مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. واعتزال ميركل

ماكرون يخطط ليصبح شارل ديغول التالي في أوروبا والعالم

صورة

يسعى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى استنساخ سياسة سلفَيْه الجنرال شارل ديغول في الستينات، وفرانسوا ميتران في الثمانينات، والتي تتمثل في استغلال الأوقات المضطربة، وفَرْض طابع فرنسي على الأحداث. فقد قدم، أخيراً، تفسيرات شاملة - في المؤتمرات والمقابلات والمحاضرات لزملائه القادة - لرؤيته لعالم متعدد الأطراف، ومنظم جيداً مع أوروبا بقيادة فرنسا والتي تعمل كقوة للاعتدال الحميد.

إذا طلبت من رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، أن يشرح لك سياسته الخارجية، فستسمع بعض العبارات البليغة حول تعزيز المصالح البريطانية بطريقة عملية. أما المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، فستضع نهجاً عملياً وواقعياً. وفي المقابل، سيحلل ماكرون بالتفصيل الديكارتي عالم 2021 في سياق التاريخ، ثم يخبرك كيف ستشكل دولته المستقبل.

ويركز ماكرون على فوائد وشرور العالم المترابط والحاجة إلى العمل بشأن تغير المناخ، كأننا نستمع إلى الجنرال الراحل ديغول. ماكرون من المؤمنين بالقوة النووية الفرنسية الديغولية، والتي أشار إلى أنها مستقلة تماماً، على عكس النسخة البريطانية التي تشرف عليها الولايات المتحدة.

القوة العسكرية

وفي خضم سعيه لذلك، طلب صناعة حاملة طائرات جديدة من الجيل التالي، تعمل بالطاقة النووية. ومن وجهة نظره، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي جعل فرنسا هي القوة العسكرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي ذات النفوذ في العالم، والوحيدة في الكتلة التي تتمتع بمقعد يستخدم حق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ويعتبر ماكرون دون منازع القائد الفرنسي الأكثر ثراء فكرياً منذ ميتران، حيث يستخدم القوة الفرنسية بطرق تجعل القادة الأوروبيين الآخرين يشعرون بالحساسية. وفي الأشهر الأخيرة، واجه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وأرسل سفناً حربية وطائرات فرنسية إلى بحر إيجة، وأسلحة إلى اليونان، متحدياً تحركات تركية بشأن استكشاف النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط. ونظم قمة لزعماء البحر المتوسط، لتشكيل جبهة مناهضة لتركيا، دون أن يدعو إليها ألمانيا. وفي هذا الشهر، قال إنه متمسك بملاحظاته التي أدلى بها عام 2019، بأن «الناتو أصبح ميتاً دماغياً». وقال إن «فشله في الوقوف بوجه عضوه التركي المارق، دليل على ذلك».

وتدخل كوسيط في الصراع على السلطة بليبيا، وأعاد إقحام فرنسا في منطقة بلاد الشام القديمة، وانطلق إلى لبنان، الصيف الماضي، لإلقاء محاضرة على القيادة السياسية المنقسمة هناك. وفي الأسبوع الماضي، تحدى التوقعات، ووعد بإبقاء الكتيبة العسكرية الفرنسية، التي يبلغ قوامها 5000 فرد، ضمن حملة ضد المتشددين في منطقة الساحل الشاسعة بغرب إفريقيا، وهي منطقة استعمرتها فرنسا في السابق. بل إنه يبحث عن طريقة لإعادة تأكيد النفوذ الفرنسي في إفريقيا، بالتزامن مع حملة الصين للاستثمار هناك في مبادرة الحزام والطريق. ويقول إنه «واضح تماماً»، بشأن حقيقة أن بكين نظام غير ديمقراطي، يشكل ما يسميه تهديداً «منهجياً» للعالم.

هذا النهج الذي يتبناه ماكرون، والذي يرتكز على السلطة الملكية التي منحتها إياه الرئاسة الخامسة للجمهورية، من شأنه أن يؤلب المشاعر على «الغطرسة الغالية»، نسبة لقومية الغال، التي رسمها الملوك والأباطرة والرؤساء الفرنسيون عبر العصور.

وتشعر دول وسط وشرق الاتحاد الأوروبي بالضيق من تعامله اللطيف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويبرر ماكرون هذه السياسة، التي ليس لها تأثير في سلوك بوتين، على أنها ضرورية لكيلا تنجذب روسيا إلى فلك الصين. كما أن ميركل، وقادة آخرين يشجبون محاولة ماكرون الفاشلة لاستمالة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، للحفاظ على علاقات مفتوحة مع أوروبا، والبقاء في اتفاقات باريس الدولية للمناخ.

يضاف إلى ذلك أن هولندا، والدول الشمالية الأخرى «المقترة في الإنفاق» في الاتحاد الأوروبي، غاضبة من الضغط الفرنسي، من أجل إنفاق أكثر مركزية في الاتحاد الأوروبي. وأن ألمانيا غير راضية عن معارضة ماكرون لعودة الاعتماد الأوروبي على دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بقيادة الولايات المتحدة في عهد الرئيس بايدن. وبالنسبة لماكرون، فإن حتمية الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا، الكامل بقواتها المسلحة وأنظمتها الأمنية، أمر بالغ الأهمية.

وبينما أشاد جونسون بعودة أميركا بصفتها «زعيمة العالم الحر» في قمة افتراضية، الأسبوع الماضي، اتخذ ماكرون الاتجاه المعاكس، وأصر على الإبقاء على مسافة مع واشنطن. وقال: «أنا أدافع عن السيادة الأوروبية، والحكم الذاتي الاستراتيجي، ليس لأنني ضد (الناتو)، أو لأنني أشك في أصدقائنا الأميركيين، لكن لأنني واضح بشأن حالة العالم». وأضاف: «لا يمكن لأوروبا أن تفوض الولايات المتحدة الأميركية، في حمايتها وحماية جيرانها».

نجاحات

وعلى الرغم من المقاومة، فقد حققت فرنسا نجاحات ملحوظة. فقد ملأ ماكرون الفراغ الذي تركته بريطانيا، وذلك بسبب تراجع أميركا تحت حكم ترامب، وبسبب تراخي القيادة الألمانية، بسبب غفوة من ميركل. في مايو الماضي، استطاع ماكرون أن يقنع ميركل، بعد عقود من المقاومة الألمانية لمثل هذه السياسات، وقبلت مقترحات فرنسية للتعامل مع أزمة فيروس كورونا بإصدار مئات المليارات كمخصصات مباشرة للدول الأكثر تضرراً في الاتحاد الأوروبي، وهو تغيير أشاد به الزعيم الفرنسي على أنه تاريخي.

كما أن اقتراح فرنسا لفرض ضرائب على عمالقة التكنولوجيا وتنظيم منصاتهم، يكتسب زخماً. وتمثل جهود ماكرون في هذا الصدد نسخة القرن الحادي والعشرين من نضال ديغول في الستينات من القرن الماضي، ضد «الإمبريالية الثقافية» الأميركية، ما يجعل ماكرون نصيراً لمقاومة شرور وسائل التواصل الاجتماعي، التي تديرها الاحتكارات الرأسمالية الأميركية.

وفي جلسة طويلة مع الأكاديميين بمجلس الأطلسي هذا الشهر، ألقى باللوم على هذه الوسائل في إثارة «العنف والكراهية، وكراهية الأجانب التي عادت مرة أخرى إلى مجتمعاتنا». وقال في هذا الصدد: «من الصعب جداً أن يشعر الكثير من الناس بأن هذا العنف أمر مشروع.. إن قناعتي العميقة هي أن الشبكات الاجتماعية بالتأكيد جزء من جذور هذا التغيير، الذي يعد مرة أخرى تغييراً إنثروبولوجياً».

ويقول إنه من غير المقبول أن تمتلك الشركات الخاصة، التي «ساعدت الرئيس ترامب، ليكون فعالاً للغاية» سلطة غير مقيدة لعزله. وفي رأيه إن مصير الديمقراطية أصبح على المحك، ويجب أن يخضع عمالقة الإنترنت للتنظيم. وقال «إن هذا التنظيم الجديد بطريقة معينة، يجب أن يكون ديمقراطياً، وأن تتم مناقشته بين قادتنا».

وينفجر ماكرون، أحياناً، ضد «التقاليد الأنغلو سكسونية، القائمة على تاريخ مختلف، هو ليس تاريخنا»، ويصر على أنها غريبة عن نموذج المساواة العالمية، الذي تطرحه فرنسا للعالم. وبصرف النظر عن عالم الأفكار والقوة الناعمة الهائلة لفرنسا، يواصل ماكرون، وهو أول زعيم فرنسي حديث يتحدث الإنجليزية بطريقة جيدة، مساعيه لتحويل الاتحاد الأوروبي إلى قوة ذات سيادة - بقيادة فرنسية بالطبع. وجاء سرد صريح للغاية لاستراتيجيته من وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية، كليمان بيون، البالغ من العمر 39 عاماً، وصديق ماكرون المثقف، والذي كان سابقاً مستشاره لأوروبا في قصر الإليزيه.

لقد حققت باريس هدفها في الاتحاد الأوروبي، من خلال خطة على مدار العامين الماضيين، حسبما كتب بيون في مجلة المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية. وشمل ذلك تعيين أورسولا فون دير لاين، وهي ألمانية فرنسية، كرئيسة للمفوضية، وكريستين لاغارد، وهي فرنسية، كرئيسة للبنك المركزي الأوروبي، وتشارلز ميشيل، البلجيكي الناطق بالفرنسية، كرئيس للمجلس الأوروبي. وكتب بيون «دون هذا الإطار المؤسسي، كانت الاستجابة الاقتصادية لأزمة (كوفيد)، ستبقى حلماً فرنسياً». وأضاف خبير أوروبا بأمانة ملحوظة: «تريد فرنسا أكثر من أي دولة أوروبية أخرى أن يكون لها تأثير عالمي، سواء لمصالحها الخاصة، أو عن قناعتها بذلك». ويضيف: «منذ عام 1950، تنظر فرنسا إلى أوروبا باعتبارها قوة رافعة، لكن فرنسا أصيبت بخيبة أمل لأن أوروبا لم تشارك فرنسا بشكل كامل في حماسها بذلك».

- على الرغم من المقاومة، فقد حققت فرنسا نجاحات ملحوظة. فقد ملأ ماكرون الفراغ الذي تركته بريطانيا، وذلك بسبب تراجع أميركا تحت حكم ترامب، وبسبب تراخي القيادة الألمانية بسبب غفوة من ميركل. في مايو الماضي، استطاع ماكرون أن يقنع ميركل، بعد عقود من المقاومة الألمانية لمثل هذه السياسات، وقبلت مقترحات فرنسية للتعامل مع أزمة فيروس كورونا، بإصدار مئات المليارات كمخصصات مباشرة للدول الأكثر تضرراً في الاتحاد الأوروبي، وهو تغيير أشاد به الزعيم الفرنسي على أنه تاريخي.

- تدخل ماكرون كوسيط في الصراع على السلطة في ليبيا، وأعاد إقحام فرنسا في منطقة بلاد الشام القديمة، وانطلق إلى لبنان الصيف الماضي، لإلقاء محاضرة على القيادة السياسية المنقسمة هناك.

وفي الأسبوع الماضي، تحدى التوقعات، ووعد بإبقاء الكتيبة العسكرية الفرنسية، التي يبلغ قوامها 5000 فرد، ضمن حملة ضد المتشددين في منطقة الساحل الشاسعة بغرب إفريقيا.

طباعة