العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    بهدف إرضاء الناخبين

    الديمقراطية في أوروبا تميل نحو اليمين المتطرف

    صورة

    ثمة لحظات سياسية تعيش في الذاكرة. وأتذكر بوضوح لحظة الوقوف في ساحة الأوبرا في باريس وأنا أراقب رئيس حزب «الجبهة الوطنية»، جان ماري لوبان، وهو يخطب في حشد كبير خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2002. وبالقرب مني كان يوجد أعضاء من حزب «فورزا نوفا» الإيطالي اليميني المتطرف. وشعرت بأنها لحظة جديدة وخطيرة بالنسبة للديمقراطية الأوروبية.

    وبعد مرور 20 عاماً تقريباً، أصبحت الأحزاب اليمينية المتطرفة جزءاً مألوفاً من المشهد السياسي الأوروبي. وفي فرنسا أصبحت مارين لوبان ابنة جان ماري، تقود حزب والدها، الذي أصبح اسمه في عام 2018 «حزب التجمع الوطني»، والذي لقي خيبة أمل كبيرة الأسبوع الماضي عندما فشل في السيطرة على أي منطقة فرنسية في الانتخابات. ولكن حزب لوبان يعتبر حالياً أكثر قوة مما كان عليه قبل 20 عاماً. وستحمل مارين راية الحزب في انتخابات العام المقبل، ولديها فرصة للفوز من الناحية الظاهرية.

    أهمية أحزاب اليمين

    ويوجد في معظم دول الاتحاد الأوروبي حالياً أحزاب يمين متطرفة، وتتسم بأهمية كبيرة. وبالطبع فإن عبارة «اليمين المتطرف» تعتبر محل خلاف. ويفضل البعض تسمية مثل «يميني شعبوي». ولكن الأحزاب التي تلتقي معاً في التجمعات اليمينية المتطرفة في البرلمان الأوروبي، تتميز بصفات منسجمة في ما بينها نوعاً ما. وهي تتضمن المعاداة للمهاجرين، خصوصاً المسلمين، والخطاب المعادي للنخبة، ودعم نظريات المؤامرة، والثقافة المحافظة، والغلو القومي، وكره الاتحاد الأوروبي. وبالتالي يوجد موقف ملتبس بالنسبة للفاشية التي ظهرت في ثلاثينات القرن الماضي، سواء من قبل فيشي في فرنسا، أو موسوليني في إيطاليا، أو فرانكو في إسبانيا، أو النازية في ألمانيا والنمسا.

    ويبدو أن ظلال ثلاثينات القرن الماضي تخيم الآن على اليمين المتطرف الأوروبي. وهو ما يفسر الغضب الذي حدث في الاتحاد الأوروبي عندما انضم حزب الحرية النمساوي إلى الحكومة عام 2000. والخوف عندما وصل لوبان إلى الجولة الأخيرة من الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2002. وفي تلك الفترة كان الخيار واضحاً؛ إما أن يتم القضاء على اليمين المتطرف، أو أن الديمقراطية ستكون في خطر داهم. وبعد نحو 20 عاماً، أصبح الوضع أكثر ضبابية. إذ إن اليمين المتطرف بات أكثر رسوخاً في أوروبا، ولكنه يبدو مثل مرض مزمن أكثر من كونه تهديداً مميتاً.

    مشاركة اليمين في الحكم

    وقد علمنا أن أحزاب اليمين المتطرف يمكن أن تشارك في الحكومات دون إنهاء النظام الديمقراطي، كما حدث في عام 1933 بعد أن شكل أدولف هتلر ائتلافاً حاكماً في برلين. وانضمت الأحزاب التي كانت تتميز بأنها يمينية متطرفة إلى ائتلافات حكومية في النمسا وإيطاليا وإستونيا وفنلندا، وبعد ذلك خسرت السلطة. ولم يتم إنهاء الديمقراطية.

    وعملت الأحزاب اليمينية المتطرفة في بعض المراحل على التنازل عن بعض مطالبها المتطرفة وفقدت شعبيتها، وهو ما حدث لحزب الشعب الفنلندي. وبعضها ينشغل بفضائح سيئة ويفقد الشعبية والسلطة، كما حدث مع حزب الحرية في النمسا، وحزب أكري في إستونيا.

    ولكن عملية التكيف الديمقراطية تجري بكلتا الطريقتين. وتبنّى العديد من الأحزاب الرئيسة سياسات كان اليمين المتطرف يؤيدها في جهد منه لنيل رضا الناخبين. واتخذ الائتلاف الحاكم في الدنمارك مواقف أكثر تشدداً من الهجرة، حيث هدد بإعادة المهاجرين السوريين إلى ديارهم استناداً إلى فكرة غير مقنعة مفادها أن بلدهم أصبحت «آمنة». وفي فرنسا اتهم وزير بارز في حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون، لوبان «بالتساهل» إزاء المسلمين.

    السويد مرشحة لحكم اليمين

    وأما الدولة التالية حيث يمكن لأي حزب فيها يوصف بأنه «يميني متطرف» أن ينضم إلى الائتلاف الحاكم فهي السويد التي سقطت حكومتها للتو. وكان حزب الديمقراطيين السويديين حزباً يعتبر في السابق يمينياً ومتطرفاً، نتيجة جذوره التي ترجع إلى النازية الجديدة، ويبدو اليوم قريباً من أن يصبح جزءاً من السلطة. وقام حزب الديمقراطيين السويديين بجعل خطابه وصورته أكثر اعتدالاً. ولكن أي حكومة سويدية سينضم إليها يمكن أن تتخذ مواقف سلبية إزاء قضايا مثل الهجرة والمسلمين وهو أمر لم يكن من الممكن تصوره قبل نحو عقد من الزمن. وسيجد الليبراليون هذه العملية محبطة، وحتى مرعبة. ولكن من ناحية أخرى فإنها الطريق التي تعمل وفقها الديمقراطية. إذ إن المشاعر الشعبية تتغير والأحزاب السياسية تتكيف وفقاً لذلك.

    ولكن لايزال من السابق لأوانه النظر بصورة تفاؤلية إلى قدرة الديمقراطية الأوروبية على استيعاب سياسة اليمين المتطرف. وهناك اختباران يمكن أن يحدثا مستقبلاً. الأول ماذا سيحدث عندما يحكم اليمين المتطرف لوحده وليس ضمن ائتلاف؟ والثاني ما الذي سيحدث إذا تحول أحد الأحزاب الأوروبية الرئيسة نحو اليمين المتطرف؟ وهذا يمكن أن يحدث في إيطاليا، إذا كانت الحكومة المقبلة مستندة إلى حزبين يمينيين متطرفين، وهما حزبا الأخوة الإيطالي، والرابطة. ويمكن أن يحدث في فرنسا إذا فازت لوبان في انتخابات الرئاسة.

    والأدلة من هنغاريا وبولندا لا تبدو مشجعة بشأن ما الذي يمكن أن يفعله اليمين المتطرف دون أن يكون له شركاء يحدون من حريته. ويتبع رئيس الحكومة في هنغاريا فيكتور أوربان الأسلوب التقليدي للرجل القوي، حيث تحييد وسائل الإعلام والقضاء كي يرسخ نفسه في السلطة. وعندما تنهي المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل فترة حكمها في وقت لاحق من العام الجاري يكون أوربان السياسي الأوروبي الذي أمضي أطول فترة في الحكم في الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي ربما يعكس أكثر من مجرد جاذبيته الغريبة للناخبين.

    وانعكست الصعوبة التي تواجه الاتحاد الأوروبي في استيعاب قائد يميني متطرف في تزايد مرارة التصادم بين أوربان ومعظم قادة الاتحاد الأوروبي. ولكن هنغاريا دولة صغيرة، ولذلك فإن تأثيرها على الاتحاد الأوروبي ككل يمكن استيعابه. ولكن إذا فازت لوبان بالرئاسة الفرنسية العام المقبل فسينتشر تأثير هذه الصدمة على القارة الأوروبية برمتها. ومن الممكن أن يتفكك الاتحاد تحت وطأة هذه الصدمة. وبدلاً من ذلك يمكن أن يحذو الاتحاد الأوروبي حذو الدول الديمقراطية القومية في أوروبا ويصبح ائتلافاً غير مستقر بين سياسيين يمينيين متطرفين وآخرين من الأحزاب السياسة الكبيرة.

    جيدون راشمان ■ كاتب في «فاينانشال تايمز»

    عملت الأحزاب اليمينية المتطرفة في بعض المراحل على التنازل عن بعض مطالبها المتطرفة وفقدت شعبيتها، وهو ما حدث لحزب الشعب الفنلندي. وبعضها ينشغل بفضائح سيئة ويفقد الشعبية والسلطة، كما حدث مع حزب الحرية في النمسا، وحزب أكري في إستونيا.

    لايزال من السابق لأوانه النظر بصورة تفاؤلية إلى قدرة الديمقراطية الأوروبية على استيعاب سياسة اليمين المتطرف. وهناك اختباران يمكن أن يحدثا مستقبلاً. الأول ماذا سيحدث عندما يحكم اليمين المتطرف لوحده وليس ضمن ائتلاف؟ والثاني ما الذي سيحدث إذا تحول أحد الأحزاب الأوروبية الرئيسة نحو اليمين المتطرف؟ وهذا يمكن أن يحدث في إيطاليا.

    طباعة