العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    تركوا أحباءهم وذكرياتهم في بلادهم

    الهاربون من أفغانستان.. خوف وعنف وندم

    صورة

    أمام المطار، يفرز الجنود الأميركيون والفرنسيون الأشخاص القادمين ويصيحون «هو معنا، هي ليست كذلك..». من يمر، يمكنه الهرب من كابول، كما قال ((محمد)). أما الآخرون الذين حاولوا التسلل الى المجموعة التي تدعمها السفارة الفرنسية، فتم إبعادهم.

    بعد وصوله إلى باريس إلى جانب مئات الأفغان الذين أجلتهم القوات الجوية، يروي (محمد) وعشرات من مواطنيه لوكالة فرانس برس تفاصيل رحلتهم المرهقة وعملية الفرار، وشعورهم بالخوف والراحة، لكن أيضاً الحزن.

    روت (مريم)، التي تشعر بحزن عميق جراء انفصالها عن أحد أبنائها الثلاثة خلال هذه الرحلة: «حاولت مرات عدة دخول السفارة، لكن مسلّحين من (طالبان) منعوني. ضربني أحدهم ببندقية كلاشينكوف. كنت أبكي في الشارع عندما رآني أحدهم من الجانب الفرنسي، ثم فتح الباب لنا».

    تحت أسماء مستعارة خوفاً من الانتقام من أحبائهم، يخبرون عن الاستعجال والضرب والإهانات والفرار اليائس من العاصمة الأفغانية، والفوضى حول المطار، والارتياح عند الوصول إلى أوروبا، مع حزن شديد لترك بلادهم وبعض من أفراد عائلاتهم.

    كان على (جبران) ترك كل شيء بلمح البصر، وهذا ما فعله. قال إن مجرد عمله سائقاً في شركة أجنبية جعله موضع شك في أعين «طالبان».

    وروى الشاب الأربعيني: «غادرت أفغانستان بملابسي فقط ومع عائلتي. عدت مباشرة من المكتب إلى منزلي. أغلقت باب المنزل ثم غادرنا» إلى السفارة.

    في جيوبه، سبعة جوازات سفر، جواز سفر زوجته وأطفالهما الخمسة و أقل من 20 يورو. وقال من فندق قرب باريس، حيث تم إيواؤهم جميعاً «نبدأ حياة جديدة لكن من الصفر»، ورغم كل شيء «أنا سعيد بالنجاة من فظائع (طالبان)».

    «طالبان» في كل مكان

    لكن الوصول إلى السفارة دونه أخطار كبيرة، كما قال (عبدالله - 32 عاماً)، وهو مراسل لوسيلة إعلام أجنبية ويحمل تأشيرة، على غرار زوجته الحامل في شهرها الثامن.

    انطلق الزوجان في رحلتهما، «كان مسلّحو (طالبان) في كل مكان. كانوا يفتّشون كل السيارات وكل الحقائب». بين منزله والمنطقة الخضراء، حيث كان مقر السفارة الفرنسية، أقام المتمردون ثلاث نقاط تفتيش.

    وتابع «كان الأمر مخيفاً، اعتقدت أنهم سيوقفونني. سألوني (لم أنت ذاهب إلى فرنسا؟)». لكن في النهاية، سمحوا لهما بالمرور.

    يبلغ (عمر) 20 عاماً، وهو بمفرده، إذ كان على والديه العودة بعدما تعرضا للضرب بأيدي مسلحين من «طالبان». ويقول هذا الموظف في السفارة الفرنسية إنه «ضرب» من متمردين بينما كان في طريقه إلى هناك، وأضاف «قالوا لي (توقف عن العمل لمصلحة الأجانب وإلّا سنعتبرك كافراً ونقتلك)».

    ورغم السماح له بدخول السفارة، رأى خارجها مسلحين من «طالبان» يصفعون والده الذي كان يحاول مع زوجته الانضمام إليه، وتابع «كان عليه هو وأمي العودة إلى المنزل».

    تمكّن (مسعود) وزوجته وأطفالهما الأربعة من الاجتماع. وهذا المراسل المصور الذي يعيش في جلال آباد، عاصمة شرق أفغانستان، قام بتغطيات هجمات لـ«طالبان» وتنظيم «داعش»، وحياته على المحك.

    كان في كابول عندما دخلت «طالبان» المدينة. استقلت عائلته سيارة وتمكنت من اجتياز مسافة ثلاث ساعات للانضمام إليه، ودخول السفارة. لم يكن بحوزتها حتى حفاضات إضافية لطفلها الرضيع البالغ شهرين ونصف الشهر.

    5 كيلومترات في 3 ساعات

    ثم نقلوا جميعاً إلى المطار ليلاً بمرافقة قوات فرنسية. وراء النوافذ، تبدو ملامح الخوف على من تبقى، فيما يراقب المسلحون كل أنحاء المكان.

    وقال رئيس «ريد»، وهي وحدة للنخبة في الشرطة الفرنسية، «خمسة كيلومترات» بين السفارة والمطار تبدو «طويلة للغاية» رغم «المفاوضات» السابقة بين الفرنسيين و«طالبان».

    خمسة كيلومترات في ساعتين ونصف الساعة أو ثلاث ساعات، أي أبطأ من اجتياز المسافة سيراً على الأقدام، لأن المتمردين يوقفون القافلة بشكل متكرر. وقال (مسعود): «كنت قلقاً جداً. كنت خائفاً من التعرض للهجوم. كان هناك توتر كبير بين الركاب».

    رأى الصحافي الباكستاني الذي تم إجلاؤه معهم، شاهزيب وحلا، الموت بعينيه. ففيما تشكل تجمع حاشد قرب الحافلة التي كان يتم نقله فيها، حاول البعض اقتحامها «فأطلق أحد عناصر (طالبان) النار في الهواء لتفريق الحشد»، ثم صوّب بندقيته إلى السائق، قبل السماح له بالرحيل.

    وتكررت المشاهد نفسها أمام المطار، حيث احتشد آلاف الأفغان اليائسين. لكن هذه المرة، كان الجنود الأميركيون هم من أطلقوا النار في الهواء، كما قال (محمد)، وهو تقني يعمل في شركة أجنبية حصل على تأشيرات فرنسية لزوجته وأطفاله الستة.

    وأضاف «عندما نزلنا من الحافلة، اختلط البعض بنا على أمل دخول» المجمع الذي يحيط به مسلحون من (طالبان). وتابع «لذلك بدأ الفرنسيون يقولون للأميركيين (الذين يحرسون المدخل) فيما يشيرون إلى الأشخاص (هي معنا، هو معنا، هي ليست معنا)..».

    وأوضح (محمد) «بمجرد وصولنا إلى المطار، شعرنا بالأمان». لكن هذا الشعور بالأمان لا يلغي القلق والخوف اللذين رافقا الانتقال إلى المطار.

    (مريم)، مع اثنين من أطفالها الثلاثة، بدأت البحث مجدداً عن طفلها الثالث الذي كان يفترض أن يدخل السفارة مع خالته قبلها، لكن دون جدوى. وقالت إن زوجها، وهو مسؤول رفيع في الإدارة الأفغانية، رفض مرافقتهم خوفاً من «أن يقتلهم المتمردون وسط الشارع».

    لم يكن لديّ خيار

    أقلعت الطائرة العسكرية الفرنسية، ثم وصلت إلى القاعدة الجوية 104 التابعة لسلاح الجو في الإمارات. ثم انتقلوا إلى طائرة أخرى أكثر اتساعاً للقيام برحلة مدتها سبع ساعات إلى باريس لبدء حياة جديدة. لكن الحزن والشعور بالذنب يلازمان معظمهم.

    يرتجف (عمر) خوفاً على والديه اللذين يقول إنهما في خطر كبير بسبب الخطأ الذي ارتكبه. وأضاف «أتى مسلحون من (طالبان) إلينا، وقالوا (إذا لم تسلّما ابنكما، سنقتلكما)».

    وقال (محمد) الذي يشعر بالأسى لأنه «تخلى» عن والده وشقيقه وشقيقته: «لم يكن لدي خيار آخر!» مضيفاً «في عام 1996 عندما وصلت (طالبان) إلى السلطة، وضعوني في السجن. لا أريد أن يحصل ذلك لأولادي».

    تتنفس (مريم) الصعداء قليلاً، فقد أخذ زوجها ابنهما إلى مزار شريف، وهي مدينة كبيرة في الشمال على الحدود مع أوزبكستان، لأنه كان لديه تأشيرة لهذا البلد.

    وأوردت «إنهما في طريقهما إلى طشقند، العاصمة الأوزبكية، لكن متى سأراهما مجدداً؟».

    روت «مريم»، التي تشعر بحزن عميق جراء انفصالها عن أحد أبنائها الثلاثة خلال هذه الرحلة: «حاولت مرات عدة دخول السفارة، لكن مسلّحين من (طالبان) منعوني. ضربني أحدهم ببندقية كلاشينكوف. كنت أبكي في الشارع عندما رآني أحدهم من الجانب الفرنسي، ثم فتح الباب لنا».

    • تحت أسماء مستعارة خشية الانتقام من أحبائهم، يخبر الهاربون عن الاستعجال والضرب والإهانات والفرار اليائس من كابول، والفوضى حول المطار، والارتياح عند وصول أوروبا، مع حزن شديد لترك بلادهم وبعض من أفراد عائلاتهم.

    طباعة