الحرب الأخيرة عقّدت العلاقات أكثر

المصالحة بين تركيا وأرمينيا باتت أبعد من أيّ وقت مضى

صورة

الماضي والحاضر يسكنان العلاقات بين تركيا وأرمينيا. وبينما تعرّض الأرمن للقتل، على أيدي القوات العثمانية، قبل نحو 100 عام؛ ساعدت تركيا أذربيجان في هزيمة أرمينيا، في حرب قصيرة، انتهت قبل أشهر. ومنذ عقود، تم إغلاق الحدود بين الجارتين، لكن في ديسمبر الماضي، أعرب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن أمله في «حقبة جديدة» في العلاقات التركية الأرمينية. إلّا أن العرض العسكري في باكو للاحتفال بالنصر على أرمينيا، لم يخدم هذا الغرض. وباستخدام الأسلحة التركية، استعادت القوات الأذربيجانية أجزاء من ناغورني قره باغ، وهي منطقة مأهولة ويسيطر عليها الأرمن، إضافة إلى المناطق المجاورة التي احتلتها أرمينيا، لثلاثة عقود.

ومرت وحدات الجيش أمام أردوغان والرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، وتم عرض حطام الدبابات الأرمينية، وكذلك الطائرات التركية بدون طيار التي قصفتها. وألمح أردوغان إلى أن أرمينيا ربما تكون قد تعلمت درساً من هزيمتها، وأعلن لاحقاً أن تركيا قد تفتح حدودها مع أرمينيا؛ ولم يحدث شيء من هذا القبيل. وعلى العكس من ذلك، زاد التوتر مرة أخرى، في 24 أبريل، عندما أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن رسمياً أن قتل وترحيل أكثر من مليون أرمني على يد القوات العثمانية في 1915-1917، كان بمثابة إبادة جماعية.

غضب أنقرة

ويتّفق معظم المؤرخين مع بايدن، لكن الرؤساء الأميركيين السابقين تجنبوا عادة قول ذلك لتجنب إغضاب أنقرة، التي تنفي بشدة أن عمليات القتل كانت واسعة النطاق أو منهجية، كما تشير الأدلة. ووصفت وزارة الخارجية التركية بيان بايدن بأنه «تشويه مبتذل للتاريخ». وقد لا تعاني علاقات تركيا مع أميركا كثيراً. ومع وجود عملتها على المحك، لا تستطيع تركيا تحمل أزمة أخرى مع حليفها في حلف الناتو. ولكن المسؤولين الأتراك يشيرون إلى أن عرض بلادهم بالانفراج مع أرمينيا قد لا يستمر. ويقول مستشار أردوغان، إيلنور سيفيك، إن نهاية حرب ناغورني قره باغ أزالت العقبات أمام المصالحة. (أيدت تركيا مطالب أذربيجان الإقليمية، وترى الآن أنها قد استقرت إلى حد ما). ومع ذلك، يقول: «إذا استمر الأرمن في معاداة تركيا، وإجبار الأميركيين على الاعتراف بالإبادة الجماعية، فلن يفيد ذلك شيئاً».

تخفيف التوترات

وأغلقت تركيا حدودها مع أرمينيا عام 1993 تضامناً مع أذربيجان. وقال رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، لصحيفة «الإيكونوميست»، في مارس، إن إعادة فتح الحدود من شأنه أن يخفف التوترات مع أرمينيا بشكل كبير. وقال، أيضاً، إن أرمينيا ستكون مستعدة لإقامة علاقات مع تركيا «دون شروط مسبقة». واستقال باشينيان، في 25 أبريل، وكان قد تعرض للانتقاد والتشهير بعد هزيمته في الحرب، ما أدى إلى إجراء انتخابات مبكرة.

ويقول رئيس الوزراء التركي السابق، أحمد داوود أوغلو، إنه إذا كانت هناك تسوية إقليمية واسعة، «سينتصر الجميع». ومن شأن فتح الحدود أن يساعد في استقرار منطقة القوقاز بأكملها، ويتيح لأرمينيا، التي تعتبر أفقر دولة في المنطقة، الوصول إلى الأسواق في تركيا وخارجها، ويربط تركيا ببحر قزوين، الغني بالطاقة، وآسيا الوسطى. وكان داوود أوغلو، الذي يرأس الآن حزباً معارضاً صغيراً، وزيراً للخارجية عندما اقتربت تركيا وأرمينيا من تطبيع العلاقات الدبلوماسية، في عام 2009. وتعثرت العملية بعد رد فعل عنيف من القوميين في كلا البلدين. ورفض أولئك الموجودون في تركيا قبول أي اتفاق ما لم تنسحب أرمينيا من ناغورني قره باغ. وطالب قوميو أرمينيا تركيا بالاعتراف بأحداث عام 1915 على أنه إبادة جماعية.

النفوذ الروسي

طالما اعتقد الدبلوماسيون الغربيون أن التسوية بين تركيا، العضو في الناتو، وأرمينيا ستقلل من نفوذ روسيا في القوقاز؛ واليوم، قد يكون العكس هو الصحيح. وبدلاً من جر أرمينيا إلى فلك الغرب، فإن التطبيع يمكن أن يجر تركيا إلى روسيا أكثر. ويقول عضو برلماني من الحزب الحاكم الأرميني، طلب عدم الكشف عن اسمه: «خطة روسيا هي فتح حدود بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وتركيا»، مشيراً إلى كتلة تجارية بقيادة روسيا انضمت إليها أرمينيا، قبل بضع سنوات. ولا تبدو تركيا، بعد أن تعلمت عقد الصفقات مع الكرملين، حريصة هذه الأيام على تعزيز المصالح الغربية في القوقاز. وقد يكون لموسكو موقف في عملية المصالحة، مثل تركيا وأرمينيا.

وقامت القوات الروسية بدوريات على الجانب الأرميني من الحدود مع تركيا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي. ولاشك أن أرمينيا ستصر على أن تواصل القيام بذلك. ويقول المحلل السياسي، ريتشارد جيراغوسيان: «أرمينيا مرتبطة بمحور روسيا ارتباطاً وثيقاً، أكثر من أي وقت مضى». والتطبيع مع تركيا لن يؤدي إلا إلى تعميق هذا الأمر. وتبدو التسوية الإقليمية بعيدة المنال كما قد تبدو على الورق، كما كانت دائماً. ويرحب بعض المسؤولين الأرمن بحذر بآفاق التجارة المباشرة مع تركيا. ولكن يبدو أن الكثير من أفراد الطبقة السياسية، والمجتمع ككل، غير مستعدين لأي نوع من الانخراط. ويخشى البعض، أيضاً، من أن الانفراج مع جارتها القوية، سيجبر أرمينيا على التخلي عن مطالباتها في ناغورني قره باغ.

وفي بلد يبلغ عدد سكانه بالكاد ثلاثة ملايين نسمة، والذي لايزال يعاني تبعات الحرب، فإن الخوف من تركيا أكبر مما كان عليه في الذاكرة الحديثة. ويقول مسؤول أرميني، فضل عدم الكشف عن اسمه: «كانت هذه حرباً أشعلتها تركيا، وحرضت عليها تركيا، وأدارتها تركيا»، متابعاً «ليست هناك ثقة».

وخلال عرض النصر في باكو، أثنى أردوغان على أنور باشا، أحد مهندسي «الإبادة الجماعية». وأشرف علييف، أخيراً، على افتتاح متنزه «غنائم الحرب» الترفيهي، والذي يضم تماثيل لجنود أرمنيين مصابين بأنوف معقوفة ووجوه غريبة، وخوذات مرتبة بعناية لجنود قتلوا في الحرب. وبالتالي فإن كيفية التوفيق بين مثل هذه العروض، وعروض السلام الأذربيجانية أمر صعب. وما يقدمه أردوغان وعلييف لأرمينيا قد لا يكون غصن زيتون بقدر ما هو جزء قصير من نهاية العصا.

• طالما اعتقد الدبلوماسيون الغربيون أن التسوية بين تركيا، العضو في «الناتو»، وأرمينيا ستقلل من نفوذ روسيا في القوقاز؛ واليوم، قد يكون العكس هو الصحيح.

أحمد داوود أوغلو:

• «إذا كانت هناك تسوية إقليمية واسعة، (سينتصر الجميع). ومن شأن فتح الحدود أن يساعد في استقرار منطقة القوقاز بأكملها، ويتيح لأرمينيا، التي تعتبر أفقر دولة في المنطقة، الوصول إلى الأسواق في تركيا وخارجها، ويربط تركيا ببحر قزوين، الغني بالطاقة، وآسيا الوسطى».

طباعة