لأنه ليس هناك ما يستحق في كوريا المخاطرة بالمدن الأميركية

بايدن يجب أن يترك كوريا الشمالية إذا أراد نهجـــاً براغماتيــاً إزاءها

صورة

أنهت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، مراجعتها لسياستها المتعلقة بكوريا الشمالية، وكانت النتيجة منطقية على نحو مدهش، وقال أحد كبار المسؤولين في الإدارة، رفض الكشف عن اسمه، لصحيفة «واشنطن بوست»: «نحن لا نسعى إلى صفقة كبيرة، أو إلى نهج يقدم لنا كل شيء، أو لا شيء»، وهو النهج الذي أدى إلى فشل جهود الرئيس السابق، دونالد ترامب، في الدبلوماسية الشخصية، وأضاف المسؤول: «ما توصلنا إليه هو أننا نفكر في نهج عملي ومحسوب بدقة للدبلوماسية مع كوريا الشمالية، بهدف التخلص من تهديداتها للولايات المتحدة».

ومن الإنصاف أن نتمنى النجاح للإدارة في جهودها، لكن من المرجح أن ينجح مسؤولو إدارة بايدن، إذا تمكنوا من تشخيص المشكلة بصورة دقيقة. وعلى الرغم من أنه من الشائع الحديث عن تهديدات كوريا الشمالية لأميركا، لكن السؤال المطروح: ما مدى خطورة هذا التهديد؟

عقلانية

وعلى الرغم من أن قادة كوريا الشمالية يوصفون عادة بأنهم مجموعة من المجانين، وأنهم مستعدون لشنّ هجوم انتحاري ضد الولايات المتحدة، إلا أن كيم يونغ إيل، والد الرئيس الحالي كيم يونغ أون، كان ينظر إلى الأمور بنظارته الكبيرة بتعقل، ومن المعروف أن حكام كوريا الشمالية من عائلة كيم الثلاثة تصرفوا بعقلانية، ولعبوا دوراً مهماً في تحويل دولة صغيرة وفقيرة ومنعزلة إلى قضية عالمية.

وعلى الرغم من أن مؤسس الدولة، كيم إيل سونغ، شنّ حرباً قوية، إلا أنه فعل ذلك فقط عندما شعر بأنه قادر على كسبها، وذلك بعد أن نال دعم الاتحاد السوفييتي والصين. وكيم يونغ إيل قام بتحريضات عسكرية كبيرة عام 2010، لكنه أظهر مهارة وبراعة في التوقف قبل أن يأتيه الرد العسكري من كوريا الجنوبية، وتميز بتفكيره الليبرالي، لكنه كان يمتلك تهديداً عسكرياًً، وعمل على تطوير القدرات الصاروخية لكوريا الشمالية، لكنه تجنب بدء صراع لا يستطيع الفوز فيه. وتبدو «جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية»، حالة تقليدية لعرض تأثير قوة الردع، ولذلك مع الافتراض أن قيادة جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية عقلانية، لكنها شريرة أيضاً، لكن ماذا أيضاً؟

ولم يخطط كيم يونغ أون لإطلاق صواريخ نووية على أميركا، ولم يخطط ذلك حتى قبل «قصة حبه» مع الرئيس السابق، دونالد ترامب، ولن يقوم بذلك مستقبلاً حتى لو حصل على كل الأسلحة التي يريدها، ولم تظهر على كيم أي مؤشرات إلى أنه يريد مغادرة هذا العالم وسط محرقة من الأشعة النووية في بيونغ يانغ.

ومثل آبائه، أطلق كيم يونغ أون الكثير من التهديدات ضد الولايات المتحدة، لكن ليس لأنه كان يريد ضرب أميركا الشمالية. وفي حقيقة الأمر هو لم يظهر أي اهتمام بتهديد الدول الأخرى، كما أنه لا هو ولا سلفه وعدا بتحويل مدن كبرى إلى «بحار من النار» في الصين، وروسيا والهند، أو أوروبا وإفريقيا، وأميركا الجنوبية، وكندا وكوبا وأستراليا، وأماكن أخرى، ولا يُمضي سكان هذه الدول حياتهم مختبئين في الملاجئ الحربية، خوفاً من وصول جيش كوريا الشمالية المنتصر بعد قصف نووي.

السؤال الأساسي

لكن السؤال الأساسي: ما سبب تركيز كوريا الشمالية على الولايات المتحدة؟ لم تتحالف أي من الدول الأخرى مع العدو الأكبر لكوريا الشمالية، وهو النظام «الدمية» في سيؤول، ولم تنشر أي من هذه الدول جيشها على طول الحدود مع كوريا الشمالية وتهددها بالحرب، ولم تحاول أيّ منها تغيير النظام في كوريا الشمالية، ولم تهدد أيّ من هذه الدول بالقضاء على عائلة كيم، وبناء على كل ما سبق فإن أسهل طريقة للتعامل مع «تهديد الولايات المتحدة» هو وقف تهديد بيونغ يانغ.

وبالتأكيد، فإن كوريا الشمالية نظام مرعب لديه سجل فظيع في ما يفعله لشعبه، والتهديدات التي يوجهها إلى كوريا الجنوبية، وهو الأمر الذي حمل تداعيات جيوسياسية خلال الحرب الباردة، ودفع الولايات المتحدة إلى التدخل، لكن هذه الظروف تغيرت الآن.

وعلى الرغم من أن الكوريتين تعملان على تهديد بعضهما حالياً، وهذه أخبار سيئة بالطبع، إلا أنها لا تستدعي تدخل الولايات المتحدة، ولنتخيل أن باكستان والهند تتقاتلان مرة أخرى، فستكون النتيجة كارثة جيوسياسية، تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتشكّل أزمة إنسانية، لكنها لن تؤدي إلى تغير التوازن الدولي للقوى بين قوتين عظميين متنازعتين، ولن تدفع أي شخص في الولايات المتحدة إلى التدخل عسكرياً وتشكيل حلف أمني وإنشاء خطوط مواجهة للقوات، كما هي الحال بين الكوريتين.

وبناء عليه إذا أرادت الإدارة الأميركية نزع فتيل «تهديدات» كوريا الشمالية، لماذا لا تتخلى عن الضمان الأمني في شبه الجزيرة الكورية وتعيد جنودها إلى الوطن؟

وفي هذه الأيام، تتفوق كوريا الجنوبية على كوريا الشمالية في كل شيء، حيث يبلغ حجم إجمالي ناتجها المحلي 50 ضعف إجمالي الناتج المحلي لكوريا الشمالية، وتعداد سكانها ضعفا سكان كوريا الشمالية، وعلى الرغم من أن القوات المسلحة في كوريا الجنوبية أصغر حجماً، إلا أنها أكثر تفوقاً من الناحية التكنولوجية، ويمكن زيادة حجمها عند الضرورة.

وبالطبع، يقال إن الوضع سيكون مرعباً عند إزالة قوة الردع الأميركية، لكن ذلك ليس أكثر رعباً من أي وقت مضى خلال الـ86 عاماً الماضية، وإذا واجهت الولايات المتحدة تهديداً غير ضروري فإن الرد المعقول هو التخلص منه، وليس في خلق الأعذار من أجل التعامل معه باعتباره الوضع الطبيعي الجديد.

تقويض الصدقية

وثمة رأي يقول إن انسحاب القوات الأميركية من شبه الجزيرة الكورية يمكن أن يقوض صدقية الولايات المتحدة في أماكن أخرى، ويشجع أعداءها على التحرك ضدها، لكن هذا الرأي، وإن تكرر في أكثر من مكان، إلا أنه غير صحيح، لأنه يفترض أنه لا يمكن لأي سياسة أن تتغير مطلقاً تحت أي ظروف، وهو موقف غير معقول، إذ إن التحركات يجب أن تكون انعكاسا للمصالح، وكل قوة عظمى، بما فيها منافسو الولايات المتحدة، تعدّل سياستها عندما تتغير الظروف، وهذه العملية الثابتة، المتمثلة في إعادة تقييم المصالح وتغيير الموارد، لم تتسبب في كوارث عالمية لا تنتهي.

وعلى سبيل المثال، تعرضت واشنطن عام 1975 إلى خروج مهين من فيتنام، ولا ننسى منظر إجلاء السفارة عن سطحها بوساطة المروحيات، ومع ذلك لم يحدث أي شيء. ولم يعمد الاتحاد السوفييتي إلى غزو أوروبا والشرق الأوسط، ولم تستولِ الصين على تايوان أو اليابان، ولم تهاجم كوريا الشمالية جارتها الجنوبية، ولم تَسُدْ الشيوعية في شتى أنحاء العالم.

بل على العكس، فبعد 70 عاماً من تأسيس الاتحاد السوفييتي تعرض للانهيار، وأصبحت أنظمة أوروبا الشرقية الشيوعية في ذاكرة التاريخ، واختفى حلف وارسو، وانتشرت إصلاحات السوق بصورة متطورة في شتى أنحاء العالم، واستبدلت جمهورية الصين الشعبية كارل ماركس بالاقتصادي الأميركي ميلتون فريدمان، وتسير وفق تعليماته ونظرياته، واتجهت الولايات المتحدة وجمهورية فيتنام الاشتراكية نحو إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما.

وتعمل كوريا الشمالية على تهديد أميركا فقط بالقدر الذي تبدو فيه الولايات المتحدة مستعدة للتدخل في جولة أخرى من الحرب الأهلية الكورية، وربما بدا ثمن ذلك متواضعاً في الماضي، على الرغم من الكلفة التقليدية الكارثية للحرب الكورية، لكن تطوير كوريا الشمالية للأسلحة النووية يغير الحسابات الجيوسياسية بصورة مثيرة، إذ إن قدرة بيونغ يانغ الوشيكة على ضرب الأراضي الأميركية، إضافة إلى جزر تملكها في المحيط الهادي، بالأسلحة النووية، يجعل من الضروري للولايات المتحدة للخروج من المأزق الكوري، ولا يوجد أي شيء مهم جداً في شبه الجزيرة الكورية يستحق المخاطرة بالمدن الأميركية وبملايين الأرواح. وفي الحقيقة فإن إدارة بايدن على حق في السعي للتفاوض مع كوريا الشمالية، خصوصاً من أجل لجم الطموحات النووية لكوريا الشمالية على الأقل. لكن مشاركة أميركا مسألة خيار بصورة أساسية، ومن الأفضل لواشنطن بدء عملية الخروج عسكرياً، وترك مسؤولية التعامل مع كوريا الشمالية إلى كوريا الجنوبية. ويظل الالتزام الأكثر أهمية بالنسبة لهذه الإدارة، والإدارات التي ستخلفها، هو الشعب الأميركي، وهو الأمر الذي يتطلب إنهاء التهديد النووي لكوريا الشمالية عن طريق تسليم مهمة الدفاع عن كوريا الجنوبية في نهاية المطاف إلى سيؤول.

• لم يخطط كيم يونغ أون لإطلاق صواريخ نووية على أميركا، ولم يخطط ذلك حتى قبل «قصة حبه» مع الرئيس السابق، دونالد ترامب، ولن يقوم بذلك مستقبلاً حتى لو حصل على كل الأسلحة التي يريدها، ولم تظهر عن كيم أي مؤشرات إلى أنه يريد مغادرة هذا العالم وسط محرقة من الأشعة النووية في بيونغ يانغ.

دو غباندو - مساعد خاص للرئيس رونالد ريغان وخبير في معهد كاتو للأبحاث السياسية

طباعة