وصل إلى حافة الهاوية وبعدها تراجع

بوتين يسحب قواته المرابطة قرب أوكرانيا بعد أن اختبر العالم

صورة

أظهرت لقطات تلفزيونية رسمية، يوم الجمعة، كيف يتم تحميل العربات والمدرعات الروسية التي احتشدت بالقرب من أوكرانيا، على متن قطارات وسفن ليتم سحبها، وفي اليوم نفسه أعلن زعيم المعارضة المعتقل، ألكسي نافالني، أنه أنهى إضرابه عن الطعام، لمدة ثلاثة أسابيع، لأن مطالبه بالحصول على رعاية طبية مستقلة قد تمت تلبيتها بشكل كافٍ في نهاية المطاف، وكان هناك مزيج من الخوف والتشويق والقوة، استخدمه الرئيس، فلاديمير بوتين، للتأكيد على سلطته، إذ سلط الضوء على التكتيكات الأكثر تشدداً، التي يمكنه اللجوء إليها لتعزيز نفوذه، ومع ذلك أصبح من الواضح، بحلول يوم الجمعة، أن بوتين رأى القلق الذي كان قادراً على إحداثه في الداخل والخارج، كأداة يمكن تعديلها اعتماداً على الظروف المتغيرة، أو في خدمة هدف أوسع.

باختصار، كانت خلاصة لقاعدة بوتين التكتيكية عالية المخاطر، التي تستحضر ماضيه ضابطاً في جهاز الاستخبارات السوفييتي (كي.جي.بي)، المتمثلة في الحفاظ على تخمين الخصم وفقدان توازنه، مع الاستعداد أيضاً لممارسة ضبط النفس طالما أنه قادر على ذلك، وفي ذلك قال كبير مستشاري بوتين السابق، غوليب بافلوفسكي، مشيراً إلى دراما الأسبوع الماضي: «هذا هو المسرح جزئياً»، موضحاً: «لكن المسرح مهم لنظامنا».

منطق الحرب الباردة الجديد

لقد كان أسبوعاً ألقى الضوء على منطق الحرب الباردة الجديدة للرئيس الروسي، وهو مصطلح استخدمه رئيس وزرائه السابق، دميتري ميدفيديف، في مقال نُشر يوم الجمعة. وفي صراعه مع الغرب يعتمد بوتين على التهديد بالتصعيد، وهو تكتيك اتّخذ أشكالاً قاسية بشكل متزايد مع اشتداد الصراع، وشهدت الأيام الماضية حشد 100 ألف جندي روسي على أعتاب أوكرانيا.

وفي الوقت الذي يواجه نافالني الموت في السجن، وفقاً لرفاقه، كان بوتين يستعد لخطاب سنوي عن حالة الأمة، توقع فيه المحللون أنه قد يكشف عن خطة لضم جزء من أوكرانيا، أو الاندماج مع بيلاروسيا المجاورة، ولم يفعل الرئيس أياً من ذلك، في خطابه يوم الأربعاء، إذ تحدث معظم الوقت في قضايا محلية، مثل المخيمات الصيفية للأطفال. وفي الليلة نفسها، عندما نظم الآلاف من أنصار نافالني احتجاجات في جميع أنحاء البلاد، اتخذت الشرطة في العديد من المدن نهج عدم التدخل، بشكل غير عادي، إذ اعتقلت 32 شخصاً فقط في موسكو، على سبيل المثال، مقارنة بأكثر من 1900 في مسيرة مؤيدة للمعارض الروسي، نهاية يناير.

انسحاب جزئي

أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، عن سحب جزئي للقوات، يوم الخميس، وهي خطوة رحب بها الرئيس الأوكراني، وبذلك يكون بوتين قد قدم غصن زيتون للرئيس الأميركي، جو بايدن، من خلال الظهور في قمة المناخ على الإنترنت. وفي يوم الجمعة، قال نافالني إن إضرابه عن الطعام للمطالبة بتحسين الرعاية الطبية «حقق ما يكفي»، بعد أن فحصه الأطباء المدنيون مرتين.

وفي مقال ميدفيديف، الذي يفسر أحداث الأسبوع، قارن الوضع الحالي للشؤون العالمية بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على شفا حرب نووية، وكتب رئيس الوزراء السابق أن المشكلة اليوم، على عكس الحرب الباردة، هي أن الولايات المتحدة لم تعد تحترم قوة روسيا، وكتب ميدفيديف: «إذا كانت عواقب النصر كبيرة لدرجة أنها تطرح تساؤلات حول استمرار وجود المنتصر، فهذا ليس انتصاراً».

وتتمثل مخاطر نهج روسيا المتصاعد في السياسة الخارجية في أن بوتين قد يحتاج إلى المزيد من التصعيد، من أجل تحقيق التأثير المطلوب، وكانت هذه هي الحال مع حشد القوات الروسية بالقرب من أوكرانيا، وفي حين استمرت الحرب في شرق أوكرانيا منذ عام 2014، إذ أرسلت موسكو أسلحة وقوات إلى الانفصاليين الذين تدعمهم، لم يهدد الكرملين منذ بداية الأعمال العدائية صراحةً بغزو أوكرانيا، كما فعل في الأسابيع الأخيرة.

وخلال الأسبوع الماضي، أرسل بوتين رسالته، واستعدت أوكرانيا لاحتمال اندلاع حرب واسعة النطاق، واتصل بايدن، الأسبوع الماضي، بنظيره الروسي ودعاه للاجتماع، ما أعطى الكرملين فرصة ترحيب مع احتمال عدم قبول بوتين للحوار، وقال المتحدث باسم بوتين، دميتري بيسكوف: «سمعنا أيضاً كلمات من نظرائنا الأميركيين بشأن استعدادهم لإجراء حوار حول القضايا ذات الاهتمام المشترك»، متابعاً: «لكن لسوء الحظ لم تتزامن تصريحات الأميركيين مع أفعال ملموسة».

استمرار التوترات

قد لا تأتي أزمة بوتين التالية بمسار سلس لوقف التصعيد، وصدرت أوامر لبعض القوات الروسية التي تم سحبها من أماكن بالقرب من الحدود الأوكرانية، الجمعة، بترك مركباتها المدرعة خلفها، ما يؤكد استمرار التوترات في ذلك الصراع، وفي هذا السياق يقول زميل السياسة بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في برلين، كادري ليك: «يكمن الخطر في أن لديه (بوتين) هذا الهوس التام بعدم الظهور بمظهر ضعيف».

وفي الداخل، من المرجح أن يكون التخفيف الذي أشار إليه بوتين، والمعاملة الحسنة للمعارض نافالني، ولمسة الشرطة الخفيفة في احتجاجات الأربعاء، قصيرة الأمد، وفي الأسبوع المقبل ستنظر محكمة بموسكو في محاولة المدعين العامين لحظر منظمة نافالني، على الفور، وهي خطوة يمكن أن تمهد الطريق لموجة جديدة من القضايا الجنائية ضد المعارضة.

صعوبة تحديد الاستراتيجية

يبدو أنه حتى أولئك المقربين من النخبة الحاكمة في روسيا، يجدون صعوبة، أحياناً، في تحديد استراتيجية متماسكة إزاء تحركات الكرملين. وقال كونستانتين ريمشوكوف، وهو مدير إحدى الصحف التي كانت وراء حملة إعادة انتخاب رئيس بلدية موسكو، عام 2018، إن بعض الفصائل القوية تدفع بوتين نحو سياسات أكثر تشدداً، وهو على استعداد لاتباعها، موضحاً: «في حين أن البلاد ككل تعاني اقتصادياً من العقوبات، فإن بعض الأشخاص في النخبة يستفيدون من الشركات التي توفر بديلاً للواردات المحظورة، بموجب هذه الإجراءات، أو من العقود العسكرية»، وتشمل هذه المجموعات، أيضاً، القيادة القوية في الأجهزة الأمنية، الذين يجنون موارد ونفوذاً أكبر عندما تتصاعد التوترات.

وأضاف ريمشوكوف أن هذه المجموعات يُنظر إليها على أنها تضغط من أجل سياسات المواجهة، التي يتعين على بوتين في بعض الأحيان كبح جماحها، مؤكداً أن الديناميكية تدفع روسيا إلى عصر «العزلة الجيوسياسية».

• داخلياً من المرجّح أن يكون التخفيف الذي أشار إليه بوتين، والمعاملة الحسنة للمعارض نافالني، ولمسة الشرطة الخفيفة في احتجاجات الأربعاء، قصيرة الأمد.

• تتمثل مخاطر نهج روسيا المتصاعد في السياسة الخارجية في أن بوتين قد يحتاج إلى المزيد من التصعيد، من أجل تحقيق التأثير المطلوب، وكانت هذه هي الحال مع حشد القوات الروسية بالقرب من أوكرانيا.

• 100 ألف جندي روسي تم حشدهم بالقرب من الحدود مع أوكرانيا.

• 1900 من مؤيدي المعارض الروسي تم اعتقالهم نهاية يناير.

طباعة