برعاية
    العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    يتحلّين بالشجاعة والإصرار

    5 ناشطات في بيلاروسيا يتحدّين سلطة الأمر الواقع

    صورة

    ربما تكون بيلاروسيا قد تراجعت في عناوين الأخبار، لكن نضال المعارضة في هذا البلد مستمر. وتناقش خمس نساء نضالهن، في غابة بالقرب من العاصمة مينسك، وهو موقع تم اختياره بعناية، بعيداً عن بلطجية لوكاشينكو. ومن خلال التواصل عبر «تلغرام»، تنسق الناشطات الخمس مواعيد اللقاءات، ويتوافدن إلى الموقع.

    رغم عملهن في مجالات مختلفة، مثل المستشفى وروضة أطفال والجامعة، فقد تعرفت الناشطات الى بعضهن بعضاً في التظاهرات، خلال أغسطس الماضي، ضد ألكسندر لوكاشينكو، ومازلن ينشطن في الاحتجاجات ضد الديكتاتور إلى اليوم.

    وتحمل الطبيبة ماري حقيبة تحتوي على ملابس خاصة وبطانيات وجوارب. وتقول إنها تحمل الحقيبة في كل مكان خشية أن يقبض عليها؛ موضحة «يجب أن نكون مستعدين لأي شيء»، وعلى معصمها الأيسر مازالت ترتدي سواراً ملوناً بالأبيض والأحمر (علم المعارضة)، الذي منعته الحكومة.

    وأولئك الذين يرفعون العلم يمكن أن يتوقعوا أن يتم القبض عليهم على الفور وحبسهم لأيام عدة إذا أوقفتهم السلطات. وبالطبع، ماري ليس اسم الطبيبة الحقيقي، وكذلك أسماء النساء الأخريات. والخطر ببساطة أكبر من أن يتلقوا هم وعائلاتهم زيارة غير مرغوب فيها من الأمن البيلاروسي. وتواصل الشرطة دوريات منتظمة في الأحياء السكنية في مينسك بحثاً عن معارضي النظام. وبالنسبة للنساء، الغابة القريبة من مقرات سكنهن هي المكان الوحيد الذي مازلن يجرؤن فيه على التحدث مع صحافي. ويتحدثن عن مدى انتشار الخوف في كل مكان، وأن الشرطة من قوة أمن «أومون» تظهر أحياناً في كوابيسهن؛ وكيف أنهن مع ذلك غير مستعدات للاستسلام.

    اعتقال وتعذيب

    لم يتمكن شعب بيلاروسيا من التظاهر منذ أشهر. واستخدمت مجموعات غير نظامية الهراوات والرصاص المطاطي والقنابل اليدوية ورذاذ الفلفل، لتفريق المتظاهرين. وقد مرت 10 شهور منذ أن أعلن عن فوز لوكاشينكو في انتخابات رئاسية تم التلاعب بها، مدعياً أنه حصل على أكثر من 80% من الأصوات. ومنذ ذلك الحين، كان كل من يشكك في فوزه بمثابة هدف لعناصر الأمن. وتم اعتقال أكثر من 35 ألف شخص منذ أغسطس الماضي، وحكم على الآلاف بالسجن، إلى جانب الضرب المبرح والتعذيب، حتى إن البعض لقوا حتفهم بسبب سوء المعاملة.

    وفي الآونة الأخيرة، أجبرت السلطات البيلاروسية طائرة متجهة إلى ليتوانيا، وعلى متنها 126 راكباً على الهبوط في مينسك، من أجل اعتقال الناشط المعارض، رومان بروتاسيفيتش. ويستخدم لوكاشينكو الآن بروتاسيفيتش ليكون مثالاً يحتذى به: إذ أُجبر الشاب البالغ من العمر 26 عاماً على الاعتراف بالتطرف في مقطع فيديو بعد اعتقاله، وأُجبر أيضاً على إجراء مقابلة على التلفزيون الحكومي. وفي المقابلة، جرّم نفسه والآخرين، بالإضافة إلى الإعراب عن احترامه للوكاشينكو. وكانت الخدوش على معصميه واضحة للعيان، على الأرجح من أثر الأصفاد. ويفترض العديد من زملائه، من نشطاء المعارضة، أن بروتاسيفيتش تعرّض للتعذيب. ولم يتمكن محاميه من زيارته في السجن لمدة أسبوعين.

    رسالة واضحة

    وتقول الناشطة ماري، إن رسالة لوكاشينكو واضحة: من هم ضده سيخسرون كل شيء. والنساء المتجمعات في الغابة يدركن ذلك تماماً. واختار أغلبهن عدم مشاهدة المقابلة، ولكن من المفارقات أن تحويل طائرة بروتاسيفيتش هو الذي يمنحهم بصيصاً من الأمل. وتقول ماري إنها تشعر بالأسف الشديد حيال بروتاسيفيتش، لكنها تقول إن خطوة لوكاشينكو مفيدة في الواقع لمنتقدي النظام. وأخيراً، فهم السياسيون الأوروبيون من هو حاكم مينسك بالضبط؛ إنه ديكتاتور يتحدى أوروبا بأكملها. وتقول ماري إنها تعلم أن هذا قد يبدو ضاراً للبعض. «لكن أخيراً، توقف الاتحاد الأوروبي عن التعبير عن (قلقه العميق)». وتتحدث الناشطة بسرعة، وأومأت النساء الأخريات بالموافقة على ما تقول، وقلن إنهن يأملن في كثير من الأحيان في أن ينفذ الاتحاد الأوروبي عقوبات مؤلمة ضد النظام، لكن أوروبا تظل مترددة.

    تردد أوروبي

    هذا شيء واجهته المعارضة البارزة سفيتلانا تيكانوفسكايا، أيضاً. وتعتبر الأخيرة رئيسة بيلاروسيا المنتخبة الفعلية، ولكن عندما سافرت عبر أوروبا، في أواخر عام 2020، لحشد الدعم لرد أوروبي أكثر صرامة على لوكاشينكو، كان التردد هو الرد الأساسي. وكلما تلاشت صور الاحتجاجات في أواخر الصيف من الذاكرة، وبقي لوكاشينكو في السلطة لفترة أطول، قل اهتمام الاتحاد الأوروبي بالرياح المعاكسة التي يواجهها منتقدو النظام في الدولة الواقعة على حافة أوروبا. وتريد ماري ورفاقها تحقيق المزيد، على أمل أن يتم فرض عقوبات على الشركات المملوكة للدولة في بيلاروسيا. وبروكسل، مستعدة، للمرة الأولى، لاتخاذ مثل هذه الخطوة، مع فرض عقوبات اقتصادية.

    تقول النساء الخمس إنه كلما كانت العقوبات أكثر قسوة كان ذلك أفضل. وتسرد أولغا، وهي أستاذة في إحدى الجامعات الحكومية، تبلغ من العمر 37 عاماً؛ إن الشركات المملوكة للدولة التي يجب إدراجها ضمن قائمة العقوبات، تتضمن مصانع الأسمدة، وشركات الأخشاب، وعمليات صناعة النفط، وشركة التبغ. أما الناشطة أوليسيا، فتقول إن شعب بيلاروسيا سيعاني، أيضاً، تحت الضغط الاقتصادي لمثل هذه العقوبات، لكنه على استعداد لتحمّل التكاليف.

    الطريقة الوحيدة

    يشارك كثيرون في بيلاروسيا وجهة نظر أوليسيا. ويعتقد هؤلاء أنها الطريقة الوحيدة لزيادة الضغط على النظام، لاسيما بالنظر إلى عدم قدرة معارضي النظام على القيام بذلك. ويعتقد النشطاء أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يقدم الدعم المالي لنظام لوكاشينكو إلى الأبد. ومع ذلك، فهو يدعم الرئيس البيلاروسي، في الوقت الحالي، حتى إنه دعاه للانضمام إليه على يخته، أخيراً، في البحر الأسود. وفي هذه الأثناء، تراقب ماري والناشطات الأخريات ما حولهن، باستمرار، وتلقين نظرات سريعة في كل اتجاه، بشكل متكرر.

    ضغوط رسمية

    تتحدث الناشطة السياسية والطبيبة، ماري، عن عيادات تعرّض فيها زملاؤها لضغوط رسمية عند محاولتهم إنشاء نقابات عمالية. وينص القانون على مثل هذا الشيء، ولكن تم إخبار العاملين في المجال الطبي بأنه سيصبح غير قانوني إذا انضم عدد كبير جداً من الموظفين.

    وتشرح ماري «شعب بيلاروسيا منهك بسبب اليأس المطلق، وقد فقدت أعداد كبيرة من معارضي النظام وظائفهم. والمسائل التي ناقشتها النساء في الغابة تزداد كآبة».

    وفي مايو، توفي السياسي المعارض، فيتولد أشوراك، في الحجز، بزعم إصابته بسكتة قلبية مفاجئة. ونشر المسؤولون مقطع فيديو يظهره مترنحاً قبل أن يسقط، وفي النهاية يرقد بلا حراك على الأرض.

    وحضر المئات من الناس جنازته، وردد الناس شعار المعارضة: «تحيا بيلاروسيا». وجاءت الوفاة التالية بعد وقت قصير، إذ سقط شاب يبلغ من العمر 18 عاماً، من شرفة شقته، في مينسك، بعد أن فتح المسؤولون قضية جنائية ضده بتهمة «الاضطرابات الجماعية». وفي أوائل يونيو، طعن الناشط، ستيبان لاتيبوف، نفسه في رقبته بقلم حبر جاف في المحكمة أثناء محاكمته. وكان يواجه تهماً جنائية مع أفراد أسرته وجيرانه الذين احتج معهم في فناء مقابل المبنى الذي يسكن فيه.

    جامعات مُراقبة

    تقول الناشطة أوليسيا (30 عاماً): «ليس رومان بروتاسيفيتش والمئات من السجناء السياسيين، هم فقط من أصبحوا رهائن لهذا النظام. نحن أيضاً». وبالعودة إلى أغسطس الماضي، تجرأت أولغا - المحاضرة الجامعية - على حضور اجتماع عقده سياسي محلي للحديث عن نتائج الانتخابات الرئاسية. وبعدها، تم تمديد عقدها في الجامعة لمدة عامين فقط، بدلاً من فترة خمسة أعوام العادية.

    وتقول أولغا إن السلطات تراقب الجامعات عن كثب وفيما إذا كان سلوك أعضاء هيئة التدريس «وطنياً» بدرجة كافية. وتقول إن الأساتذة يُطلب منهم تحذير الطلاب من غسل الدماغ المزعوم عبر «تلغرام»، تطبيق المراسلة الذي تفضله المعارضة، كما يطالبون بالتحدث عن مكافحة التطرف، ويشار إلى ذلك على أنه «تعليمات أيديولوجية».

    في بيلاروسيا، يعتبر كل من يعارض القيادة الحالية متطرفاً، بمن في ذلك المعارضة البارزة سفيتلانا تيكانوفسكايا. وتقول الناشطة السياسية، أولغا، إنه يتم إبلاغ السلطات بأولئك الذين ينتقدون، مضيفة أن «المُخبرين» موجودون في كل مكان، حتى داخل المجموعات الطلابية؛ موضحة «الجميع يعرف ذلك، والجميع خائفون وحذرون للغاية». وتبدو أولغا متعبة عندما تتحدث وتحدّق باستمرار في الأرض أمامها.

    كل من يشكك في فوز لوكاشينكو بمثابة هدف شرعي لعناصر الأمن. وتم اعتقال أكثر من 35 ألف شخص منذ أغسطس الماضي، وحكم على الآلاف بالسجن، إلى جانب الضرب المبرح والتعذيب، حتى إن بعضهم لقوا حتفهم بسبب سوء المعاملة.

    طباعة