الحلقة الحالية من الصراع قد تكون الأسوأ

الأمور لن تعود إلى طبيعتها بعد انتهاء موجة العنف الحالية في إسرائيل وغزة

صورة

يبدو أن العنف الذي يهز الشرق الأوسط، حالياً، بما في ذلك الضربات الجوية الإسرائيلية على غزة، وهجمات حركة «حماس» الصاروخية على إسرائيل؛ يسير بالطريقة نفسها كل مرة، كما لو كان في دورة تكرار مروعة. وقد رأينا ذلك في عام 2008، وشاهدناه مرة أخرى في عام 2014، وكان العنصر المألوف هو عدد القتلى غير المتكافئ، فالقتلى على الجانب الفلسطيني يفوق عدد القتلى الإسرائيليين، إضافة إلى صور المباني التي تمت تسويتها بالأرض، ودموع على فقد الأحبة. وكل جانب يردد النقاط نفسها من جانبه، ويصر على أن آلامه فقط هي التي تؤخذ في الحسبان، في حين لا يعير اهتماماً لخسائر الآخر، وعادة ما تسير الأمور على هذا النحو.

وتصاعد العنف، وانتقلت إسرائيل من الضربات الجوية إلى نيران المدفعية، ثم إلى نوع من العمليات على الأرض. ويبدو أن إسرائيل تتحرك بشكل أسرع هذه المرة. ويرتفع عدد القتلى حتى يتم التوصل في نهاية المطاف إلى وقف لإطلاق النار بوساطة الولايات المتحدة ومصر. وبعودة هادئة تجد حركة «حماس» نفسها مقتنعة بأنها أكدت نفسها مرة أخرى على أنها الوكيل الرئيس للمقاومة الفلسطينية، بينما إسرائيل مقتنعة بدورها بأنها أدت المهمة، وقلصت قدرة «حماس» العسكرية.

وتعود الأمور إلى سابق عهدها حتى المرة المقبلة، وهذا النمط فظيع، لأن اندلاع العنف هو الأكثر وضوحاً، مع المعاناة والدمار الذي يسببه في كل مرة، ومع ذلك سيكون هناك عودة إلى الوضع الراهن، وهذا أمر مروع أيضاً، لأنه ببساطة يسمح لجرح هذا الصراع بالتفاقم حتى ينفتح مرة أخرى بشكل أكثر دموية. وإذا كنت تبحث عن دليل على أن النمط قد يكون مختلفاً هذه المرة، فهناك علامة غير مُشجعة تماماً، وهذه العلامة تشير إلى أن الحلقة الحالية قد تكون الأسوأ؛ ذلك أن الحرب بين الإسرائيليين والفلسطينيين وجدت جبهة جديدة، ليس في الأراضي المحتلة، ولكن داخل إسرائيل نفسها.

معركة مختلفة

وهذا ما يميز عام 2021 عن 2014 أو 2008، فالأمر يتعلق بالعنف الطائفي في المدن المختلطة في إسرائيل، بين المواطنين اليهود والعرب، ضد بعضهم بعضاً في الشوارع، حيث عاشوا جنباً إلى جنب لعقود، وهذا العنف مقلق لأنه بات بين الجيران، وبالفعل كانت هناك محاولة لقتل رجل عربي في بات يام، تم إخراجه من سيارته ليُضرب ويُركل، كما تم إحراق ما لا يقل عن خمسة معابد يهودية في اللد.

لقد صدمت تلك المشاهد العديد من الإسرائيليين اليهود الذين قالوا لأنفسهم منذ فترة طويلة، إن مواطنيهم العرب ليسوا مثل الفلسطينيين الآخرين، وإنهم لا يتمتعون بالإحساس العميق نفسه بالهوية الوطنية، وإن هدفهم الأساسي هو التمتع بالتكافؤ الاقتصادي مع 80٪ من مواطنيهم اليهود. ويبدو أن إراقة الدماء الحالية تحطم هذا الوهم، ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك مفاجأة.

لسبب واحد، كما يلاحظ المحلل والمفاوض السابق حسين الأغا، فإن عرب إسرائيل «فلسطينيو 1948»، يميلون بشكل متزايد إلى «حمل راية القومية الفلسطينية التقليدية». ويرى الأغا أنه بينما تتواجد السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، لا يمكن لسكان غزة التحرك دون أن يصطدموا بـ«جدار حركة (حماس) والجهاد الإسلامي»، بينما الشتات الفلسطيني في سورية والأردن ولبنان مشغولون جداً بتدبير أمورهم، وهذا يترك العرب داخل إسرائيل وحدهم.

إلى جانب ذلك، كيف توقع اليهود الإسرائيليون بالضبط أن يتفاعل المواطنون العرب ومعظمهم من المسلمين مع التحركات في القدس وأماكنها المقدسة التي أثارت الأزمة الأخيرة؟ ما الذي اعتقدوا أنه سيحدث بالنظر إلى إقرار (رئيس الوزراء الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو في عام 2018 «قانون الدولة القومية»، الذي نص على أن اليهود فقط هم من لهم الحق في تقرير المصير في إسرائيل، والذي جرد اللغة العربية من مكانتها الرسمية؟ ومع ذلك فإن الانجذاب للعودة إلى الوضع الراهن سيكون قوياً.

يمكن رؤية ذلك في رغبة الرئيس الأميركي جو بايدن شديدة الوضوح في قول الحد الأدنى، والعودة إلى بقية جدول أعماله. ومع المحاولات الأميركية السابقة للتوسط في اتفاق سلام فلسطيني - إسرائيلي، من الواضح لماذا يريد بايدن الابتعاد، وذلك لأن العملية ثقب أسود يمتص كميات هائلة من الطاقة، كل ذلك من أجل لا شيء.

ويشير الأغا إلى أن القيادة الفلسطينية في رام الله «مدمنة» بالمثل على الوضع الراهن، وهم أيضاً خلصوا إلى أنه لا يوجد حل للنزاع، وهكذا فإن هذا يناسب الإعداد الحالي تماماً، ما يسمح لهم «بالعمل كمجموعة ذات امتيازات»، ويمنحهم وضعاً مميزاً في نظر الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهذا النمط من التفكير والعمل يناسب بالتأكيد نتنياهو، ويكفي أن ننظر لطريقة عمله هذا الأسبوع لنتأكد من الحقيقة بلا مواربة.

عنف دوري

قبل أيام فقط كان نتنياهو على وشك خسارة السلطة أمام ائتلاف معارض يدعمه حزبان عربيان، وكان يمكن أن تكون لحظة اندماج المواطنين الفلسطينيين في الحياة الإسرائيلية، ولكن بمجرد أن بدأت الصواريخ في السقوط على المدن الإسرائيلية، بدا هذا الاحتمال ميتاً. ولا يحتاج أحد إلى القول بصوت عالٍ إنه لا يعتبر العرب شركاء شرعيين في الحكومة، ويمكنهم ببساطة أن يجادلوا بأن الأزمة الوطنية لا تسمح بتغيير القيادة.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها «حماس» خدمة لنتنياهو، ولكن ليس قادة إسرائيل فقط هم الذين اعتادوا على الوضع الراهن، وقد تعلم الإسرائيليون أنفسهم التعايش مع هذا العنف الدوري، بما في ذلك رعب الصواريخ التي تسقط من السماء، كثمن يدفعونه لفترات طويلة من الهدوء، عندما يتمكنون من إخراج الصراع من أذهانهم. وهذه الدولة الناشئة ذات تقنية عالية، تقود العالم في التلقيح، وتحتفل بنجاح حملتها. ومن السهل أن ينسى الإسرائيليون الضفة الغربية بنظاميها القانونيين: أحدهما لليهود والآخر للفلسطينيين. ومن السهل أيضاً نسيان قطاع غزة بعد 14 عاماً من الإغلاق والحصار الإسرائيلي، أو حي الشيخ جراح في القدس الشرقية وما يحدث فيه.

ومن السهل نسيان 54 عاماً من الاحتلال. والأشخاص الوحيدون الذين لا يستطيعون النسيان هم أولئك الذين يعيشون معه كل يوم، وبالنسبة إليهم الوضع الراهن لا يُطاق، إنهم الفلسطينيون العاديون، وإذا تم عكس الأدوار فلن يتمكن اليهود الإسرائيليون من تحملها أيضاً؛ ولهذا السبب تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك عن حقيقة عميقة، عندما قال إنه لو ولد فلسطينياً لم يكن يشك في أنه كان سيصبح مقاتلاً.

أريد بشدة أن ينتهي العنف الحالي، وأتوق إلى وقف إطلاق النار، ولكن لا يمكنني أن أتمنى أن تعود الأمور إلى طبيعتها؛ لأن «الطبيعي» هو ما أوصلنا إلى هنا، وما يستمر في إعادتنا إلى النقطة نفسها مراراً.

• قبل أيام فقط كان نتنياهو على وشك خسارة السلطة أمام ائتلاف معارض يدعمه حزبان عربيان، وكان يمكن أن تكون لحظة اندماج المواطنين الفلسطينيين في الحياة الإسرائيلية، لكن بمجرد أن بدأت الصواريخ في السقوط على المدن الإسرائيلية، بدا هذا الاحتمال ميتاً.

• الأشخاص الوحيدون الذين لا يستطيعون نسيان الاحتلال هم أولئك الذين يعيشون معه كل يوم، وبالنسبة إليهم الوضع الراهن لا يُطاق، إنهم الفلسطينيون العاديون، وإذا تم عكس الأدوار فلن يتمكن اليهود الإسرائيليون من تحملها أيضاً.

جوناثان فريدلاند - كاتب عمود في صحيفة «الغارديان»

طباعة