فرضت نطاقاً من السرية على بعض أنشطتها النووية

أمام إيران سنتان إلى ثلاث سـنوات لإنتاج «رأس نووي»

صورة

علّقت إيران، في الأشهر الأخيرة، التزامها بالعديد من البنود الرئيسة في الاتفاق النووي لعام 2015 مع القوى العالمية، ما قلّص الوقت الذي ستحتاج إليه لإنتاج سلاح نووي. واتخذت إيران خطوات بعيدة عن الاتفاق، رداً على العقوبات الأميركية المفروضة عليها بعد انسحاب الرئيس السابق، دونالد ترامب، من الاتفاقية عام 2018، ما عرّض للخطر مصير هذا الاتفاق، الذي ساعد في رفع العقوبات عن إيران وفتحها أمام الأعمال التجارية مع الغرب.

وقالت إيران، في 23 فبراير، إنها لن تسمح لمفتشي الأمم المتحدة بالوصول اليومي لمنشآتها النووية، أو توفر لهم لقطات أمنية على مدار الساعة لأنشطتها في هذه المواقع. وقررت القوى الأميركية والأوروبية، في الثالث من مارس، منح إيران فرصة أخيرة لبدء التعاون مع تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن أنشطتها النووية، متراجعة عن إدانة إيران رسمياً، وذلك في محاولة لإحياء الدبلوماسية بين واشنطن وطهران.

ويعد حظر عمليات التفتيش النووي هو الإخلال الإيراني الثالث من نوعه للاتفاق منذ ديسمبر، ويجيء في أعقاب إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الدول الأعضاء، في تقرير سري، أن إيران بدأت إنتاج معدن اليورانيوم، وهو مادة حيوية لصناعة الأسلحة النووية. ولأن الفائدة المدنية لمعدن اليورانيوم محدودة للغاية، فقد أثار الكشف القلق بين المسؤولين الغربيين، بشأن ما إذا كانت إيران تستعد لاستئناف العمل لإنتاج سلاح نووي.

في يناير، اتخذت إيران واحدة من أكبر خطواتها حتى الآن، بشأن خرقها لاتفاق 2015، معلنة أنها بدأت تخصيب اليورانيوم بنسبة نقاء 20%، متجاوزة الخط الأحمر الذي حددته سابقاً القوى الأوروبية التي لاتزال طرفاً في الاتفاقية.

ماذا يعني إنتاج إيران معدن اليورانيوم؟

قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 10 فبراير، إن إيران أنتجت كمية صغيرة من معدن اليورانيوم في منشأة تخضع للتفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ربما في مختبر صغير، وفقاً لأشخاص مطلعين على البرنامج النووي الإيراني.

وبالنظر إلى استخدام معدن اليورانيوم في الأسلحة النووية، والحظر المفروض على إيران لإنتاج هذه المادة، فإن إنتاج كميات صغيرة منها يثير تساؤلات حول زعم إيران أنها لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية، وقالت إيران إنها ستستخدم معدن اليورانيوم لإنتاج وقود أكثر تقدماً لمفاعلها البحثي في طهران، لكن الكشف يشير إلى أن إيران تريد إبقاء خياراتها مفتوحة.

ومن المرجح أن يصبح إنتاج معدن اليورانيوم نقطة اشتعال بين الولايات المتحدة وإيران، إذا استأنف الرئيس الأميركي، جو بايدن، المحادثات مع طهران لإعادة الدخول في الاتفاق النووي، ويبدو أن إيران اتخذت هذه الخطوة من أجل التفاوض لعرض وقف الإنتاج كورقة مساومة.

ماذا يعني تخصيب إيران لليورانيوم بنسبة 20%؟

قالت إيران، في أوائل يناير، إنها استأنفت تخصيب اليورانيوم بنقاء 20%، وهو انتهاك خطير آخر للشروط المنصوص عليها في الاتفاق النووي لعام 2015. ويعد اليورانيوم المخصب عنصراً رئيساً في توليد الطاقة النووية المدنية، ولهذا تقول إيران إنها لجأت لهذا التخصيب من أجل هذا الغرض، كما أنه عنصر حاسم في إنتاج اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة النووية.

ويطلب الاتفاق النووي لعام 2015 من إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة لا تتعدى 3.67%، ولايزال مستوى تخصيب إيران لليورانيوم بعيداً عن ذلك المستخدَم في صنع الأسلحة النووية، الذي يتم تخصيبه بنسبة 90%، لكن عند التخصيب بنسبة 20%، فإن الوقت، الذي تحتاج إليه طهران لإنتاج درجة الوقود اللازمة لسلاح نووي، ينخفض بشكل كبير.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع إيران إنتاج سلاح نووي بهذا المخزون؟ إذا كان الأمر كذلك، فكم من الوقت سيستغرق ذلك؟

منذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015 في عام 2018، تراكم لدى إيران مخزون من اليورانيوم منخفض التخصيب يبلغ 2968 كيلوغراماً، أي أكثر من 14 ضعف الكمية المسموح بها، بموجب اتفاق 2015، وفقاً لتقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فبراير 2021.

أقصى نقاء لهذا المخزون الحالي هو 20%، ومع ذلك إذا تم تخصيب المجموع إلى درجة تصنيع الأسلحة (90% مخصب)، فإن إيران سيكون لديها ما يكفي من المواد لإنتاج ثلاثة أسلحة، كما يقول بعض الخبراء، ويختلف الخبراء حول المدة التي ستستغرقها إيران لإنتاج سلاح نووي، ويقدّر بعض المسؤولين الغربيين أن الأمر سيستغرق من إيران سنتين إلى ثلاث سنوات لإنتاج رأس حربي نووي، على افتراض عدم تدخل خارجي، ويعتقد آخرون، مثل مفتش الأسلحة السابق رئيس معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن، ديفيد أولبرايت، أن إيران يمكن أن تجري اختبار تفجير في غضون تسعة أشهر، وتستطيع إنتاج سلاح نووي أساسي في عام، وبعد عامين يمكنها تثبيت رأس حربي على صاروخ باليستي. المجهول الأكبر هو مدى قرب إيران، بناء على أنشطتها السابقة، من بناء رأس نووي وتركيبه على صاروخ، فقد أظهرت غارة إسرائيلية على أرشيف نووي إيراني، عام 2018، أن طهران احتفظت بالكثير من خبرتها في مجال الأسلحة النووية من برنامج أسلحتها السابق.

هل انهار الاتفاق النووي؟

منذ انسحاب إدارة ترامب من الصفقة وعودة العقوبات الأميركية على إيران، كافحت الأطراف المتبقية في الصفقة، خصوصاً المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، لإبقاء الاتفاق على قيد الحياة، ونظراً إلى أن العقوبات الأميركية منعت الدول الأوروبية من تزويد إيران بالمزايا الاقتصادية التي كانت تتوقعها من الصفقة، فقد انتهكت طهران بشكل تدريجي شروطها الرئيسة، ورفعت مستويات تخصيب اليورانيوم، وخرقت القيود المفروضة على مخزونها المسموح به للضغط على الشركاء الأوروبيين في الاتفاق لتخفيف العقوبات.

وقالت إدارة ترامب إنها تحركت لإجبار إيران على التفاوض من أجل اتفاق أمني أوسع، من شأنه أيضاً تقليص الأنشطة العسكرية الإيرانية في الشرق الأوسط وبرنامجها التقليدي للصواريخ الباليستية.

ومع ذلك، تخطط إدارة بايدن للدخول من جديد في الصفقة بمجرد عودة إيران إلى الامتثال، وتم استبعاد إجراء محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، لكن في 28 فبراير قالت إيران إنها لن تدخل في مفاوضات في الوقت الجاري. وبدعم من الولايات المتحدة قررت بريطانيا وفرنسا وألمانيا عدم تقديم قرار لمعاقبة إيران، الذي اقترحته هذه الدول على الدول الأعضاء الأخرى في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على أمل أن تشجع هذه الخطوة إيران على استئناف المحادثات.

كيف يتم تنفيذ صفقة إيران حالياً؟

بموجب الاتفاق النووي، يُسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول الواسع إلى المنشآت النووية الإيرانية للتحقق من الاستخدام المدني لجميع المواد النووية في إيران، ووصل مفتشو الأمم المتحدة لمنشأة فوردو الإيرانية، في يناير، للإشراف على إزالة ختم الوكالة من أسطوانة تحتوي على يورانيوم بنسبة 4.1%. في تلك المرحلة بدأت إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، كما تتمتع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بحق الوصول بموجب البروتوكول الإضافي، إذا اشتبهت في مواقع غير نووية.

إلى أي مدى أثرت الهجمات على المنشآت النووية والعلماء في برنامج إيران النووي؟

بعد مقتل العالم النووي الإيراني البارز، محسن فخر زاده، بهجوم، في نوفمبر، ظلت طهران تلقي باللوم في مقتله على إسرائيل، وأقر المشرّعون الإيرانيون مشروع قانون يسمح للحكومة بالتوقف عن تنفيذ البروتوكول الإضافي، ويمنع القرار الإيراني مفتشي الأمم المتحدة من الوصول إلى مواقع مشبوهة أو مرتبطة بمواقع نووية.

لكن بعد أن سافر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، إلى إيران، في فبراير، وافقت إيران على تخفيف قرارها القاضي بتقليص وصول المفتشين، وسمحت للوكالة بالاستمرار في تلقي معلومات مهمة حول نشاط طهران النووي.

لم يمنع مقتل زاده، العام الماضي، والانفجار الذي وقع، في يوليو، بموقعها النووي الرئيس، نطنز، إيران من تخصيب اليورانيوم أو مواصلة برامج الصواريخ الباليستية، لقد تسبب برنامج إيران النووي في استمرار الهجمات الإلكترونية والتخريب والاغتيالات، لكن المعرفة الكامنة وراء عملها النووي لاتزال راسخة جيداً بين عشرات العلماء، ومع ذلك فقد شكّلت الأحداث تحديات جديدة لطهران.

ويعد زاده أبا برنامج الأسلحة النووية الإيراني في التسعينات وأوائل القرن الـ21، وفقدت إيران بمقتله معرفة لا مثيل لها في مجال القوة النووية، ومن المرجح أن يبطئ ذلك أي سباق نحو صناعة قنبلة نووية.

وأدى الانفجار والحريق في نطنز إلى تدمير قاعة للطرد المركزي، وكشف ثغرات صارخة في أمنها، وقد تدفع الهجمات إيران إلى نقل المزيد من أنشطتها لنطاق السرية، وتنفيذ إجراءات أمنية أكثر صرامة، ما قد يؤدي إلى تعقيدات لوجستية، وإبطاء عملية التخصيب.

ما آفاق الاتفاق الدولي في ظل إدارة بايدن؟

قال الرئيس بايدن إنه يعتزم العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، إذا عادت إيران إلى الامتثال، وطالبت إيران الولايات المتحدة برفع العقوبات، لكنها استبعدت إجراء محادثات قبل ذلك.

إذا أرادت أميركا بالفعل العودة للانضمام إلى الاتفاقية، فمن المتوقع أن تؤدي مجموعة العقوبات الإيرانية والقائمة المتزايدة لانتهاكات الاتفاق النووي إلى تعقيد المفاوضات، ويرى العديد من المسؤولين الإيرانيين أن نكوص إدارة ترامب عن الاتفاق النووي دليل على أنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة، وشددوا على معارضتهم للانخراط حتى مع إدارة جديدة.

وقال جروسي، في مقابلة مع جهات إعلامية، إن إحياء الاتفاق النووي الإيراني يتطلب اتفاقاً جديداً، يحدد كيف ينبغي لإيران أن تعالج انتهاكاتها الأخيرة.

وطرح الاتحاد الأوروبي محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران ومشاركين آخرين في الاتفاق النووي، يوم 18 فبراير، وقالت إيران، يوم 28 فبراير، إنها لن تقبل هذا الاقتراح، ويحذر دبلوماسيون من أن الوقت ينفد الآن لاستئناف الدبلوماسية، قبل أن تجري إيران الانتخابات الرئاسية في يونيو.

هل لدى إيران خيارات أخرى لإنتاج سلاح نووي؟

هناك طريقان لامتلاك سلاح نووي: اليورانيوم والبلوتونيوم، كانت القنبلة التي أسقطتها الولايات المتحدة، عام 1945، على ناجازاكي اليابانية، قنبلة بلوتونيوم، بينما اشتق السلاح المستخدم في هيروشيما قوته التفجيرية من اليورانيوم المخصب، لقد عملت إيران تاريخياً على كليهما، لكن تخصيب اليورانيوم كان الأكثر تقدماً إلى حد بعيد.

كيف أثرت الصفقة في الاقتصاد الإيراني؟

فتح الاتفاق النووي، في البداية، الاقتصاد الإيراني أمام الدول والشركات الأجنبية، ووعد بجلب رأسمال جديد وتكنولوجيا جديدة إلى الجمهورية الإسلامية المعزولة منذ فترة طويلة. ومع ذلك، لم يكن أمام الصفقة سوى القليل من الوقت حتى انسحب ترامب منها، وأعاد فرض العقوبات، وأدت العقوبات الأميركية، منذ 2018، إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران، حيث قلصت العقوبات المفروضة على مبيعات النفط وفرض قيود على النظام المصرفي الإيراني، صادرات البلاد، وحرمتها النقد الأجنبي، ما أدى إلى انهيار عملتها، وتسارع وتيرة التضخم، وأدت تهديدات الولايات المتحدة بمعاقبة أولئك الذين يتعاملون مع إيران إلى ردع المستثمرين المحتملين، وأثرت العقوبات بشدة في المواطنين الإيرانيين العاديين، حيث ارتفعت أسعار منتجات، مثل اللحوم التي أصبحت الآن سلعة فاخرة بالنسبة للكثيرين.


• يرجّح أن يصبح إنتاج معدن اليورانيوم نقطة اشتعال بين الولايات المتحدة وإيران، إذا استأنف الرئيس الأميركي، جو بايدن، المحادثات مع طهران لإعادة الدخول في الاتفاق النووي، ويبدو أن إيران اتخذت هذه الخطوة من أجل التفاوض لعرض وقف الإنتاج كورقة مساومة.

• إذا أرادت أميركا بالفعل العودة للانضمام إلى الاتفاقية، فمن المتوقع أن تؤدي مجموعة العقوبات الإيرانية، والقائمة المتزايدة لانتهاكات الاتفاق النووي، إلى تعقيد المفاوضات.

طباعة