نتيجة تسييس القضاء

اغتيال الناشر لقمان سليم يضيف جريمة أخرى في لبنان بلا حل

صورة

عمليات الاغتيال التي تمر دون حل أو عقاب تعتبر هي المعيار في لبنان. وكانت جريمة مقتل الناشر والناشط اللبناني لقمان سليم  (58 عاماً)، التي وقعت قبل أيام، حيث وجد الرجل مقتولاً في سيارته، ليست استثناء عن هذا المعيار.

واجتمعت عائلة سليم وأصدقاؤه في منزله من أجل تأبينه في 11 فبراير الجاري، حيث كان يوجد بعض التكهن باحتمال تورط «حزب الله» اللبناني في مقتل لقمان، إذ إن هذا الرجل المفكر العام كان يوجه انتقادات للحزب، على الرغم من أنه من الطائفة المسلمة الشيعية. ولد لقمان في حارة حريك، وهي ضاحية جنوبية لبيروت، تقع تحت سيطرة «حزب الله»، وظل يعيش هناك إلى حين مقتله. ولكن المجتمع اللبناني المقسم، وسياسة لبنان الطائفية، كانت تضمن أنه لن تكون هناك محاسبة لجرائم القتل. وقال المدير التنفيذي لـ«مبادرة الإصلاح العربية» الفكرية المستقلة، نديم حوري، وهو أيضاً صديق سليم: «الثقة بالنظام القضائي المحلي معدومة، إذ إنه لم يتمكن من حل جريمة اغتيال سياسية واحدة». وأضاف «العاملون في هذا النظام القضائي مدينون لوجودهم في هذا العمل للنظام الطائفي. وهم لا يغوصون إلى الأسباب الحقيقية للاغتيالات التي تتم لأسباب سياسية».

وكان أنصار «حزب الله» قد هددوا سليم سابقاً، ما دفعه في ديسمبر 2019 لإصدار بيان يؤكد على أن قيادة الحزب، إضافة إلى الجيش اللبناني، مسؤولون عن سلامته الشخصية. ولمحت شقيقته، رشا الأمير، إلى تورط الحزب في اغتيال أخيها، في حين أن آخرين وجهوا التهمة إلى الحزب صراحة. وبعد وقت قصير من اكتشاف جثة سليم في جنوب لبنان، نشر أحد أبناء زعيم «حزب الله»، حسن نصر الله، تغريدة بدت أنها إشارة إلى مقتل سليم، تقول «غير مأسوف عليه»، قبل أن يتم محو التغريدة.

السبب غامض

ولكن حتى الآن لايزال من غير الواضح السبب الأساسي الذي أدى إلى عملية الاغتيال، إذ إن سليم كان ينتقد «حزب الله» منذ سنوات عدة. وأشارت مقالة ظهرت على موقع محطة تلفزيون العربية، إلى أن سليم كان يساعد عضواً في «حزب الله» على الانشقاق عن الحزب، ولكن الكاتب الذي كتب المقالة لم يقدم تفاصيل أكثر عندما اتصلت به مجلة «فورين بوليسي». وقال متحدث باسم قوات الأمن اللبنانية، إنه ليس لديه أي معلومات حول التحقيق حتى الآن.

وقال حوري «صراحة لا أدري سبب توقيت هذا الاغتيال، فهل تجاوز لقمان الخط الأحمر؟ لا أدري، إلا أن اغتياله يعتبر كارثة، ولكن من يجب عليه الإجابة عن كل الأسئلة هي السلطات الحكومية، ولكن في غياب التحقيق، يتشكل لدينا وضع يطرح فيه كل شخص نظريته».

وقبل أيام صادف في لبنان الذكرى المئوية لاغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في بيروت عام 2005، وهي جريمة نجمت عن انفجار سيارة مفخخة، إضافة إلى اغتيال محقق لبناني كان يشرف على القضية عام 2008. واستغرقت محكمة دولية تحت رعاية الأمم المتحدة أكثر من عقد من الزمن، وأدانت عدداً من أعضاء «حزب الله» غيابياً نهاية العام الماضي، ولكن نصر الله أكد على الملأ أن حزبه يرفض نتائج المحكمة، ولن تتم معاقبة أحد على الجريمة.

الجريمة 13

ويأتي اغتيال سليم باعتباره جريمة القتل الـ13 من نوعها منذ مقتل الحريري، إضافة إلى ضحايا آخرين، بمن فيهم السياسيون والصحافيون، والمسؤولون الأمنيون. وكانت المحكمة الدولية لاغتيال رفيق الحريري هي الوحيدة التي أدانت الفاعلين. وقال حوري «لقد كان سليم ضد حزب الله علناً، وكان ضد الطبقة الحاكمة، وكان دائماً يطالب بمزيد من الحرية، وكان يطالب الشيعة المستقلين بأن يكونوا قادرين على العمل لتحقيق ذلك».

ومما أسهم في زيادة التوترات، قيام أحد رجال الدين الشيعة بعد قراءته لنعي سليم، بنشر مقطع فيديو في وقت لاحق من اليوم ذاته، يعتذر فيه عن مشاركته في جنازته، وادعى أنه لم يكن يعرف من هو الميت عندما شارك في الجنازة، وتضمن مقطع الفيديو تعهد رجل الدين الشيعي بدعم «حزب الله».

وإضافة إلى أن سليم كان ناشراً، فقد كان مخرج أفلام، وصانع أرشيف، ومفكراً عاماً. وكان يدير منظمة غير حكومية، يطلق عليها «أُمام برودكشنز»، إضافة إلى قاعة فنية يطلق عليها «الهنغار» مقامة على أراضٍ تابعة لمنزل عائلته.

ودعت عائلة سليم إلى إجراء تحقيق شامل في اغتياله، في حين قال آخرون إن الطريقة الوحيدة لتحقيق العدالة له هي إجراء تحقيق مستقل عن طريق طرف دولي.

وقال حوري «ثمة أهمية قصوى لحماية الناشطين، إذ يعيش لبنان لحظة فارقة في تاريخه، كما أنه في حالة سقوط حر، ومعركة غير متعادلة من أجل الحالة الانتقالية التي تجري الآن، ويجب أن تكون القوى التي تأمل في التغيير، ونقل الدولة إلى مكان أفضل، قادرة على التعبئة، والعمل والذهاب لمقابلة الناس، وهذا هو الأمر المخيف بشأن اغتيال لقمان. وأنتم تريدون إسكات الأصوات الشيعية المستقلة، ولكن الشعب برمته يشعر بأنه ليس هناك من يقدم له الحماية».

وألقى خبر اغتيال سليم بظلاله على الاحتجاجات التي كانت مخططة بمناسبة مرور ستة أشهر على انفجار ميناء بيروت، وهي حادثة لم يتم حتى الآن محاسبة أحد عنها. وعلى الرغم من أن المسؤولين الحكوميين وعدوا في البداية بإجراء تحقيق في الحادثة، التي شهدت انفجار آلاف الأطنان من مادة الأمونيوم التي كانت مخزنة بصورة غير مناسبة في ميناء بيروت، وسط مدينة بيروت، ونجم عنها مقتل نحو 200 شخص، وتوقف التحقيق في الموضوع في ديسمبر 2020، عندما حاول القاضي الذي يترأس التحقيق توجيه الاتهام إلى رئيس الحكومة السابق إضافة إلى مسؤولين اثنين في الحكومة.

وكان ذلك مثالاً آخر على تسييس القضاء. وقال مخرج الأفلام والناشط اللبناني، لوسيان بورجيلي «في ذلك اليوم، كان من المفروض أن تجري الاحتجاجات أمام مباني وزارة العدل، في جميع أنحاء لبنان، ولكن في الساعة التاسعة صباحاً، انتشرت أخبار اغتيال لقمان، وبالطبع فإن هذا الاغتيال ينطوي على الكثير من النتائج السلبية. ومن هذه اللحظة لم نعد قادرين على توقع ما سيحدث في الأيام المقبلة، ونحن لا ندري الآن من هو الشخص الذي سيتم قتله لاحقاً، ونخشى حدوث موجة من الاغتيالات السياسية».

انهيار اقتصادي

جاء مقتل سليم لقمان في وقت يعاني فيه لبنان انهياراً اقتصادياً، أدى إلى خسارة العملة اللبنانية 80% من قيمتها. واستمرار حركة احتجاجية بدأت في نهاية عام 2019 ضد سوء إدارة الطبقة الحاكمة لجميع جوانب الحكم، على الرغم من أن هذه التظاهرات أصبحت الآن أصغر، كما أنها واجهت قوات أمنية أكثر وحشية من قبل المسؤولين الأمنيين. وعلى بُعد بضعة أميال عن منزل سليم ومكان التأبين، نظّم ناشطون اعتصاماً للمطالبة بإطلاق سراح الذين تم اعتقالهم خلال الاحتجاجات الأخيرة.

ديفيد إندرز: صحافي أميركي يغطي الشرق الأوسط ومقره بيروت


حتى الآن لايزال من غير الواضح السبب الأساسي الذي أدى إلى عملية لقمان سليم ، إذ إنه كان ينتقد «حزب الله» منذ سنوات.

اغتيال سليم يعد جريمة القتل الـ13 من نوعها منذ مقتل الحريري، إضافة إلى ضحايا آخرين، بمن فيهم السياسيون والصحافيون، والمسؤولون الأمنيون.

طباعة