بعد إجلاء واشنطن قواتها من أفغانستان

روسيا تعمل على تغذية المخاوف من صدقية الولايات المتحدة بين شركائها الأوروبيـين

صورة

كانت لديّ مشاعر سيئة بشأن ما ستؤول إليه الأمور في الفضاء الأوروبي. وأدرك أن كثيرين يحتفلون بالنجاح الظاهري للقمة بين الرئيسين جو بايدن والأوكراني فولوديمير زيلينسكي باعتبارها خطوة مهمة على طريق وضع علاقة الولايات المتحدة مع الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي سابقاً على الطريق الصحيح. ولكن الأمر الذي أثار شكوكي هي الأصداء التي ذكرتني بعام 2008، قبل وقت قصير من التوغل الروسي داخل جورجيا.

ويستنتج معظم المسؤولين الحكوميين الأوكرانيين، وكذلك العامة، عندما يقرأون البيان الصادر عن القمة بين الرئيسين أن الولايات المتحدة تؤكد شراكتها وحتى تحالفها مع أوكرانيا. وهذا يجعل الالتزام الظاهري للدعم الأميركي يعمل على تحسين وضع أوكرانيا ضد الانفصاليين المدعومين من روسيا في شرق أوكرانيا.

وأما بالنسبة للجورجيين في عام 2008 يتركز قلقي هنا على أن «فجوة التفاهم» يمكن أن تظهر مرة ثانية. ويمكن أن يبالغ الأوكرانيين في تقدير حجم الدعم الأميركي، ويقومون بخطوات تورطهم مع روسيا. ويرتكبون الخطأ الذي ارتكبه الجورجيون عندما بالغوا في تقييم الدعم الأميركي لهم عام 2008. وبدلاً من الدعم، بدأت واشنطن توجه انتقادات لتبليسي وتتهمها «بالتصرف الطائش»، وحدث هذا بعد أن اختبرت موسكو حجم الدعم الأميركي لجورجيا ووجدته ليس كافياً. وتعمل روسيا الآن على تغذية المخاوف من صدقية الولايات المتحدة بين شركائها الأوروبيين بعد إجلاء واشنطن قواتها من أفغانستان. فهل ستكون هناك حادثة مشابهة في أوكرانيا تهدف إلى اختبار الصدقية الأميركية والضمانات الغربية؟

قد يكون من المهم إعادة النظر في مخاوف حشد روسيا ضد أوكرانيا في الربيع الماضي. ولكن الرواية الطاغية تفيد بأنه تم نزع فتيل الحرب في حينه نتيجة الضغوط الأميركية والإشارات التي أرسلتها واشنطن، والتي أدت إلى كبح ذراع الرئيس فلاديمير بوتين. وبالطبع كانت هناك إشارات وضغوط أميركية قبل التوغل في جورجيا عام 2008. ولهذا ثمة سؤال مفاده ما إذا كانت موسكو قد تم ردعها أم أنها تصرفت وفقاً لمنطقها الاستراتيجي. ونحن في الولايات المتحدة نركز على تجنب التغيرات الدراماتيكية. ولم يكن هناك توغل كبير في أوكرانيا، ونظراً لعدم حدوث ذلك فإننا وصفنا ما حدث هناك بأنه «أزمة تم تجنبها»، ولكن تلك الخطوات أرست الأسس من أجل تحركات أكثر هدوءاً ودقة في التوازن. وبصورة مشابهة عندما تعلق الأمر بيلاروسيا، كانت المخاوف أن تقوم روسيا بابتلاع أو ضم بيلاروسيا، التي غادر رئيسها الكساندر لوكاشينكو موسكو بعد لقائه الأخير مع بوتين للعودة إلى مينسك، وقال في نهاية المطاف لن يتمكن أحد من «ابتلاع» بيلاروسيا. وفي الحقيقة ليس هناك تغير في العلاقة بين روسيا وبيلاروسيا إلا في المجالات التي ستتغير بصورة لا رجعة فيها.

واحد من هذه المجالات يمكن رؤيتها عند تشكيل مجال موحد للطاقة، وهذا سيقود إلى المجال المهم، والمتمثل في أزمة طاقة محتملة في أوروبا. وكانت الولايات المتحدة تتمنى أن تبقى أوكرانيا هي الممر الذي يتم نقل الغاز عبره الى أوروبا. ولكن موسكو منخرطة الآن في لعبة «دجاجة الغاز الطبيعي» ولا تقوم موسكو بتصدير أي كمية من الغاز عبر أوكرانيا أكثر مما ينص عليه الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع ألمانيا. وتأمل روسيا أن يؤدي احتياطي الغاز المنخفض في أوروبا إلى جعلها تلجأ إلى «نورد ستريم2» الذي أصبح جاهزاً الآن. وفي الوقت ذاته بدأت «غاز بروم» وشركات الغاز الروسية الأخرى بتصدير الغاز إلى تركيا والصين. وبالنظر إلى فشل عقوبات الولايات المتحدة في وقف البناء المادي في روسيا ترغب هذه الأخيرة بأن تقع أزمة طاقة في أوروبا وتكون واشنطن هي سببها.

وفي نهاية المطاف، نأتي إلى العلاقة بين الصين وروسيا، في الاتصال الأخير بين بوتين والرئيس الصيني تشي جينبينغ، حيث أثار الحوار بين الرجلين خوف العديد من الدول الآسيوية. وفهمت الصين من اتصال بوتين أن موسكو تدعم موقف الصين في بحر الصين الجنوبي ومن تايوان. وأوضحت وزارة الخارجية الروسية أخيراً أن بوتين كان يعبر عن دعوته اللاعبين الخارجيين «مثل الولايات المتحدة أو دول الناتو الأخرى» الى عدم التورط في المنطقة، والحفاظ على الحياد بشأن مزايا التنافس. وبدت الرسالة واضحة، خصوصاً للهند واليابان، وتفيد: إذا مُنعتم من الاستثمار في روسيا تجنباً للعقوبات الأميركية، فإنكم تخاطرون بزيادة التقارب بين روسيا والصين، وهذا سيشكل ضرراً لمصالحكما. وبالنسبة لألمانيا، التي تمارس الضغوط من أجل خطوط أنابيب «نورد ستريم»، ونيودلهي واليابان فانهما ربما تقرران التراجع عن الضغوط الاقتصادية على روسيا، خصوصاً في ما يتعلق بأوكرانيا كي لا يجعلوا روسيا تقترب من القبول الاستراتيجي الصيني. واختصرت الصحافية الأميركية مليندا هارنغ رؤية إدارة الرئيس بايدن بقولها: «البيت الأبيض يركز على (كورونا) والصين وتغير المناخ، ولهذا فإنه قرر تجاهل روسيا»، في حين أن روسيا تبدو مستعدة لإرسال إشارة واضحة مفادها «أنا لن يتم تجاهلي يا جو».

نيكولاس غفوسديف ■ محرر يكتب في «ناشونال إنترست»

قد يكون من المهم إعادة النظر في مخاوف حشد روسيا ضد أوكرانيا في الربيع الماضي. ولكن الرواية الطاغية تفيد بأنه تم نزع فتيل الحرب في حينه نتيجة الضغوط الأميركية، والتي أدت إلى كبح ذراع الرئيس فلاديمير بوتين.

طباعة