بعد انسحاب القوات الأميركية

توقعات باستمرار الصراع على أشده في أفغانستان

صورة

غالباً ما ينسى الناس أن أفغانستان تمتعت بقرن هادئ نسبياً قبل غزو السوفييت لها عام 1979، لكن لم تعد هذه هي الحال عندما وصلنا في عام 2001، وفي الحقيقة كانت أفغانستان في حالة حرب طوال عقدين من الزمن قبل وصولنا، ولهذا فمن المتوقع أنها ستظل في حالة حرب حتى بعد انسحاب جميع القوات الأميركية بحلول سبتمبر، واعتقد إن الأفغان - الذين حارب العديد منهم معنا، وكثير منهم حاربنا، وعانوا جميعاً - سيواصلون حربهم.

قاتل نحو 800 ألف جندي أميركي في أفغانستان، لكن معظمهم شهد القتال في العقد الأول، وبالنسبة للكثيرين يبدو أن انتهاء الصراع الحالي بعيد المنال، عندما سمعت أن الرئيس، جو بايدن، سينهي مغامرة أميركا في أفغانستان، كنت أعمل من المنزل في تكساس، فقد تركت الزي العسكري منذ زمن بعيد، وأطفالي الثلاثة الصغار يلعبون بالقرب مني.

تأثر بالغ

لكنني تأثرت لرؤية رئيسنا، البالغ من العمر 78 عاماً، يسير بين قبور القسم 60 في مقبرة أرلينغتون الوطنية، فعندما كنت أعيش في واشنطن، درجت على اصطحاب عائلتي إلى هناك لزيارة قبر صديق بقُتل مقاطعة كونار في أفغانستان في عام 2006، والآن يسير الرئيس بين تلك المواقع نفسها، ويقول للصحافيين الذين يرافقونه: «انظروا جميعاً إلى من هذه القبور، انظروا إليها جميعاً».

لم ينسَ بايدن، بصفته رجلاً محترماً للغاية، أن هؤلاء الشبان والشابات الذين خدموا في أفغانستان يتحملون العبء الأكبر لقرارات رؤسائهم، خلال الولاية الثانية لإدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، أمضيت أسبوعاً أسافر مع نائب الرئيس آنذاك، جو بايدن، بصفتي المسؤول الأول عن سياسة الشرق الأوسط في وزارة الدفاع (بنتاغون)، وكنت أتصل بمكتبي كل صباح لأطمئن أن أي جندي أميركي لم يفقد حياته في القتال، كان بايدن يحمل معه دائماً قائمة تحتوي على العدد الدقيق للأميركيين الذين قتلوا في العراق وأفغانستان، وكنت أعلم أنه قد يسألني عن الرقم الأخير، وليس من الصواب أن أقدم له معلومات خاطئة، كنت أعلم أنه يهتم شخصياً بسلامة أرواح الجنود.

وفي الأيام الأخيرة لتلك الإدارة، سألت زميلة مسؤولة عن تنسيق سياستنا بشأن أفغانستان عن سبب بقائنا هناك حتى الآن، تنهدت وقالت لي: «لأن المخاطر المعروفة للبقاء ترجح كفة المخاطر المجهولة للمغادرة»، ومن الصعب إيجاد إجابة واضحة لهذا السؤال: هل كان وجودنا في أفغانستان هو السبب الذي يحول دون وقوع حادث إرهابي آخر كبير في الولايات المتحدة؟

من المألوف أن نلقي باللوم على قادتنا العسكريين المتفائلين بعناد بشأن حربنا في أفغانستان، التي طال أمدها إلى هذا الحد، وبالنظر إلى التقييمات المفرطة في الوردية لـ«التقدم» في الحرب، التي قدمها قائد بعد آخر، عاماً بعد آخر، أتفهم الغضب الذي واجهوه من النشطاء والمحاربين القدامى الشباب وغيرهم.

الضباط ليسوا من يبدأ أو ينهي حرباً

لكن الضباط العسكريين ليسوا هم من يبدأ أو ينهي الحروب في الولايات المتحدة، القادة المدنيين المنتخبون هم من يفعل ذلك، أسلاف بايدن المباشرين - أحدهما ديمقراطي والآخر جمهوري - فقد كلاهما الثقة في هذه الحرب، لكن لم يكن أي منهما جريئاً بما يكفي لقبول المخاطرة التي ينطوي عليها إنهاء الحرب، ويستحق بايدن بعض الثناء على قيامه بذلك.

ومع ذلك، فقد تغيرت حسابات المخاطر في ظرف 12 عاماً، منذ أن أعلن أوباما عن أول زيادة في عدد القوات بأفغانستان، وهو الأمر الذي أيدته أنا والعديد من الآخرين، واليوم وبعد أن أصبحت هجمات 2001 ذكرى بعيدة بالنسبة لمعظم الأميركيين، ومع وفاة أكثر من 500 ألف أميركي من جائحة «كورونا» في منازلهم، فإن مخاطر الانسحاب التي لاتزال مجهولة تبدو أقل رعباً مما كانت عليه الحال في السابق. ويبدو أن الإنفاق الهائل للموارد - نحو 45 مليار دولار سنوياً، وفقاً لتقديرات (بنتاغون) - في بلد غير ساحلي في آسيا الوسطى، أكثر إسرافاً بكثير.

وفي غضون ذلك، تبدو أصوات المعارضة أكثر هدوءاً مما كانت عليه قبل عقد من الزمن، لا توجد دائرة انتخابية ذات مغزى في أي من الحزبين تؤيد الحرب بعد ذهاب الرئيس السابق، دونالد ترامب، الذي كانت شكوكه تجاه الحرب صريحة، وكما هي الحال مع الكثير من التأييد لما يفعله بايدن هذه الأيام، من الجهود لمكافحة الوباء إلى الإنفاق على البنية التحتية، سيجد قراره بشأن أفغانستان كل التأييد الشعبي، واستناداً إلى استطلاعات الرأي الأخيرة، من المحتمل أن تدعمه الأغلبية.

انسحاب لا يخلو من المخاطر

سيكون من الصعب الاستمرار في تدريب القوات الأفغانية، وسيصعب تنفيذ غارات من قبل قوات العمليات الخاصة هناك، لكن فريق الرئيس يشعر بأن هذه المخاطر يمكن تخفيفها، ومن الصعب التخفيف من المخاطر التي يتعرض لها الأفغان أنفسهم، وستشعر حركة «طالبان» بالسعادة من إعلان بايدن، وستدافع الحكومة الأفغانية عن نفسها بأي وسيلة متاحة، بما في ذلك الضربات الجوية العشوائية إلى حد كبير، ووفقاً لأحد التقديرات لقي 3800 مدني أفغاني مصرعهم في عام 2018 وحده.

أما بالنسبة لنا نحن المحاربين القدامى، فستعيش معنا ذكريات هذا الصراع الذي حاربنا فيه بشق الأنفس ولم ننتصر فيه إلا قليلاً، لكننا خسرنا الكثير، وأعتقد أن معظمنا لن يفكر في الحرب كثيراً. قبل بضعة أسابيع سحب ابني قبعة حربية من رف الكتب، وسألني عما إذا كانت لي، قلت إنها كانت تخصني قبل ذلك، ثم عادت الذكريات حية، لكن ذكريات الحرب ستتلاشى هي أيضاً بمرور الوقت.

• قاتل نحو 800 ألف جندي أميركي في أفغانستان، معظمهم شهد القتال في العقد الأول، وكثيرون منهم يعتبرون انتهاء الصراع بعيد المنال.

• من المألوف أن نلقي باللوم على قادتنا العسكريين المتفائلين بعناد بشأن حربنا في أفغانستان التي طال أمدها الى هذا الحد. وبالنظر إلى التقييمات المفرطة في الوردية لـ «التقدم» في الحرب، والتي قدمها قائد بعد الآخر، أتفهم الغضب الذي واجهه النشطاء والمحاربين القدامى وغيرهم.

أندرو إكسوم - النائب المساعد السابق لوزير الدفاع للوحدات العسكرية الأميركية في أفغانستان

طباعة