برعاية
    العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    في أخطر هجوم على المعارضة

    روسيا مخطئة في حظر منظمة نافالني

    صورة

    يوم الأربعاء التاسع من يونيو الماضي، أصدرت محكمة موسكو قراراً يصنف مجموعة من المنظمات المرتبطة بالمعارض الروسي اليكسي نافالني، باعتبارها منظمات متطرفة، بما فيها المنظمة الأكثر أهمية، وهي «مؤسسة محاربة الفساد».

    ووفق القانون الروسي فإن مثل هذا التصنيف يجعل هذه المنظمات مساوية لتنظيم «داعش»، وبالتالي تصبح غير قادرة على جمع التمويل، أو تجنيد الأعضاء، أو نشر المعلومات، أو المشاركة في الانتخابات على الأرض الروسية. وصادقت المحكمة على حجة المدعي العام في الحكومة الروسية بأن أنصار نافالني كانوا يخططون لزعزعة الاستقرار في روسيا، عن طريق القيام «بسيناريو الثورة الملونة»، واستخدام «الشعارات التحررية» كغطاء من أجل تنفيذ خطط مشينة ضد بلادهم. ومن حيث التأثير، يعتبر هذا العمل الذي قامت به الحكومة الروسية، الهجوم الأخطر على المعارضة الروسية حتى الآن.

    الالتزام بالسلم

    وفي الوقت الذي يركز فيه المعلقون الأجانب على نافالني نفسه، فإن تشعبات القرار الذي اتخذته الحكومة الروسية يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. ومن المعروف أن الحركة الشعبية التي يمثلها نافالني هي الأكثر التزاماً من الناحية الأيديولوجية بالسلم والتغيير السياسي دون اللجوء إلى العنف، من أي حركة أخرى شهدتها روسيا في تاريخها. فقد جعلت الملايين من الروس، العديد منهم شبان، ناشطين مدنيين يعملون على إصلاح روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي وليس الإطاحة بها. والأكثر أهمية من وجهة نظر الحكومة الروسية، أنه ليس لدى هذه المعارضة أي فرصة فعلية للاستيلاء على السلطة من خلال الوسائل التي اختارتها. ومن الواضح أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الآن أكثر رسوخاً في منصبه، كما أنه يمتلك درجة كبيرة من الشرعية أكثر من أي حاكم آخر في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي. ومن خلال إغلاق صمام أمان حيوي في روسيا التي يحكمها نظام مغلق فإن ذلك يعرّض مستقبل هذا النظام للخطر.

    ولفهم أسباب ذلك، من المهم أن نضع في أذهاننا أن النظام الروسي يمتد إلى ما هو أبعد من بوتين الشخص، تماماً كما أن المعارضة ليست نافالني فقط؟ وركز نشطاء مؤسسة محاربة الفساد غالباً انتقاداتهم القوية على الممثلين المحليين والإقليميين لحزب روسيا الموحدة (المنفصل عن رئاسة بوتين)، لأنه الميدان الذي يكون فيه النظام في أضعف حالاته. ولكن عن طريق جعل من يظهرون التحدي لهذا الحزب خارجين عن القانون يكون بوتين قد حدد نفسه إلى حد كبير مع حزب روسيا الموحدة، وهو حزب لا يحظى بالشعبية أكثر من الرئيس نفسه. لأن فساده واستخدامه «للموارد الإدارية» للتلاعب بالانتخابات، وعجزه عن معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الرئيسة معروفة تماماً حتى للأشخاص الذين يعادون نافالني. ووفق استطلاع أجري في فبراير الماضي، فإن 27% من الروس مستعدون للتصويت لحزب روسيا الموحدة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وأشارت استطلاعات أخرى إلى أن هذا الرقم تناقص أكثر الآن.

    مستقبل «روسيا الموحدة»

    وعلى الرغم من هذه الأرقام غير المشجعة، فعلى الأرجح أن يفوز هذا الحزب بالأغلبية، وربما بالأغلبية الكاسحة في مقاعد الدوما. ويبدو أن الهدف البعيد الأمد للنظام هو جعل حزب روسيا الموحدة في السلطة بصورة دائمة، تماماً كما كان الحزب الشيوعي خلال الاتحاد السوفييتي أو كما هو حزب نارندرا مودي، المعروف باسم بهراتيا جاناتا في الهند. ولكن الشيوعيين كانوا يتمتعون بشرعية كبيرة لكونهم حققوا النصر على النازية خلال الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى تحقيق التوسع الاقتصادي في ما بعد. وبصورة مشابهة فقد استفاد حزب بهراتيا جاناتا بصورة فاعلة من القومية الهندوسية.

    وفي المقابل، فإن حزب روسيا الموحدة لا يملك شيئاً مشابهاً يمكن أن يقدمه للروس كي ينال تعاطفهم. وخلال فترة جائحة كورونا، انخفض دخل العائلة لكل فرد بصورة كبيرة جداً، وأصبح معادلاً لما كان عليه الوضع عام 2015، وأقل بـ40% عما كان عليه عام 2013. وعلى الرغم من أن هذا يعكس تأثير العقوبات الغربية من ناحية، إلا أن فشل الحزب في تنويع موارد الاقتصاد، لأن اعتماده فقط على النفط والغاز، جعل روسيا هشة ولا تتحمل صدمات مثل جائحة كورونا. والأمر الأشد سوءاً هو فشل الحزب في خلق الشرعية عن طريق استخدام أعداء محليين وأجانب لتوليد ردة فعل دفاعية وقومية ودائمة. ويتعاطف أعداد من الروس مع نافالني أكثر من المتعاطفين مع حزب روسيا الموحدة، وبات جلياً حتى الآن للعديد من الروس أن وسائل الإعلام التي تتحكم بها الدولة، تستغل الأزمات في أوكرانيا وبيلاروسيا، كوسيلة لصرف الأنظار عن المشكلات الداخلية.

    وللمفارقة، كانت المعارضة الليبرالية هي أفضل وسيلة يقوم بها النظام خلال التجديد التدريجي. وكان استخدام هذه المعارضة للتصويت التكتيكي، والمحاولات الأخرى للتلاعب بالنظام بهدف دعم المرشحين الإصلاحيين، فعّالاً في بعض الأحيان، ولكن على المدى البعيد، ودون حدوث تغييرات في القمة، فإن مثل هذه التحسينات على الأرجح لن تسفر عن تغير شامل. بل إن نجاح المعارضة الجزئي كان يصب لمصلحة النظام. والمشكلة أن الناشطين الليبراليين كانوا يلتزمون بالنظام الدستوري الروسي أكثر من حزب روسيا الموحدة.

    ومن الصعب الجزم ما إذا كان قرار تصنيف الليبراليين الروس كمتطرفين سيؤدي إلى جعلهم يعيشون في الخفاء أو يتبنون أشكالاً أكثر تطرفاً من السياسة خارج البرلمان. ولكن هذا التصنيف على الأرجح سيجعل معارضي النظام المستقبليين أكثر تشككاً في التغيير التدريجي والمعايير الدستورية التي تجعل تحقيقه ممكناً. وعن طريق الإخلال بالوعود التي قدمها للمجتمع المدني، يعمل النظام على جعل المعارضة المستقبلية أكثر عناداً، كما أن السيطرة عليها ستكون أقل مما عليه الآن. وربما يعني هذا انفتاحاً لليسار المتطرف، ولكن على الأرجح أن التعصب القومي الذي تؤججه قضايا مثل الهجرة، سيكون بديلاً أفضل جاذبية. وكان نافالني نفسه قد غازل هذه الأفكار، ولكنه تطور تدريجياً إلى شخص ديمقراطي اجتماعي ليبرالي. وربما يقوم خلفاؤه بالرحلة ذاتها، ولكن بصورة معاكسة. ويشير التاريخ إلى أن تغير الأجيال في الطبقة السياسية، تماماً كما فعل رئيس الاتحاد السوفيتي السابق ليونيد بريجنيف عندما فسح المجال أمام مجموعة من القادة الأصغر منه عمراً في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، يشكل تحديات خاصة بالنسبة للأنظمة المختلة. وهذه اللحظة في روسيا يفصلنا عنها عقود عدة من الزمن. والجيل المقبل في روسيا إما أنه لا يتذكر فوضى التسعينات من القرن الماضي في روسيا، أو أنه يرى أن حالات الفشل الذي تم في أعقاب 2008 كانت حاسمة تماماً. وسيكون قرار قمع شبكة نافالني التي تدعو إلى الإصلاح الليبرالي واحدة من حالات هذا الفشل.

    غريغ إفينوجينوف ■ أستاذ مساعد في التاريخ الروسي في جامعة جورج تاون الأميركية

    يبدو أن الهدف البعيد الأمد للنظام هو جعل حزب روسيا الموحدة في السلطة بصورة دائمة، تماماً كما كان الحزب الشيوعي خلال الاتحاد السوفييتي.

    • وسائل الإعلام التي تتحكم بها الدولة، تستغل الأزمات في أوكرانيا وبيلاروسيا، كوسيلة لصرف الأنظار عن المشكلات الداخلية.

    • بسبب الإخلال بالوعود التي قدمها للمجتمع المدني، يعمل النظام على جعل المعارضة المستقبلية أكثر عناداً، كما أن السيطرة عليها ستكون أقل ممّا عليه الآن. وربما يعني هذا انفتاحاً لليسار المتطرف، ولكن على الأرجح فإن التعصب القومي سيكون بديلاً أكثر جاذبية.

    طباعة