تُعد نفسها لتصبح الدولة الأولى اقتصادياً في العالم

الصين تسعى للحسم في جميع سيناريوهات المنافسة مع أميركا

صورة

لا يتفق المسؤولون في واشنطن وبكين هذه الأيام في كثير من الأمور، لكن هناك أمر واحد ينظرون إليه بقلق بالغ الأهمية: ستدخل المنافسة بين بلديهما مرحلة حاسمة في عشرينات القرن الحالي، وسيكون هذا عقد يعيش فيه البلدان على شفا المخاطر السياسية والاقتصادية. وبغض النظر عن الاستراتيجيات التي يتبعها الجانبان أو الأحداث التي ستتكشف، فإن التوتر بين الولايات المتحدة والصين سيتصاعد، وستشتد المنافسة بينهما، ولا مفر من هذا، لكن ربما لا تندلع الحرب بينهما. ولايزال من الممكن للبلدين أن يضعا حواجز من شأنها منع وقوع كارثة بينهما: إطار عمل مشترك يمكن تسميته بـ«المنافسة الاستراتيجية المدارة»، ما من شأنه أن يقلل خطر تصاعد المنافسة التي قد تفضي إلى صراع مفتوح.

حلم المركز الأول

وتزداد الثقة لدى الحزب الشيوعي الصيني بأن اقتصاد الصين سيتجاوز أخيراً اقتصاد الولايات المتحدة بحلول نهاية العقد، ليصبح أكبر في العالم من حيث إجمالي الناتج المحلي بأسعار صرف السوق. قد تستبعد النخب الغربية أهمية هذا المعلم البارز، ولكن بالنسبة للصين فإن الحجم مهم دائماً. وسيؤدي احتلال الصين المركز الأول في الاقتصاد العالمي إلى زيادة ثقة بكين، وإصرارها ونفوذها في تعاملاتها مع واشنطن، وسيدفع ذلك البنك المركزي الصيني لتعويم اليوان، وفتح حساب رأس المال الخاص به، وتحدي الدولار الأميركي باعتباره العملة الاحتياطية العالمية الرئيسة.

وفي غضون ذلك، تواصل الصين التقدم على جبهات أخرى أيضاً، وتهدف خطة سياستها الجديدة التي أعلنت عنها الخريف الماضي، للسيطرة على جميع مجالات التكنولوجيا الجديدة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، بحلول عام 2035. وتعتزم بكين الآن إكمال برنامج التحديث العسكري بحلول عام 2027 (سبع سنوات قبل الجدول الزمني السابق)، يحدوها هدف رئيس هو أن يكون للصين ميزة حاسمة في جميع السيناريوهات المحتملة للصراع مع الولايات المتحدة على تايوان. الانتصار في مثل هذا الصراع سيسمح للرئيس شي جين بينغ بإعادة توحيد قسري لتايوان مع الصين قبل تركه السلطة، وهو إنجاز من شأنه أن يضعه على المستوى نفسه داخل مجمع الحزب الشيوعي الصيني مثل الزعيم ماو تسي تونغ.

خطة الرد

وإزاء ذلك يجب أن تقرر واشنطن كيفية الرد على أجندة بكين الحازمة وبسرعة. إذا كانت ستختار الجانب الاقتصادي والمواجهة المفتوحة فستضطر كل دولة في العالم إلى الانحياز إلى أحد الطرفين، وسيزداد خطر التصعيد. ويشك كثيرون في أن قادة الولايات المتحدة والصين يمكن أن يتوصلوا إلى إطار عمل لإدارة علاقاتهم الدبلوماسية، وعملياتهم العسكرية، وأنشطتهم في الفضاء الإلكتروني ضمن معايير متفق عليها من شأنها تحقيق أقصى قدر من الاستقرار، وتجنب التصعيد العرضي. ويحتاج البلدان إلى التفكير في شيء يشبه الإجراءات والآليات التي وضعتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، لتنظيم علاقاتهما بعد أزمة الصواريخ الكوبية.

قد تتضمن المنافسة الاستراتيجية المُدارة وضع حدود صارمة معينة على السياسات والسلوك الأمني لكل دولة، ولكنها ستسمح بالمنافسة الكاملة والمفتوحة في المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والأيديولوجية، كما أنها ستمكن واشنطن وبكين من التعاون في مجالات معينة من خلال الترتيبات الثنائية، وكذلك المحافل متعددة الأطراف. وعلى الرغم من صعوبة إنشاء مثل هذا الإطار، فإن القيام بذلك لايزال ممكناً، ومن المرجح أن تكون البدائل كارثية.

سياسة قصيرة النظر

لم يُولِ كثيرون في الولايات المتحدة الاهتمام بالدوافع السياسية والاقتصادية المحلية للاستراتيجية الصينية الكبرى، أو محتوى تلك الاستراتيجية، أو الطرق التي استخدمتها الصين لتفعيلها في العقود الأخيرة. ويدور الحديث في واشنطن حول ما يجب على الولايات المتحدة أن تفعله دون الكثير من التفكير في ما إذا كان أي مسار عمل معين قد يؤدي إلى تغييرات حقيقية في المسار الاستراتيجي للصين. ومن الأمثلة البارزة على هذا النوع من التفكير قصير النظر في السياسة الخارجية الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية آنذاك مايك بومبيو في يوليو الماضي، والذي دعا فيه فعلياً إلى الإطاحة بالحزب الشيوعي الصيني. وأعلن: «نحن الدول المحبة للحرية في العالم، يجب أن نحث الصين على التغيير»، بما في ذلك من خلال «تمكين الشعب الصيني».

الشيء الوحيد الذي يمكن أن يدفع الشعب الصيني للانتفاضة ضد دولة الحزب الواحد هو إحباطه من الأداء الضعيف للحزب الشيوعي الصيني في معالجة البطالة، أو سوء إدارته الجذرية لكارثة طبيعية (مثل الوباء)، وانتشاره الهائل. ومن غير المرجح أن يساعد التشجيع الخارجي في تأجيج مثل هذا الاستياء، خصوصاً من الولايات المتحدة. إلى جانب ذلك، لن يدعم حلفاء الولايات المتحدة مثل هذا النهج. وكذلك التصريحات المنمقة لبومبيو قد تأتي بنتائج عكسية تماماً، لأنها تقوي يد شي في الداخل، ما يسمح له بتشديد الإجراءات الأمنية المحلية، متعللاً بتهديدات التخريب الأجنبي، ما يسهل عليه حشد نخب الحزب الشيوعي الساخطين في التضامن معه ضد أي تهديد خارجي.

وهذا العامل الأخير مهم بشكل خاص لشي، لأن أحد أهدافه الرئيسة هو البقاء في السلطة حتى عام 2035، وفي ذلك الوقت سيكون عمره 82 عاماً، وهو العمر الذي توفي فيه ماو. وينعكس تصميم شي على القيام بذلك إعلانه الأخير عن خطة اقتصادية تمتد حتى عام 2035، والدليل على ذلك أن شي لم يلمح حتى إلى من قد يخلفه، على الرغم من أنه لم يتبق له سوى عامين في ولايته الرسمية.

شي «الملاح العظيم»

واجه شي بعض الصعوبة في أوائل عام 2020، بسبب تباطؤ الاقتصاد ووباء «كوفيد-19»، الذي دفعت مزاعم أصوله الصينية الحزب الشيوعي الصيني لاتخاذ موقف دفاعي، ولكن بحلول نهاية العام أشادت به وسائل الإعلام الصينية الرسمية باعتباره «الملاح العظيم وموجه الدفة» الجديد للحزب، والذي انتصر في «حرب الشعب» البطولية ضد فيروس كورونا الجديد.

وفي الواقع، قويت مكانة شي بشكل كبير بسبب إدارة الوباء الفاشلة التي انتهجتها الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية الأخرى، حيث سلط الحزب الشيوعي الصيني الضوء على ذلك الفشل كدليل على تفوق النظام الصيني، كما يعتزم شي تحقيق الاكتفاء الذاتي الصيني لدرء أي مسعى من جانب واشنطن لفصل اقتصاد الولايات المتحدة عن اقتصاد الصين، أو استخدام سيطرة الولايات المتحدة على الاقتصاد المالي العالمي.

اقتصاد الدوران المزدوج

تكمن هذه الخطة في صميم ما يصفه شي بـ«اقتصاد الدوران المزدوج» للصين، وهو اقتصاد يبتعد عن الاعتماد على الصادرات ويتجه نحو الاستهلاك المحلي كمحرك طويل الأجل للنمو الاقتصادي، والاعتماد على الخطة الرامية لجعل الصين أكبر مستهلك عالمي لاستقطاب المستثمرين والموردين الأجانب الى الصين وبشروطها، كما أعلن شي أخيراً عن استراتيجية جديدة للبحث والتطوير التكنولوجي والتصنيع لتقليل اعتماد الصين على واردات بعض التقنيات الأساسية، مثل أشباه الموصلات.

وتكمن مشكلة هذا النهج في أنه يعطي الأولوية للسيطرة الحزبية والشركات المملوكة للدولة على القطاع الخاص الصيني المجتهد والمبتكر والرائد في الأعمال، والذي كان مسؤولاً بشكل أساسي عن النجاح الاقتصادي الملحوظ الذي حققته البلاد على مدى العقدين الماضيين. وعلى هذا الأساس يواجه شي معضلة تتمثل في تهديد اقتصادي خارجي محسوس من واشنطن، وتهديد سياسي داخلي من رواد الأعمال في المؤسسات الخاصة، الذين يهدد تأثيرهم طويل المدى سلطة الحزب الشيوعي الصيني، والسؤال هو: كيف يستطيع إحكام السيطرة السياسية المركزية من دون أن يخسر ثقة وديناميكية الأعمال الخاصة؟

ضم تايوان.. ولكن

ويواجه شي أيضاً معضلة مماثلة تتعلق بهدفه الأسمى، وهو السيطرة على تايوان. يبدو أن شي قد خلص إلى أن الصين وتايوان بعيدان الآن عن إعادة التوحيد السلمي أكثر من أي وقت مضى خلال السبعين عاماً الماضية، وربما هذا صحيح، لكن الصين غالباً ما تتجاهل دورها في توسيع الشقة بينهما. وكان مراقبون عدة اعتقدوا أن الصين ستحرر نظامها السياسي تدريجياً بعد أن فتحت نظامها الاقتصادي وأصبحت أكثر ارتباطاً ببقية العالم، وأعربوا عن أملهم في أن تسمح هذه العملية لتايوان في نهاية المطاف بأن تصبح أكثر اطمئناناً مع أي شكل من أشكال إعادة التوحيد، ولكن بدلاً من ذلك أصبحت الصين أكثر استبداداً في عهد شي، وتبخر الوعد بإعادة التوحيد في ظل صيغة «دولة واحدة ونظامان»، وتستقي تايوان العبر مما حدث مع هونغ كونغ، حيث فرضت الصين قانوناً صارماً للأمن القومي، واعتقلت السياسيين المعارضين، وقيدت حرية الإعلام.


استراتيجية واضحة

مع استبعاد إعادة التوحيد السلمي مع تايوان من على الطاولة، أصبحت استراتيجية الزعيم شي جين بينغ واضحة الآن: زيادة مستوى القوة العسكرية التي يمكن أن تمارسها الصين بشكل كبير في مضيق تايوان، إلى الحد الذي تصبح فيه الولايات المتحدة غير راغبة في خوض معركة ترى أنها ستخسرها.

ويعتقد شي أنه من دون دعم الولايات المتحدة، فإن تايوان إما أن تستسلم أو تقاتل بمفردها وتخسر، ومع ذلك فإن هذا النهج يُستخف به بشكل جذري من ثلاثة عوامل: صعوبة احتلال جزيرة بحجم هولندا وتضاريس النرويج، يبلغ عدد سكانها 25 مليون نسمة، والضرر الذي يمكن أن يحدثه ذلك للصين في ما يتعلق بالشرعية السياسية الدولية والذي ينشأ من الاستخدام الوحشي للقوة العسكرية، وعدم القدرة على التوقع العميق للسياسات الداخلية للولايات المتحدة، والتي يمكنها أن تحدد طبيعة الرد في حال ظهور مثل هذه الأزمة ومتى. وتستنتج بكين من خلال واقعيتها الاستراتيجية العميقة أن الولايات المتحدة لن تخوض أبداً حرباً لا تستطيع الفوز بها، لأن خسارتها ستكون بمثابة بداية النهاية لمستقبل القوة والهيبة والمكانة العالمية لأميركا.

وما لا تدرجه الصين في حساباتها هو أن فشل الولايات المتحدة في الدفاع من أجل دولة ديمقراطية دعمتها طوال فترة ما بعد الحرب سيكون أيضاً كارثياً لواشنطن، لاسيما في ما يتعلق بصورة أميركا لدى حلفائها في آسيا التي قد ترى أن الضمانات الأمنية الأميركية التي طالما اعتمدت عليها أصبحت بلا قيمة، وستسعى هذه الدول إلى ترتيبات خاصة مع الصين.


• لم يُول كثيرون في الولايات المتحدة الاهتمام بالدوافع السياسية والاقتصادية المحلية للاستراتيجية الصينية الكبرى، أو محتوى تلك الاستراتيجية، أو الطرق التي استخدمتها الصين لتفعيلها في العقود الأخيرة. ويدور الحديث في واشنطن حول ما يجب على الولايات المتحدة أن تفعله دون الكثير من التفكير في ما إذا كان أي مسار عمل معين قد يؤدي إلى تغييرات حقيقية في المسار الاستراتيجي للصين.

• واجه شي جين بينغ بعض الصعوبة في أوائل عام 2020، بسبب تباطؤ الاقتصاد ووباء كوفيد-19، الذي دفعت مزاعم أصوله الصينية الحزب الشيوعي الصيني لاتخاذ موقف دفاعي. ولكن بحلول نهاية العام، أشادت به وسائل الإعلام الصينية الرسمية باعتباره «الملاح العظيم وموجه الدفة» الجديد للحزب، والذي انتصر في «حرب الشعب» البطولية ضد فيروس كورونا الجديد.

طباعة