العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    أفغانستان سقطت بسرعة بعد عقدين من الاحتلال

    بايدن يمتلك لحظته الخاصة في المأساة الأفغانية المستمرة

    صورة

    استولى المتمردون على مراكز المقاطعات عبر شمال أفغانستان وغربها، الواحدة تلو الأخرى، في وقت تقهقرت المقاومة الحكومية، وعندما استولى المتشددون من حركة «طالبان»، يوم الخميس، على مدينة غزنة، كانت عاشر عاصمة إقليمية تسقط خلال أسبوع. وبعد ذلك، في ما يمكن أن يكون ضربة قوية لحكومة الرئيس أشرف غني المحاصرة، بدا أن قوات حركة «طالبان» استولت على مدينتَي هرات وقندهار الرئيستين، وكذلك «لشكر كاه» عاصمة ولاية هلمند الجنوبية، وفقاً لمصادر صحافية.

    أفضل وضع

    والآن، مع وجود كابول في مرمى النيران، تجد «طالبان» نفسها في أقوى مركز لها منذ عام 2001، قبل أن يطردها الغزو، الذي قادته الولايات المتحدة، من السلطة، ووردت تقارير بالفعل من المناطق الخاضعة لسيطرة «طالبان» عن شنّ مسلحين هجمات على المدنيين، وإجبار الفتيات على الزواج.

    وفي الوقت نفسه، فإن الجيش الأفغاني، الذي تم إنشاؤه خلال سنوات من التدريب والدعم المالي الكبير من الولايات المتحدة، يترنح ومعنوياته محبطة، وفي المدن الأفغانية استسلم الجنود أو تركوا مواقعهم، وفي بعض الحالات استولت حركة «طالبان» على المعدات العسكرية الأميركية، بما في ذلك الأسلحة والمركبات. وفي غضون ذلك، فكر المسؤولون الأميركيون في نقل سفارتهم بالقرب من المطار، وحثوا المواطنين الأميركيين في البلاد على المغادرة فوراً، وسيتم إرسال الآلاف من القوات الأميركية الإضافية، مؤقتاً، لتأمين الموظفين من أجل إجلاء محتمل، وتحاول إدارة الرئيس جو بايدن يائسةً حشد الجهات الإقليمية، من جيران أفغانستان إلى الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، لتشكيل جبهة دبلوماسية موحدة وسط محادثات مع مبعوثي «طالبان».

    لكنّ نفوذ المسلحين يتعاظم مع تردد أصداء سايغون 1975 بصوت أعلى في كابول 2021، ووفقاً لتقديرات الاستخبارات الأميركية، فإن التفكك السريع لقوات الأمن الأفغانية يعني أن استيلاء «طالبان» المحتمل على كابول نفسها قد يستغرق أشهراً أو ربما أسابيع، وتزامن نجاح هجوم «طالبان» مع انسحاب آخر وحدات من القوات الأميركية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) من البلاد. وكان البيت الأبيض قد حدد موعد الانسحاب، في البداية، ليتزامن مع الذكرى الـ20 لهجمات 11 سبتمبر، التي دبرها متشددو تنظيم «القاعدة» الذين استضافتهم حكومة «طالبان» الأفغانية، آنذاك.

    في أوائل يوليو، سخِر الرئيس الأميركي من احتمال قيام الحركة المتشددة «بتجاوز كل شيء»، وعلق آماله على تسوية سياسية، بوساطة بين الأطراف المتحاربة في أفغانستان. وجادل النقاد الأكثر تشدداً بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى الحفاظ على تهديد رادع ضد حركة «طالبان» العائدة، فيما رأى مسؤولون أميركيون ومراقبون أن عدم الاستقرار المستمر في البلاد، حتى بعد عقدين من الاحتلال الأميركي، كان دليلاً كافياً على أن المهمة يجب أن تنتهي.

    وعلى مدى أسابيع، دافع البيت الأبيض عن قراره بإنهاء وجود القوات الأميركية، وهو هدف سعى إليه أيضاً الرئيس السابق، دونالد ترامب، وأيده معظم الأميركيين، وفقاً لاستطلاعات الرأي الأخيرة، كخطوة ضرورية حان وقتها. وقال بايدن للصحافيين، أخيراً: «انظروا، لقد أنفقنا أكثر من تريليون دولار على مدار 20 عاماً، ودربنا أكثر من 300 ألف جندي أفغاني على استخدام المعدات الحديثة، وعلى القادة الأفغان أن يجتمعوا».

    ومن المحتمل أن الأعداد الصغيرة، نسبياً، من القوات الأجنبية المتبقية في البلاد، لم يكن بإمكانها فعل الكثير لوقف تقدم طالبان الحالي، بغض النظر عن الانسحاب المعلن. وبالنسبة لبايدن كان مأزق أفغانستان مصدر نفاد صبر متزايد، لكن بالنسبة لعدد من الأفغان، بمن فيهم عدد متزايد من النازحين داخلياً، أصبح الوضع أكثر بؤساً، وزادت عمليات الإجلاء السريعة للدبلوماسيين الغربيين من العاصمة الأفغانية، من الشعور بالأزمة.

    أمن الدبلوماسيين

    وفي ذلك قال الباحث في شؤون جنوب آسيا بمركز ويلسون، مايكل كوجلمان: «يجب على المجتمع الدولي إعطاء الأولوية المطلقة لأمن دبلوماسييه»، متابعاً: «لكن لنكن واضحين: مغادرة أفغانستان سترسل إشارة واقعية مفادها أن العالم قد قرر ترك الأفغان لمصيرهم».

    كيف ضلّل قادة الولايات المتحدة الرأي العام الأميركي، عن عمد، بشأن الحرب في أفغانستان لما يقرب من عقدين من الزمن؟ تساءل مؤلف «أوراق أفغانستان»، كريج ويتلوك.

    وكشف الأخير، من خلال تقاريره الحائزة جوائز، عن وثائق حكومية أميركية تلقي الضوء على إخفاقات الحرب وجهود بناء الدولة في أفغانستان، وأورد ويتلوك أن الدولة الأفغانية كانت ضعيفة ومليئة بالفساد، وأن «هذا التشويش من دون استراتيجية متماسكة كان لايزال أفضل من الاعتراف بالهزيمة»، وأوضح الكاتب الأميركي أن «المقابلات والوثائق، وكثير منها لم يُنشر من قبل، تُظهر كيف أخفت إدارات الرؤساء: جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب الحقيقة طوال عقدين من الزمن».

    لقد كانوا يخسرون، ببطء، حرباً دعمها الأميركيون بأغلبية ساحقة في يوم من الأيام، وبدلاً من ذلك، اختار القادة السياسيون والعسكريون دفن أخطائهم وترك الحرب تنجرف، وبعد أقل من نصف عقد من الغزو، كان مسؤولو إدارة بوش يتذرعون بأشكال مماثلة لحرب فيتنام، إذ أصبح من الواضح أن طالبان مازالت تشكّل تهديداً، وقال أحد مسؤولي الإدارة في وقت لاحق: «جاءت نقطة التحول في نهاية عام 2005 وبداية عام 2006، عندما استيقظنا أخيراً على حقيقة أن هناك تمرداً يمكن أن يجعلنا نفشل بالفعل»، متابعاً: «كان كل شيء يسير في الاتجاه الخطأ بنهاية عام 2005».

    ومع ذلك، كتب ويتلوك يقول: «تجاهلت إدارة بوش التحذيرات ومضت قدماً في شن الحرب»، وفي نهاية عام 2014 حاول أوباما الإشادة بنهاية المهمة العسكرية الأميركية في أفغانستان، بعد سنوات من مكافحة التمرد، مُعلناً في بيان أن «أطول حرب في التاريخ الأميركي تقترب من نتيجة مسؤولة»، لكنّ المسؤولين الأميركيين كانوا يعلمون أنه لا توجد نهاية تلوح في الأفق، وأن إدارة أوباما، كما ذكر ويتلوك، «استحضرت الوهم»، وأبلغت الأميركيين بأن القوات الأميركية مازالت في أدوار «غير قتالية»، وكتب ويتلوك: «لكن البنتاغون وضع العديد من الاستثناءات»، ثم جاء ترامب الذي دعا بصوت عالٍ إلى إنهاء العمليات العسكرية الأميركية المكلفة في الخارج، لكنه أذن بتكثيف حملات القصف الجوي ضد أهداف المتشددين التي، وفقاً لإحدى الدراسات، أدت إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين الأفغان بنحو 330%. وبايدن، الذي كان في إدارة أوباما، يمتلك الآن لحظته الخاصة في تاريخ أفغانستان المضطرب، وهي مأساة تتشكل منذ سنوات عديدة.

    تحاول إدارة الرئيس، جو بايدن، يائسةً حشد الجهات الإقليمية، من جيران أفغانستان إلى الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، لتشكيل جبهة دبلوماسية موحدة وسط محادثات مع مبعوثي «طالبان».

    مع وجود كابول في مرمى النيران، تجد «طالبان» نفسها في أقوى مركز لها منذ عام 2001، قبل أن يطردها الغزو، الذي قادته الولايات المتحدة، من السلطة.

    • نفوذ المسلحين يتعاظم مع تردد أصداء سايغون 1975 بصوت أعلى في كابول 2021.

    إيشان ثارور ■ كاتب عمود في صحيفة «واشنطن بوست»

    طباعة