العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    الدعم المشروط سيردع السياسات المتهورة (2-2)

    العلاقة الخاصة بين أميركا وإسرائيل عفا عليها الزمن وحان وقت إنهائها

    صورة

    سلّطت الأحداث الأخيرة التي وقعت في غزة، الضوء على العلاقات الأميركية - الإسرائيلية بشكل غير مسبوق، إذ بدأت الإدارة الأميركية تتبرم من تصرفات حليفها الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وسط حملة غير مسبوقة من الضغوط الداخلية، وبالذات من داخل الحزب الديمقراطي، إذ تتزايد المطالبات للرئيس الأميركي، جو بايدن، بضرورة أن تُحاسب إسرائيل على تصرفاتها، وأن تخضع للقوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

    وتجد الإدارة الأميركية نفسها في حرج وعجز عن الدفاع المستمر عن تصرفات إسرائيل، وبالذات ما يحدث في القدس الشرقية، من اقتحامات للمسجد الأقصى وضغوط لترحيل أهالي حي الشيخ جراح، وهو ما يلقى معارضة شديدة من المجتمع الدولي.

    وسنحاول من خلال هذا التحقيق المطوّل، لمجلة «فورين بوليسي» الأميركية، تسليط الضوء على المتغيرات التي طرأت على علاقة الحليفين، واحتمالات استمرارها بالقوة نفسها مستقبلاً، واستشراف ما إذا كانت إسرائيل لاتزال مهمة في الاستراتيجية الأميركية لمنطقة الشرق الأوسط، أم أن هذه الأهمية آخذة في التراجع يوماً بعد يوم، وهو ما يستدعي مراجعة للعلاقة، إلى أن تتحول إلى علاقة عادية بين دولتين صديقتين.


    في البداية، عارض بعض القادة الإسرائيليين فكرة غزو العراق عام 2003، وأرادوا من إدارة جورج بوش الابن التركيز على إيران بدلاً من ذلك، لكن بمجرد أن قرر بوش أن الإطاحة بالرئيس العراقي آنذاك، صدام حسين، ستكون الخطوة الأولى في برنامج أوسع لـ«التحول الإقليمي»، فإن كبار المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم بنيامين نتنياهو، ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود باراك، والرئيس الإسرائيلي الراحل، شمعون بيريز، دخلوا على الخط وساعدوا في ترويج الحرب للشعب الأميركي.

    وكتب باراك وبيريز حِججاً، أو ظهرا على وسائل الإعلام الأميركية لحشد الدعم للحرب، وذهب نتنياهو إلى الكونغرس لتمرير رسالة مماثلة إلى المشرعين، وعلى الرغم من أن الدراسات الاستقصائية أظهرت أن اليهود الأميركيين يميلون إلى أن يكونوا أقل دعماً للحرب من الجمهور ككل، إلا أن لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية (ايباك)، ومنظمات أخرى في اللوبي الإسرائيلي، ألقت بثقلها وراء المؤيدين للحرب أيضاً، والعلاقة الخاصة لم تتسبب في اندلاع الحرب، لكن العلاقات الوثيقة بين البلدين ساعدت في تمهيد الطريق.

    العلاقة الخاصة، والشعار المألوف بأن التزام الولايات المتحدة تجاه إسرائيل «لا يتزعزع»، جعلا أيضاً فكرة أن تكون مؤيداً لإسرائيل اختباراً أساسياً للخدمة في الحكومة الأميركية، وفي الوقت نفسه منعا عدداً من الأميركيين القادرين من الإسهام بمواهبهم وتفانيهم في الحياة العامة، وكونك داعماً بقوة لإسرائيل لا يشكل حاجزاً أمام تولي منصب رفيع في الحكومة، بل هو ميزة، لكن حتى الانتقاد بشكل معتدل يعني مشكلة فورية لأي شخص يجرؤ على ذلك.

    ويمنع هذا الوضع غير الصحي الإدارات الديمقراطية والجمهورية من السعي وراء أفضل المواهب، ويزيد من تضليل الخطاب العام الأميركي، ويتعلم أصحاب السياسة الطموحون بسرعة عدم قول ما يفكرون به حقاً بشأن القضايا المتعلقة بإسرائيل، وبدلاً من ذلك يرددون الأشياء المألوفة حتى عندما تتعارض مع الحقيقة.

    وعندما يندلع نزاع مثل العنف الأخير في غزة، يحاول المسؤولون العموميون والمتحدثون الإعلاميون، عدم قول أي شيء قد يوقعهم أو رؤساءهم في المشكلات، والخطر لا يكمن في الوقوع في كذبة، بل الخطر الحقيقي أنهم قد يقولون الحقيقة عن غير قصد، وكيف يمكن للمرء إجراء مناقشة صادقة حول الإخفاقات المتكررة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، عندما تكون العواقب المهنية لتحدي وجهة النظر التقليدية قاتمة؟

    حاجز الجهل

    من المؤكد أن الشقوق في العلاقة الخاصة بدأت تظهر، ومن السهل الحديث عن هذا الموضوع أكثر مما كان عليه من قبل، (بافتراض أنك لا تأمل الحصول على وظيفة في وزارتَي الخارجية أو الدفاع)، وقد ساعد أشخاص شجعان، مثل بيتر بينارت وناثان ثيرال، في اختراق حاجز الجهل الذي طال أمده.

    وقد غيّر بعض مؤيدي إسرائيل مواقفهم، وفي الأسبوع الماضي، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً يشرح بالتفصيل حقائق الصراع بطريقة تكاد تكون غير مسبوقة، والصور المبتذلة القديمة، حول «حل الدولتين» و«حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، تفقد قوتها الشديدة، وحتى بعض أعضاء مجلس الشيوخ والنواب، خففوا من دعمهم لإسرائيل، أخيراً، على الأقل بشكل خطابي، لكن السؤال الرئيس عما إذا كان هذا التغيير في الخطاب سيؤدي إلى تغيير حقيقي في سياسة الولايات المتحدة ومتى؟

    إن الدعوة إلى إنهاء العلاقة الخاصة لا تعني الدعوة إلى المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات، أو إنهاء كل الدعم الأميركي، بل دعوة إلى الولايات المتحدة لأن تكون لها علاقة طبيعية مع إسرائيل على غرار علاقات واشنطن مع معظم الدول الأخرى، ومع وجود علاقة طبيعية ستدعم أميركا إسرائيل عندما تفعل أشياء تتفق مع المصالح والقيم الأميركية، وتنأى بنفسها عندما تتصرف إسرائيل بطريقة أخرى، ولن تحمي الولايات المتحدة إسرائيل من الإدانة في مجلس الأمن، إلا عندما تستحق إسرائيل هذه الحماية بوضوح، ولن يمتنع المسؤولون الأميركيون عن الانتقاد المباشر والصريح لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي، وسيكون السياسيون والمحللون وصناع القرار الأميركيون أحراراً في انتقاد تصرفات إسرائيل أو الثناء عليها، كما يفعلون بشكل روتيني مع الدول الأخرى، من دون الخوف من فقدان وظائفهم أو الوقوع ضحية التشهير بدوافع السياسة.

    استمرار المصالح

    العلاقة الطبيعية ليست طلاقاً، وستستمر الولايات المتحدة في التجارة مع إسرائيل، وستظل الشركات الأميركية تتعاون مع نظيراتها الإسرائيلية في مختلف المجالات، وسيستمر الأميركيون في زيارة الأراضي المقدسة، وسيواصل الطلاب والأكاديميون من البلدين الدراسة والعمل في جامعات بعضهم، ويمكن أن تستمر الحكومتان في تبادل المعلومات الاستخباراتية حول بعض القضايا، والتشاور بشكل متكرر حول مجموعة من موضوعات السياسة الخارجية، ولايزال بإمكان واشنطن أن تقف على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة لإسرائيل، إذا كان بقاؤها في خطر، كما هي الحال بالنسبة لدول أخرى، وستظل أميركا أيضاً تعارض بشدة معاداة السامية الحقيقية في العالم العربي، وفي دول أجنبية أخرى، وفي ساحتها الخلفية، ويمكن لعلاقة أكثر طبيعية أن تفيد إسرائيل أيضاً.

    سمح الدعم الأميركي المفتوح لإسرائيل، لفترة طويلة، باتباع سياسات وضعت مستقبلها على المدى الطويل في شك أكبر، ويأتي على رأسها المشروع الاستيطاني نفسه، والرغبة غير الخفية في إنشاء «إسرائيل الكبرى»، التي تضم الضفة الغربية وتحصر الفلسطينيين في أرخبيل من الجيوب المعزولة، لكن يمكن أن نضيف إلى القائمة غزو لبنان عام 1982، الذي أنتج «حزب الله»، والجهود الإسرائيلية السابقة لتعزيز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من أجل إضعاف حركة «فتح»، والهجوم المميت على سفينة الإغاثة «مافي مرمرة»، قرابة ساحل غزة، في مايو 2010، والحرب الجوية الوحشية ضد لبنان في عام 2006، التي جعلت «حزب الله» أكثر شعبية، إضافة إلى الاعتداءات السابقة على غزة، في أعوام 2008 و2009 و2012 و2014.

    وعدم رغبة الولايات المتحدة في جعل المساعدات مشروطة بمنح إسرائيل دولة قابلة للحياة للفلسطينيين، ساعد في تدمير عملية أوسلو للسلام، ما أدى إلى تبديد أفضل فرصة لحل الدولتين الحقيقي، ووجود علاقة طبيعية أكثر، يكون فيها دعم أميركي مشروط وليس تلقائياً، من شأنه أن يجبر الإسرائيليين على إعادة النظر في مسارهم الحالي، وبذل المزيد لتحقيق سلام حقيقي ودائم.

    وعلى وجه الخصوص، سيتعين عليهم إعادة التفكير في الاعتقاد بأن الفلسطينيين سيختفون ببساطة، وبدء التفكير في الحلول التي من شأنها ضمان الحقوق السياسية لليهود والعرب على حد سواء، والنهج القائم على الحقوق ليس الدواء الشافي، وسيواجه العديد من العقبات، لكنه سيكون متناسقاً مع القيم المعلنة للولايات المتحدة، ويوفر المزيد من الأمل للمستقبل، أفضل مما تفعله إسرائيل والولايات المتحدة اليوم، والأهم من ذلك كله سيتعين على إسرائيل أن تبدأ في تفكيك نظام الفصل العنصري، الذي أنشأته على مدى العقود الماضية، لأنه حتى أميركا ستجد صعوبة متزايدة في الحفاظ على علاقة طبيعية إذا ظل هذا النظام كما هو، ولا يشير أي من هذه المواقف إلى أدنى موافقة على نهج أو دعم لـ«حماس»، التي تعد مذنبة بارتكاب جرائم حرب في القتال الأخير.

    هل نتوقع التغييرات في أي وقت قريب

    لا، على الرغم من أن العلاقة الطبيعية مع إسرائيل، على غرار تلك التي تربط الولايات المتحدة بجميع دول العالم تقريباً، لا ينبغي أن تكون فكرة مثيرة للجدل بشكل خاص، إلا أنه لاتزال هناك مجموعات مصالح قوية تدافع عن العلاقة الخاصة، والكثير من السياسيين عالقون مع وجهة نظر عفا عليها الزمن، ومع ذلك قد يكون التغيير وشيكاً وأكثر احتمالاً مما قد يعتقده البعض، وهذا هو السبب في أن المدافعين عن الوضع الراهن يسارعون في تشويه وتهميش أي شخص يقترح بدائل.

    وأستطيع أن أتذكر متى كان بالإمكان التدخين على متن الطائرات، وعندما حكمت موسكو أوروبا الشرقية بقبضة من حديد، وعندما اعتقد القليل من الناس أن من الغريب أن ترى النساء، أو الأشخاص الملونين في مجالس الإدارات، أو في الكليات أو في المناصب العامة. وبمجرد أن تصبح المناقشة العامة لموضوع ما أكثر انفتاحاً وصدقاً، يمكن أن تتغير المواقف التي عفا عليها الزمن بسرعة مدهشة، وما كان يوماً ما لا يمكن تصوره يمكن أن يصبح ممكناً وطبيعياً.

    • عدم رغبة الولايات المتحدة في جعل المساعدات مشروطة بمنح إسرائيل دولة قابلة للحياة للفلسطينيين، ساعد في تدمير عملية أوسلو للسلام، ما أدى إلى تبديد أفضل فرصة لحل الدولتين الحقيقي.

    • العلاقة الخاصة، والشعار المألوف بأن التزام أميركا تجاه إسرائيل «لا يتزعزع»، جعلا فكرة أن تكون مؤيداً لإسرائيل اختباراً أساسياً للخدمة في الحكومة الأميركية.

    • يمنع الوضع غير الصحي للعلاقة مع تل أبيب، الإدارات الأميركية من السعي وراء أفضل المواهب، ويزيد من تضليل الخطاب العام الأميركي، ويتعلم الساسة الطموحون بسرعة عدم قول ما يفكرون فيه بشأن القضايا المتعلقة بإسرائيل.

    • غيّر بعض مؤيدي إسرائيل مواقفهم، ونشرت «نيويورك تايمز» مقالاً يشرح بالتفصيل حقائق الصراع بطريقة تكاد تكون غير مسبوقة، والصور المبتذلة القديمة، حول «حل الدولتين» و«حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، تفقد قوتها الشديدة.

    طباعة