برعاية
    العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    متهم بإثراء نفسه ودائرته الداخلية عبر سنوات من الفساد

    محافظ البنك المركزي اللبناني يواجه الكثير من «الادعاءات»

    صورة

    لعقود من الزمان، ظل محافظ مصرف لبنان المركزي، رياض سلامة، يتلقى الإشادة من الداخل والخارج، باعتباره عبقرياً مالياً حافظ على استمرار الاقتصاد، واستقرار العملة، على الرغم من الحروب والاغتيالات والاضطرابات السياسية المتكررة، التي تشهدها البلاد من فترة إلى أخرى.

    والآن يواجه هذا البلد، الواقع على مفترق طرق في الشرق الأوسط، أزمة اقتصادية خانقة، تتمثل في بنوك معسرة إلى حد كبير، وبطالة آخذة في الارتفاع، وعملة هبطت إلى الحضيض، ويلقي الكثير من اللبنانيين باللوم على سلامة في نقص الأساسيات الذي جعلهم يكافحون لشراء الطعام، ويتدافعون للحصول على الأدوية، وينتظرون في طوابير طويلة لتزويد سياراتهم بالوقود.

    اتهامات بالفساد من الخارج

    ويتعرض سلامة لاتهامات بإثراء نفسه ودائرته الداخلية عبر سنوات من الفساد، حيث فتح قضاة مكافحة الفساد في باريس تحقيقاً، هذا الشهر، في مزاعم جنائية بأن سلامة ــ أحد رؤساء البنوك المركزية الأطول خدمة في العالم ــ جمع ثروة هائلة في أوروبا عن طريق إساءة استخدام سلطته. ويأتي التحقيق القضائي في أعقاب تحقيق أولي، أجراه مكتب المدعي المالي الوطني الفرنسي، وطلب المدعون العامون في سويسرا من السلطات اللبنانية المساعدة في تحقيق منفصل في شبهة اختلاس وغسل أموال مرتبطين بسلامة ورفاقه.

    وأثارت هذه المزاعم ضجة كبيرة في بلد يعاني انكماشاً اقتصادياً، جعل البنك الدولي يعتقد أخيراً أن لبنان قد يحتل المرتبة الأولى ضمن المراكز الثلاثة الأولى على مستوى العالم في هذا الصدد، على مدار الـ150 عاماً الماضية، وهو انكماش «يرتبط عادةً بالصراعات أو الحروب».

    وعلى الرغم من الانهيار، لم يواجه سلامة، مهندس السياسة النقدية في لبنان منذ عام 1993، دعوات جادة لترك منصبه، على الرغم من أنه أشرف على استراتيجية تتطلب مزيداً من الاقتراض لتسوية مستحقات الدائنين الحاليين، وهو ما وصفه بعض النقاد بأنه أكبر «بونزي» في العالم، في إشارة إلى مخطط بونزي الاحتيالي، الذي يعد المستثمرين والعملاء بمعدلات مرتفعة من العوائد، ونسبة قليلة من المخاطر من أجل دفع مستحقات المستثمرين القدامى.

    رجل لامع وماكر يتخفى وراء السرية

    ما يحمي سلامة من التدقيق في الداخل هو دوره المركزي في شبكة المصالح التجارية والسياسية الفاسدة في لبنان. ففي أكثر من 20 مقابلة مع مسؤولين لبنانيين وغربيين ومسؤولين نقديين واقتصاديين وزملاء سابقين لسلامة، يرسمون صورة لرجل لامع وماكر، ولكنه يتدثر بالسرية، قام ببناء إمبراطورية داخل البنك المركزي، واستخدمها لجعل نفسه عنصراً ضرورياً للأثرياء والأقوياء، وللاعبين عبر الطيف السياسي اللبناني.

    ويقول الرئيس السابق لجهاز الأمن العام اللبناني، جميل السيد، وهو الهيئة التي تشرف على الأمن الداخلي، وإصدار بطاقات الهوية وجوازات السفر «لم يعد رئيس البنك المركزي، وإنما أصبح المحاسب لهذه المافيا»، ويسترسل «إنه يحميهم، وهم يحمونه، لحماية أنفسهم».

    لكن التحقيقات في فرنسا وسويسرا تشكل تهديدات جديدة لمكانته، حيث يحقق القضاة الفرنسيون في شكوى قدمتها مجموعة شيربا الفرنسية لمكافحة الفساد، التي تتهم سلامة، وشقيقه رجاء سلامة، وأقارب آخرين، وماريان الحويك، التي تترأس المكتب التنفيذي للبنك المركزي، بنقل أموال بطريقة غير مشروعة من لبنان إلى البنوك السويسرية، ثم غسلها في فرنسا من خلال شراء العقارات الراقية، بما في ذلك العقارات الفاخرة بالقرب من برج إيفل. ويتمتع القضاة بصلاحيات واسعة، تشمل التعاون من السلطات اللبنانية، وتجميد الأصول، إذا كان مصدر تمويلها يبدو غير قانوني.

    غسل أموال

    ويقول محامي سلامة في فرنسا، بيير أوليفييه سور، إن سلامة يعارض مجمل الادعاءات. وبشكل منفصل، يقوم مكتب المدعي العام السويسري بفحص شبكة من الحسابات المصرفية، تمتد من سويسرا إلى بنما، ويقول إن سلامة وشقيقه ربما استخدما الشبكة من أجل إيواء «الاختلاس المحتمل»، لأموال البنك المركزي، و«القيام بغسل الأموال».

    ويقول المدعون السويسريون إن الوثائق تظهر أن سلامة استأجر شركة «فوري اسوسيتس»، وهي شركة وساطة مملوكة لشقيقه، للتعامل مع مبيعات البنك المركزي للسندات الحكومية، وأنه من عام 2002 إلى عام 2015، حول البنك ما لا يقل عن 330 مليون دولار من العمولات إلى حساب الشركة في سويسرا. ويقول سلامة أن العقد كان قانونياً.

    ويقول ممثلو الادعاء السويسريون إن مبالغ كبيرة في حساب «فوري اسوسيتس» تم نقلها إلى حسابات سويسرية يملكها سلامة، وتم استخدام جزء من الأموال في نهاية المطاف لشراء عقارات بقيمة ملايين اليورو في فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وسويسرا. وبخلاف العقارات، يبحث المدعون السويسريون في مزاعم بأن رجاء سلامة قد حول أكثر من 200 مليون دولار من حساب «فوري سويسري» إلى حساباته في البنوك اللبنانية التي تربطها علاقات سياسية قوية. وكان من بينها بنك ميد، المملوك لعائلة رئيس الوزراء اللبناني السابق، رفيق الحريري، الذي عيّن سلامة رئيساً للبنك المركزي، وابنه سعد الحريري هو أبرز سياسي سني في البلاد. ولم توجه النيابة العامة السويسرية أو الفرنسية أي اتهامات لسلامة، ولا لأخيه أو مساعديه حتى الآن، ومن غير الواضح كم من الوقت ستستغرق التحقيقات.

    حديث متداول

    الحديث عن الممارسات المشبوهة لسلامة متداول منذ سنوات. في البرقيات الدبلوماسية لموقع «ويكيليكس»، وصف السفير الأميركي السابق في لبنان، جيفري فيلتمان (المبعوث الخاص الآن للقرن الإفريقي)، وصف سلامة في عام 2007 بأنه «يشاع عنه سلوكه الفاسد، وميله للسرية، والاستقلال غير القانوني في البنك المركزي».

    وقال سلامة لشبكة «سي إن بي سي»، العام الماضي، قبل الإعلان عن التحقيقات، إنه لن يستقيل بسبب مشكلات لبنان المالية، لأن لديه «استراتيجية للخروج من هذه الأزمة». ودافع عن سجله، قائلاً إنه أبقى لبنان «واقفاً على قدميه فيما كان يعيش حروباً واغتيالات وحرباً أهلية، وما إلى ذلك». وقال: «من غير العدل حقاً أن نحكم على لبنان وكأنه السويد».

    لكن بعض اللبنانيين يتساءلون: كيف يمكن لسلامة أن يظل على رأس البنك المركزي في الوقت الذي يؤكد فيه البنك الدولي أن التضخم ارتفع إلى 80%، وغادر المستثمرون الأجانب البلاد، وربما يعيش أكثر من نصف سكان البلاد، البالغ عددهم 6.7 ملايين نسمة، تحت خط الفقر. ويقول المستشار السابق لوزير المالية اللبناني، هنري شاول، الذي استقال العام الماضي «إنه مسؤول عن فشل السياسة النقدية، التي فشلت فشلاً ذريعاً».

    سلامة المنقذ

    سلامة، رجل سياسي بارع ومهذب، يحمل جنسية مزدوجة لبنانية - فرنسية، ظل في خضم السياسة اللبنانية منذ أن عيّنه رفيق الحريري محافظًا للبنك المركزي في عام 1993. وكان مصرفياً خاصاً للحريري في ميريل لينش. وكان الحريري يحاول إعادة بناء لبنان بعد الحرب الأهلية الكارثية التي دامت 15 عاماً، وشرع سلامة في تحقيق الاستقرار في العملة، وجذب الاستثمار الأجنبي.

    حدد سلامة سعر الليرة اللبنانية عند 1500 للدولار، وهو ربط من شأنه أن يدعم الاقتصاد لأكثر من 20 عاماً، ولكنه يتطلب تدفقاً ثابتاً للدولارات لكي يكون مستداماً.

    لكن ظل هذا النظام هشاً، لأنه قد يواجه خطر الانهيار عند نفاد الأموال. وفي كل مرة يواجه فيها لبنان أزمات جديدة، يستمر تدفق المساعدات الخارجية، وجلب اغتيال الحريري في عام 2005، والحرب المدمرة بين «حزب الله» اللبناني وإسرائيل في عام 2006، تدفقات من المساعدات الدولية، وكان الأثرياء في الشتات اللبناني يرسلون العملات الأجنبية باستمرار إلى بلادهم.

    وأشاد أنصار سلامة به، باعتباره منقذاً ماهراً حفاظ على استقرار الاقتصاد في بلد يفتقر لكل شيء. وجاءت حكومات وذهبت، وهي تعاني عجزاً مزمناً في الميزانية، إلا أن سلامة ظل ممسكاً بزمام الأمور.

    يتطلع لرئاسة البلاد

    في النظام السياسي اللبناني المرتكز على الطوائف في لبنان، يجب أن يكون الرئيس مسيحياً مارونياً، ويبدو أن سمعة سلامة جعلته في وقت من الأوقات ينافس لهذا المنصب الرفيع، بوصفه العقل المالي المدبر. وقال ذات مرة لرجل أعمال سأله عن خططه الاقتصادية «اعطني الرئاسة وسأخبرك». كما استخدم سلامة منصبه لتقديم خدمات لسماسرة السلطة في النظام السياسي اللبناني، وفقاً لموظفين سابقين في البنك المركزي، ومسؤولين أجانبـ تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم. وحصل أبناء المسؤولين البارزين على وظائف في البنك المركزي. ويُزعم أن رجال الأعمال والسياسيين والصحافيين الموالين استفادوا بشكل كبير من القروض المدعومة من البنك المركزي، وغيرها من الترتيبات المالية.

    ولكن بعد عقود من الاستقرار النسبي، بدأ نظام سلامة في الانهيار. وبحلول عام 2015، كانت نسبة الدين اللبناني إلى الناتج الاقتصادي - وهو مقياس لعبء الدين على اقتصاد الدولة - ثالث أعلى نسبة في العالم، بنسبة 138%. وعندما تولى سلامة منصبه، كانت النسبة 51%، لتحتل المرتبة 97.

    • على الرغم من الانهيار، لم يواجه سلامة، مهندس السياسة النقدية في لبنان منذ عام 1993، دعوات جادة لترك منصبه، على الرغم من أنه أشرف على استراتيجية تتطلب مزيداً من الاقتراض لتسوية مستحقات الدائنين الحاليين، وهو ما وصفه بعض النقاد بأنه أكبر «بونزي» في العالم.

    • ما يحمي سلامة من التدقيق في الداخل هو دوره المركزي في شبكة المصالح التجارية والسياسية الفاسدة في لبنان.

    • بعض اللبنانيين يتساءلون: كيف يمكن لسلامة أن يظل على رأس البنك المركزي في الوقت الذي يؤكد فيه البنك الدولي أن التضخم ارتفع إلى 80%، وغادر المستثمرون الأجانب البلاد، وربما يعيش أكثر من نصف سكان البلاد، البالغ عددهم 6.7 ملايين نسمة، تحت خط الفقر؟

    طباعة