوياً منتظماً فوق تايوان والمياه التي بينها وبين البر الرئيس، على الرغم من أن الكثير من هذا المجال الجوي تابع اسمياً لسيطرة تايبيه.

وأقامت الصين جزراً جديدة ضخمة في بحر الصين الجنوبي، وحولتها إلى قواعد عسكرية، للتأكيد على مطالبها الإقليمية هناك، ويتم بناء صوامع جديدة في غرب الصين، ومن المرجح أن تحتوي على صواريخ كجزء من ردع نووي موسع، وانخرطت الصين على حدودها، العام الماضي، في اشتباك عسكري مع الهند، الأمر الذي صدم الاستراتيجيين في نيودلهي، الذين مازالوا لا يفهمون سبب قرار بكين إنهاء عملية فصل القوات التي تم التفاوض عليها منذ فترة طويلة هناك.

وهو ما يعيدنا إلى أنواع الأسئلة التي يجب أن تطرحها البلدان في منطقة تشارك الآن في سباق تسلح هائل، ولنبدأ بطرح السؤال الذي ظل يطرحه الكثيرون في أستراليا: كيف سيكون رد فعل الصين على هذه الخطوة الثلاثية من أميركا وبريطانيا وأستراليا؟ وبدلاً من ذلك عندما نشرت بكين حشودها العسكرية، هل سأل القادة والاستراتيجيون الصينيون أنفسهم، كيف ستستجيب الولايات المتحدة وحلفاؤها مثل اليابان وأستراليا؟

مع إعلان يوم الخميس في واشنطن ولندن وكانبيرا، أصبحت الإجابة عن هذا السؤال أكثر وضوحاً. في الولايات المتحدة أصبحت المنافسة مع الصين المبدأ التنظيمي الرئيس للمؤسسات السياسية والعسكرية والعلمية والتجارية، التي كانت منقسمة بخلاف ذلك وخالية من أي هدف.

أما أستراليا، الحليف الوثيق للولايات المتحدة، فإنها بدأت تعيد تشكيل سياساتها العسكرية والاقتصادية والتجارية، في الغالب، على قناعة من الحزبين بأن بكين تنوي تشكيل المنطقة وفقاً لتصميماتها الاستراتيجية الخاصة، وأصبحت الإجابة أيضاً أكثر وضوحاً في اليابان، حيث طغت النقاشات حول كيفية مواجهة الصين معركة خلافة رئيس الوزراء المستقيل، يوشيهيدي سوجا.

وفي حالة اليابان، هناك نقطتان مضطربتان: تايوان، مستعمرتها السابقة، التي تحتفظ بعلاقات عميقة معها، وجزر سينكاكو ودياويو في بحر الصين الشرقي، التي تسيطر عليها طوكيو، لكن بكين تدعي أنها تابعة لها، (تطالب تايوان أيضاً بالجزر، لكن هذه قصة أخرى).

لن تقدم بكين أي تنازلات بشأن أي قضية إقليمية، كما قال الرئيس، شي جين بينغ، في السنوات الأخيرة، إن الصين لن تتخلى عن «شبر واحد من الأراضي التي خلفها أسلافنا وراءهم»، قد يجادل البعض بأن الحشد العسكري الصيني هو مجرد رد على محاصرة حلفاء الولايات المتحدة وقواعدها في المنطقة، وبعبارة أخرى أنها دفاعية بحتة. هناك عنصر من الحقيقة في هذا الافتراض، فقد ظلت الولايات المتحدة أقوى دولة تسيطر على آسيا منذ عام 1945، واستفادت الصين لسنوات من الاستقرار الذي وفره الجيش الأميركي أثناء تطويرها لاقتصادها، لكن لا يمكن لدولة بحجم الصين وتاريخها أن تقبل بلعب دور ثانوي في آسيا، بمجرد أن تصبح قوية بما يكفي للرد.

لن ترضى بكين عن إعلان أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، ولاشك أنها ستسخر من كانبيرا باعتبارها تابعة لواشنطن، وهي تفعل ذلك بالفعل مع اليابان، فضلاً عن إحيائها جرائم طوكيو ضد الصين، أثناء غزوها واحتلالها في ثلاثينات وأربعينات القرن الـ20.

لكن الخط المتشدد لبينغ، بالإضافة إلى النظام السياسي الذي لا يثير أي خلاف في الداخل والخارج، يعني أن بكين في هذه العملية قد استعدت العديد من جيرانها في المنطقة.

ليس من المستغرب إذن أن تبحث ديمقراطيات مثل أستراليا واليابان عن خيارات لمعالجة صعود الصين، ومن نواحٍ مختلفة فإن كوريا الجنوبية، والعديد من دول جنوب شرق آسيا، لا غنى لها عن الولايات المتحدة في كل حساباتها، وتبدو أستراليا كدولة على استعداد للرد، غالباً، بشكل أخرق، ضد الصين، وقد دفعت ثمن ذلك من قبل، ويبدو أن هذا الثمن سيتصاعد في الأعوام المقبلة.

لكن من الواضح بشكل متزايد أنه سيتعين على بكين خوض العديد من المعارك، ومعاقبة العديد من المعارضين، في طريقها إلى تحقيق ما يسميه بينغ «حلم الصين»، كما لو أن أي شخص يحتاج إلى تذكير، فإن قرار يوم الخميس يجعل خطوط الصدع أكثر وضوحاً.

ريتشارد مكجريجور ■ زميل في معهد لوي

فرنسا تستدعي سفيريها من الولايات المتحدة وأستراليا للتشاور

استدعت فرنسا سفيريها في كل من الولايات المتحدة وأستراليا للتشاور، على خلفية الخلاف الذي نشب بسبب صفقة غواصات فاشلة، كانت ستصدّرها فرنسا إلى أستراليا.

وأعلن وزير الخارجية، جان إيف لودريان، مساء أول من أمس، أن هذه الخطوة الاستثنائية تتم بناء على طلب من الرئيس، إيمانويل ماكرون، وأضاف الوزير أن قرار تخلي أستراليا عن صفقة شراء الغواصات الفرنسية، التي عقدت في 2016، لمصلحة شراكة جديدة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، يمثل سلوكاً غير مقبول بين الحلفاء والشركاء، وأكد الوزير أن العواقب ستؤثر في جوهر التحالفات والشراكات الفرنسية، وكذلك في أهمية منطقة المحيطين الهندي والهادئ لأوروبا. وكانت أستراليا أعلنت، يوم الخميس، أنها ستحصل على غواصات تعمل بالطاقة النووية في إطار تحالف أمني جديد مع الولايات المتحدة وبريطانيا.

الغضب الذي اعترى باريس من قرار أستراليا التخلي عن خطط شراء أسطول من الغواصات الفرنسية الصنع، لم يكن مجرد غضب حول عقد دفاعي، وتجاوزات في التكاليف ومواصفات فنية، بل يلقي بظلال من الشك على التحالف عبر الأطلسي لمواجهة الصين.

صفقة «أوكوس» جعلت الطبقة السياسية الفرنسية تموج بالغضب بسبب «سياسة جو بايدن وترامب أحادية الجانب، والحكومة الأسترالية ذات الوجهين، والغدر البريطاني المعتاد». وأكد وزير الدفاع البريطاني، بن والاس، في محاولة لتهدئة الخلاف: «لم يتم فعل أي شيء من وراء ظهر شخص آخر»، إلا أن ذلك لم يهدئ من ثائرة باريس، فقد وصفت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي، هذه الخطوة بـ«خيبة الأمل الكبيرة».

في الآونة الأخيرة في أغسطس، عقدت بارلي قمة مع نظيرها الأسترالي، بيتر داتون، في باريس، وأصدرت بياناً مشتركاً مطولاً، يسلط الضوء على أهمية عملهما المشترك بشأن الغواصات، كجزء من استراتيجية أوسع لاحتواء الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ونظراً إلى فشل داتون في إخبار نظرائه الفرنسيين عما حدث، خلال أشهر من المفاوضات السرية مع الولايات المتحدة، فإن استنتاج الفرنسيين الوحيد هو أنه ربما تم إبعاده عن المفاوضات، أو أنه كان كثير النسيان، أو تكتم عن عدم الكشف عما يجري.

لم يكن هناك تحذير مسبق لفرنسا في هذا الشأن، بل سمعت على الهواء مباشرة من التلفزيون، في رابط فيديو بين البيت الأبيض وكانبيرا ولندن، أن عقدها على وشك أن يتم إلغاؤه.

ولزيادة الطين بلة، حدد بايدن توقيت الإعلان في اليوم السابق لنشر الاتحاد الأوروبي سياسته الخاصة بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي تم التخطيط لها منذ فترة طويلة. وقال الاتحاد الأوروبي إنه لم تتم استشارته مسبقاً، على الرغم من أن مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) قالوا خلاف ذلك.

وقالت أستراليا إنها وجهت تحذيرات كثيرة لفرنسا من أن التأخيرات في التصميم قد تضطرها إلى البحث عن مكان آخر بحلول سبتمبر، وأن مجموعة نافال الفرنسية تم منحها في الواقع حتى سبتمبر، لمراجعة خططها للعامين المقبلين من المشروع.

لكن في الواقع، كانت أستراليا تعمل بالفعل على الخطة (ب) مع الولايات المتحدة، وبالنسبة لفرنسا أظهر بايدن ، ليس للمرة الأولى، أنه يضع المصلحة الوطنية الأميركية في المرتبة الأولى.

طباعة