الظروف تبدو ملائمة لظهور بوتين صانعاً للسلام في الشرق الأوسط

بوتين يلقي كلمة في قاعدة حميميم أمام القوات الروسية. أرشيفية

لأكثر من نصف قرن من الزمن ظل الكرملين يتعامل مع عائلة الرئيس بشار الأسد في سورية، وكانت البداية مع الرئيس حافظ الأسد، ومن ثم مع ابنه الرئيس الحالي بشار. ولا أحد يشك بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستعد لتقديم المساعدة للرئيس بشار الأسد حتى النهاية.

ومع ذلك، فإن العلاقات بين الرئيسين بوتين والأسد، لا تفسر تماماً الأحداث الغامضة التي جرت أخيراً. فهناك على سبيل المثال، التوسع الروسي السريع للقاعدة الروسية العسكرية في حميميم، في مدينة اللاذقية. وقدمت الحكومة السورية مزيداً من الأراضي لروسيا العام الماضي وتم توسيع القاعدة، وإنشاء مدرج آخر للطيران مناسب لاستقبال القاذفات الاستراتيجية. وتضم حميميم الآن وحدة اعتراض إشارات الاستخبارات الأجنبية، وحظائر مسلحة تقي عشرات الطائرات من هجمات الطائرات بلا طيار. ولكن من سيحتاج إلى قاذفات استراتيجية في الوقت الذي أصبحت فيه الحرب الأهلية في سورية في أهدأ أوقاتها منذ عقد من الزمن.

وهناك لغز آخر مفاده أن بوتين ساعد في التوسط لتبادل الأسرى بين سورية وإسرائيل. حيث تم تبادل اثنين من رعاة الغنم مقابل امرأة إسرائيلية. وجاءت مساعدة بوتين مقابل ثمن، فقد اشترت إسرائيل 1.2 مليون جرعة لقاح سبوتنك ضد فيروس كورونا من أجل توزيعها في سورية.

ويبدو أن بوتين يكبر دوره في الشرق الأوسط باعتباره لاعباً قوياً، حيث يستغل الفجوة الناجمة عن انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة. وأدى انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، والتدخل الروسي العسكري عام 2015 إلى ترجيح كفة الرئيس الأسد في الحرب الأهلية الدائرة في سورية.

ومن المؤكد أن الرئيس بوتين كان يقول لنفسه عندما يستيقظ يومياً خلال وجود أزمة في الشرق الأوسط «ما الذي يمكن أن يفعل يفغيني ماكسيموفتش في مثل هذا الموقف»، وهو يقصد يفغيني بريماكوف، المستعرب الذكي الذي عمل في تسعينات القرن الماضي رئيساً للمخابرات الروسية، ووزيراً للخارجية، ورئيساً للحكومة. وبعد نهاية الحرب الباردة أوضح بريماكوف أن السؤال المطروح أمام روسيا ليس أن تكون جزءاً من أوروبا أو لا، وإنما كيف يتعين عليها العمل من أجل مواجهة السيطرة الأميركية. وهذا يعني تشكيل تحالفات عملية تمنع تقدم الولايات المتحدة في منطقة يمكن اعتبارها مجال نفوذ روسيا الطبيعي. وخلال وجود بريماكوف في السلطة، رسخت روسيا نفسها مصدراً كبيراً للأسلحة، وركزت على تلك الدول المنزعجة من الوجود الضخم للأميركيين على الأراضي العراقية.

ومرة أخرى يقوم بوتين بفتح صفحة أخرى من كتاب معلمه الراحل. وحوّل دعمه العسكري للرئيس الأسد إلى وجود دائم في سورية، ليس مجرد قاعدة جوية وسيطرة على الجو فحسب وإنما كميناء على المياه الدافئة في مدينة طرطوس. وعندما تصبح سورية في حالة سلام، ستطالب روسيا بأن يكون لها رأي أكبر، في أزمات شرق المتوسط. وستظهر موسكو تحدياً كبيراً لطموح تركيا بأن تكون القوة المهيمنة على الشرق الأوسط.

وفي العودة إلى عام 2007، أرسل بوتين بريماكوف إلى دمشق للوقوف على ما إذا كان هناك مجال لسلام في الشرق الأوسط بقيادة روسيا. وكان الأسد يجري مفاوضات حذرة مع إسرائيل بشأن مرتفعات الجولان. ووصلت هذه المفاوضات إلى طريق مسدود، وكان الجميع، بمن فيهم الرئيس الفرنسي في حينه نيكولاي ساركوزي، يعتقدون أن الرئيس الأسد سيتحول إلى حليف للغرب وليس لروسيا. ولكن ذلك لم يحدث أيضاً. وظلت فكرة هيمنة روسيا على الشرق الأوسط تراود بوتين. ماذا إذا تم إقناع إيران بالانسحاب من سورية، وفي المقابل تتخلى إسرائيل عن مرتفعات الجولان؟

ولو أن بريماكوف لايزال حياً لربما قال لبوتين «انسَ الأمر»، لأنه ليس هناك أي مبرر لتخلي إيران عن موطئ قدم لها في سورية، خصوصاً في وجود المرشد الإيراني علي خامنئي، كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن ينسحب من الجولان وهو على أبواب انتخابات.

ولكن يبدو أن بوتين قد شم رائحة فرصة من أجل السلام، ويتضح ذلك من اللقاءات التي يقوم بها موظفوه في قاعدة حميميم. ولكن ذلك لن يكون كافياً لجعل الجميع يأملون نزع فتيل جميع أزمات المنطقة، وهذه فرصة، وإن كانت بعيدة الاحتمال، لظهور بوتين صانعاً للسلام في الشرق الأوسط.

روجر بويس: صحافي بريطاني


- لا أحد يشك بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستعد لتقديم المساعدة للرئيس السوري بشار الأسد حتى النهاية.

طباعة