بعد 10 سنوات من الانتفاضة السورية

جذوة المعارضة ضد حكومة الأسد لاتزال حية

صورة

كانت مدينة درعا أول مكان في سورية، يشهد الاحتجاجات التي اندلعت في مارس 2011، ضد حكم الرئيس بشار الأسد، حيث واجه المتظاهرون حملة قمع شرسة من قوات الأسد. وتحولت هذه الاحتجاجات في ما بعد إلى تمرد مسلح وحرب أهلية. واستولى مقاتلو المعارضة على العديد من المناطق، إلا أن الأسد استطاع سحقهم بمجرد تلقيه الدعم من حليفيه إيران وروسيا.

الآن في الذكرى العاشرة لتلك الاحتجاجات الأولى، عاد جزء ضئيل من درعا لسيطرة الحكومة، لكن لايزال مكان ميلاد الانتفاضة يقبع على حافة بركان نشط، يغلي جراء الاستياء واليأس من الأزمة الاقتصادية الخانقة، وانتشار الجماعات المسلحة.

استثمار اليأس

يقول أحمد المسالمة، الذي ساعد في تنظيم الاحتجاجات بدرعا قبل عقد من الزمن، والذي يقيم الآن في المنفى بالأردن: «لايزال الشباب داخل سورية يعيشون حالة من اليأس». ولايزال المسالمة يتوقع انتصار المعارضة، على الرغم من الانتصارات العسكرية للحكومة، ويقول: «سنستثمر في اليأس.. لإعادة إطلاق الثورة مرة أخرى».

وكان المسالمة، عندما تفجرت الاحتجاجات يبلغ من العمر 35 عاماً، ويدير متجراً للإلكترونيات، وكان من بين المتظاهرين بالمسجد العمري في درعا، في 18 مارس 2011، عندما فتحت قوات الأمن النار على الحشود. وقُتل في تلك الحادثة شخصان، هما أول من مات في حرب أهلية أسفرت عن مقتل أكثر من نصف مليون شخص، وهجّرت نصف سكان سورية داخلياً، وتسببت في تسوية أجزاء كاملة من بعض مدن البلاد بالأرض. وتوقع المسالمة بعض العنف، لكنه يعتقد أن الأسد لا يستطيع الإفلات من ما فعله والده حافظ الأسد في عام 1982، الذي قتل الآلاف في سعيه لسحق التمرد. وقال لمصادر إعلامية: «اعتقدنا أن العالم أصبح قرية صغيرة، تربطها وسائل التواصل الاجتماعي والمحطات الفضائية». ويسترسل: «لم نتوقع أن يصل مستوى القتل والوحشية والكراهية للشعب السوري إلى هذه المستويات».

معقل المعارضة

في بعض النواحي، أصبحت درعا معقلاً مناسباً للمعارضة، فهي منطقة منعزلة مقارنة بالمدن السورية الأخرى التي تقع وسط البلاد، ومعظم سكان محافظة درعا من السنة المحافظين، ومعظمهم من الشرائح التي تعاني الفقر إلى حد كبير، حيث تعرضوا على مدى عقود للإهمال الحكومي. وبينما دعا النشطاء العلمانيون إلى الاحتجاجات السلمية، لجأ متظاهرو درعا عندما تعرضوا للقتل والتعذيب من قبل الأجهزة الأمنية، إلى تكوين الميليشيات المسلحة للرد على ما تعرضوا له.

وطغت العناصر المتشددة داخل المليشيات المسلحة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك المقاتلون المرتبطون بتنظيم «القاعدة»، على الجماعات اليسارية أو العلمانية أو القومية. وغذت شراسة الحرب الكراهية الطائفية، لاسيما بين السنة والعلويين، وهم الأقلية التي ينتمي إليها الأسد.

يقول نادل العماري: «تحول خوفي إلى حقد وكراهية طائفية». ترك العماري الجامعة في مارس 2011، وأنشأ مركزاً إعلامياً في درعا، ينقل صور الاحتجاجات إلى العالم. تعرض العماري للاعتقال والتعذيب الوحشي لمدة أربعة أشهر في عام 2011. وفر في ما بعد من سورية، ويعيش الآن في ألمانيا.

وفي أوجها بين عامَيْ: 2013 و2014، سيطر المقاتلون على معظم سورية شرق الفرات، وأجزاء من محافظة درعا، وجزء كبير من الشمال. وقاتلوا في كل المدن الكبرى، بل وهددوا دمشق من الريف المحيط بها.

شنت قوات الأسد ضربات جوية مدمرة بالبراميل المتفجرة والهجمات الكيماوية. وانقلب المد على المعارضة عندما تدخل حليفتا الحكومة، موسكو وطهران، بشكل مباشر، في البداية بدأت إيران بخبراء عسكريين وميليشيات شيعية متحالفة، ثم تلتها روسيا بطائراتها الحربية.

وأدى الحصار والحملات العسكرية ضد المدن والبلدات التي تسيطر عليها المعارضة إلى تدمير الأحياء، وتجويع السكان وإجبارهم على الخضوع. وتقلصت مناطق المعارضة، حتى أصبحت محصورة في جيب صغير متمركز بمحافظة إدلب في الشمال الغربي، ويهيمن عليه مسلحون إسلاميون، والذي ظل على قيد الحياة بسبب الحماية التركية.

سيناريو واحد

اجتاحت القوات الحكومية المدعومة من روسيا محافظة درعا في أغسطس 2018. لكن على الرغم من ذلك ظلت درعا بعيدة عن السيطرة الكاملة. وبدلاً من ذلك، فهي تعكس سيناريو واحداً لمستقبل سورية القريب المتقلب: حرب يمكن أن يهيمن عليها الأسد، لكنه لا ينتصر فيها بشكل مباشر، بينما تقوم القوى الأجنبية بوضع الترتيبات في الوقت الذي تظل فيه المعارضة متمسكة برفض الأسد.

وخضعت درعا لترتيب فريد توسطت فيه روسيا، جزئياً، بسبب ضغوط إسرائيل التي لا تريد وجود ميليشيات إيرانية على أعتابها، وضغوط من الأردن الذي يريد إبقاء معابره الحدودية مفتوحة. ففي أجزاء من المحافظة، ظل المقاتلون الذين وافقوا على «المصالحة» مع الحكومة مسؤولين عن الأمن. وانضم بعضهم إلى الفيلق الخامس، الذي يُعتبر من الناحية الفنية جزءاً من الجيش السوري، لكن تشرف عليه روسيا. وعادت مؤسسات الدولة والبلديات للعمل، لكن القوات الحكومية بقيت في الخارج.

وفي أماكن أخرى، تتولى القوات الروسية والحكومية المسؤولية معاً، مشكلة سلطة حكومية منخفضة المستوى. وفي بقية المناطق، تسيطر الحكومة بشكل كامل، وينتشر الجيش السوري والميليشيات المدعومة من إيران. ويسمح الوجود المنظم للمعارضة في درعا بهامش من الاحتجاجات والتعبير عن المشاعر المناهضة للحكومة، وهو وضع يصعب العثور عليه في مكان آخر بسورية.

تمرد هادئ

رفض بعض المعارضين الاتفاق مع روسيا، وشنوا تمرداً أسفر عن مقتل أكثر من 600 شخص، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. ومن بين القتلى أفراد من قوات حكومية وميليشيات موالية لإيران ومعارضين، وقعوا على اتفاقات مع القوات الروسية، ورؤساء وعمال بلديات يعتبرون موالين للحكومة.

وكما هي الحال في أجزاء أخرى من البلاد، يشعر الكثيرون بالقلق من نفوذ طهران المتزايد. وتجند الميليشيات المدعومة من إيران شباناً تغريهم برواتب ثابتة، كما يستغل تجار مرتبطون بالأسد وإيران الفقر المدقع في درعا لشراء الأراضي.

يقول المحامي البارز من درعا، حسن الأسود، الذي يعيش الآن في المنفى بألمانيا، إن حركة مدنية جديدة في المحافظة تعمل على رفع مستوى الوعي ضد بيع الأراضي وحشد المعارضة للانتخابات الرئاسية المقبلة، والتي سيكون الأسد المرشح الوحيد فيها.

لكن في الوقت نفسه، يشعر الجمهور أيضاً بالإرهاق من انهيار الاقتصاد في جميع أنحاء سورية، حيث إن التضخم آخذ في التصاعد، وهناك عدد قليل من الوظائف، مع انهيار التجارة والزراعة وتدهور البنية التحتية.

ويعمل المعماري في ألمانيا على بناء حياة جديدة، لكنه مرتبط بلا هوادة بسورية. ويتابع الأحداث في مدينته، وينفجر في البكاء عندما يتحدث عن منزله، وأنه لم َيَر عائلته منذ 10 سنوات، وعلى ذراعه وشم يؤرخ للاحتجاجات الأولى في 18 مارس 2011.


الميليشيات المدعومة من إيران تجند شباناً تغريهم برواتب ثابتة، كما يستغل تجار مرتبطون بالأسد وإيران الفقر المدقع في درعا، لشراء الأراضي.

القوات الحكومية المدعومة من روسيا اجتاحت محافظة درعا في أغسطس 2018. لكن رغم ذلك ظلت درعا بعيدة عن السيطرة الكاملة.

يشعر الجمهور أيضاً بالإرهاق من انهيار الاقتصاد في جميع أنحاء سورية، حيث إن التضخم آخذ في التصاعد، وهناك عدد قليل من الوظائف، مع انهيار التجارة، والزراعة، وتدهور البنية التحتية.

طباعة