كاد أن يفضي إلى مواجهة مسلحة

نزاع حقوق الصيد بين بريطانيا وفرنسا يعني أن «بريكست» بدأ عملياً

صورة

النزاع الأخير بين المملكة المتحدة وفرنسا بشأن حقوق الصيد حول جزيرة جيرسي، والذي كاد أن يفضي إلى نزاع مسلح بينهما، يشير إلى أن بريطانيا تحتاج إلى طريقة حكيمة للتعاون مع أقرب جيرانها دون اللجوء إلى دبلوماسية الزوارق الحربية.

عندما أنهت المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي اتفاقهما التجاري في ديسمبر الماضي، وفقاً لمقتضيات خروج بريطانيا من الاتحاد (بريكست)، اعتقد رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، أنه قد أوفى بتعهده بـ«إنهاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». ولكن أحداث الأسبوع بين بريطانيا وفرنسا بشأن حقوق الصيد، أثبتت أن العملية لم تنتهِ بعد، فسرعان ما تحول الجدال مع فرنسا بشأن حقوق الصيد حول جزيرة جيرسي إلى تهديدات وحصار، واضطرت الحكومة البريطانية الى إرسال قوات بحرية إلى هناك.

تفسيرات متباينة

الخلاف الحالي تسببت فيه تفسيرات مختلفة لجزء واحد من اتفاقية التجارة والتعاون، وهي الصفقة التجارية التي تحكم الآن العلاقات الاقتصادية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. وفي حين أن جزيرة جيرسي ليست جزءاً من المملكة المتحدة، ولم تكن أبداً داخل الاتحاد الأوروبي، فقد حلت اتفاقية التجارة والتعاون محل اتفاقية «باي أوف غرانفيل»، التي كانت تحكم حقوق الصيد في مياه جيرسي.

وتتطلب الاتفاقية الجديدة أن تحصل أي سفينة تابعة للاتحاد الأوروبي تقوم بالصيد في مياه جيرسي على ترخيص جديد من حكومة جيرسي. ويتم إصدار هذه التراخيص وفقاً لمقدار ما قامت به السفينة من أنشطة صيد في مياه جيرسي بين فبراير 2017 ويناير 2020. وبعد الاتفاق على ترتيب انتقالي في يناير خلال صياغة النظام الجديد، بدأ إصدار هذه التراخيص الجديدة من قبل جيرسي في نهاية أبريل.

وكانت الاستجابة الفرنسية لتراخيص جيرسي الجديدة غاضبة. وجادل الفرنسيون بأن الترتيبات الجديدة غير عادلة، وأن التراخيص تأتي بشروط صارمة تحد من عدد الأيام التي يمكن للسفينة العمل فيها في مياه جيرسي، أو نوع الأسماك التي يمكنها صيدها. قبل أيام، تجمعت قوارب الصيد الفرنسية في ميناء سانت هيلير في جيرسي احتجاجاً على ترتيبات الترخيص. وتصاعد الموقف أكثر عندما أرسلت الحكومة البريطانية سفناً دورية تابعة للبحرية الملكية إلى المنطقة لمراقبة الاحتجاجات، وسط تهديدات من فرنسا بأنها قد تقطع إمدادات الكهرباء عن جيرسي.

وفي النهاية، يجب أن نتوقع حل هذا الوضع دبلوماسياً في وقت قريب، لكن المواجهة تشير إلى تحدٍّ أوسع للمملكة المتحدة وعلاقتها مع الاتحاد الأوروبي وجيرانها الأوروبيين بعد خروجها من الاتحاد الاوروبي. وحددت اتفاقية الانسحاب، واتفاقية التجارة الحرة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، إطاراً لعلاقة المملكة المتحدة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي، ولكن في كثير من النواحي تترك هذه المعاهدات الأمور الحاسمة غامضة وغير مستقرة.

3 أمثلة لأمور تثير الجدل

أولاً، في ما يتعلق بالصيد، تحدد اتفاقية التجارة الحرة كيفية إدارة الوصول المتبادل إلى المياه وتقاسم الأرصدة السمكية «لفترة قابلة للتعديل» مدتها خمس سنوات ونصف السنة. ولكن بعد نهاية هذه الفترة، في عام 2026، من المفترض استئناف المفاوضات بين الجانبين بشأن الوصول المستقبلي على أساس سنوي، ومن المتوقع أن تدفع المملكة المتحدة لكي تحصل على حصص أكبر. ونتيجة لذلك، تثير الصفقة جدلاً كبيراً حول حقوق الصيد في هذه المنطقة، ما يزيد من احتمالية اندلاع المزيد من الاضطرابات في المستقبل.

ثانياً، أثار البروتوكول الذي يهدف إلى منع اغلاق الحدود كلياً مع جزيرة إيرلندا، سلسلة من التحديات الرئيسة للتجارة داخل المملكة المتحدة. وعانت شركات الأغذية والمشروبات على وجه الخصوص بسبب كلفة التراخيص الجديدة، وفحوص صحة النبات والحيوان، للسلع التي تنتقل من بريطانيا العظمى إلى إيرلندا الشمالية.

وبالنظر إلى تداعيات الاستقرار السياسي في إيرلندا الشمالية، فمن الواضح أن التنفيذ الصحيح للبروتوكول سيتطلب القدر نفسه من العناية والاهتمام مثل المفاوضات الأصلية. ومع ذلك، مع بدء الاتحاد الأوروبي إجراءات التعامل مع قرار المملكة المتحدة تمديد «فترة السماح» من جانب واحد لإعفاء الشيكات على السلع الغذائية الزراعية الخاصة بالسوبر ماركت إلى إيرلندا الشمالية، فإن احتمالات التوصل إلى حل سريع تبدو ضئيلة للغاية.

أخيراً، في ما يتعلق بالمسألة الحاسمة المتمثلة في «تكافؤ الفرص»، اتفقت المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي على مجموعة معقدة من الأحكام التي يبدو أنها ستكون موضوع نزاع مستقبلي. وتتمثل فكرة تكافؤ الفرص في ضمان عدم حصول المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي على ميزة تنافسية غير عادلة، لأن اللوائح الخاصة بهما في هذا الصدد قد اختلفت بعد خروج بريطانيا. ويتضمن الاتفاق بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي التزامات بشأن التمسك بالمعايير المتعلقة بالبيئة، والمناخ وحقوق العمال، بالإضافة إلى قواعد مراقبة الدعم.

مراقبة

إذا قررت المملكة المتحدة، أو عندما تقرر التوقف عن اتباع نهج الاتحاد الأوروبي تجاه هذه المعايير، فستراقب المفوضية الوضع بعناية لضمان عدم حدوث انتهاك لشروط اتفاقية التجارة. وكلما خططت المملكة المتحدة للابتعاد عن النموذج التنظيمي للاتحاد الأوروبي، زاد احتمال حدوث سلسلة من النزاعات القانونية المطولة حول التأثيرات على التجارة والمنافسة.

وبالتالي، فإن أحداث هذا الأسبوع تسلط الضوء على أن عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد بدأت للتو في كثير من النواحي. وبعد كل شيء، فإن إلغاء العلاقات التجارية والتنسيق التنظيمي الذي استمر لعقود من الزمن لن يتم أبداً بين عشية وضحاها.

• حان الوقت لطي صفحة نزاعات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والكف عن تأجيج التوترات مع الاتحاد الأوروبي وأعضائه بالتهديدات المستترة أو أعمال التحدي.

مارلي مويس - المدير المساعد للهجرة والتجارة والمجتمعات في معهد أبحاث السياسة العامة

طباعة