شحذ تجربته في مصنع القرار

وزير الخارجية الأميركي يطمح إلى عودة بلاده قائداً أخلاقياً للغـــرب

صورة

يعتقد البعض، للوهلة الأولى، أن وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، يفتقر إلى بريق شهرة أسلافه وزراء الخارجية الذين مثلوا علامة سياسية بارزة، مثل هيلاري كلينتون، أو جون كيري، اللذين سبق لهما أن خاضا الانتخابات الرئاسية، أو عباقرة ماكرين مثل هنري كيسنجر، الذي لايزال ضميره مثقلاً بمقتل آلاف المدنيين في فيتنام وكمبوديا، ومع ذلك تمكن من الحصول على جائزة نوبل للسلام. فبالمقارنة مع هؤلاء، يبدو بلينكن، مثل بيروقراطي هادئ، نحيل أشيب، أصبح معروفاً للجمهور فقط عندما قضت وحدة من القوات الخاصة الأميركية على زعيم تنظيم «القاعدة» السابق، أسامة بن لادن، في 2 مايو 2011.

سلالة كبار الدبلوماسيين

وفي ذلك الوقت، انتشرت صور الرئيس السابق الأميركي، باراك أوباما، حول العالم وهو يشاهد الحدث على شاشة مع موظفيه في غرفة العمليات في البيت الأبيض. ويمكن رؤية رجل يرتدي قميصاً أزرق في الخلفية، هذا الرجل هو بلينكن، الذي كان مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس آنذاك، جو بايدن.

إلا أن بلينكن يمثل «سلالة» من كبار الدبلوماسيين الأميركيين الذين لم يحظوا بفرصة في ظل الرئيس السابق، دونالد ترامب، على الرغم من كونه جزءاً من مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن. فقد عيّن ترامب في البداية المدير التنفيذي لقطاع النفط، ريكس تيلرسون، ثم اختار فيما بعد صقر السياسة الخارجية، مايك بومبيو، الذي تسبب في نضوب معين وزارة الخارجية من الكوادر ذات الخبرة. وتتمثل مهمة بلينكن الآن في استعادة ليس فقط أهمية المنصب، ولكن أيضاً أهميته لبلاده.

وهناك الكثير مما يوحي بأنه يمكن أن يترك بصمة على العالم أكثر من أسلافه القريبين. ويبدو أن تعيينه جاء لأنه يتمتع بثقة بايدن الراسخة. ومع تعيين بلينكن سيجد بايدن إلى جانبه وزير خارجية خدم لمدة 20 عاماً تقريباً، أولاً كرئيس للموظفين في مجلس الشيوخ، ثم في البيت الأبيض لاحقاً. ويقول العضو الجمهوري الذي خدم في عهد جورج دبليو بوش، لينكولن بلومفيلد، والذي عزف مع بلينكن في فرقة تُدعى تحالف الإرادة: «جميع من يلتقون به حول العالم سيثقون بالفعل بأنه يمثل رئيسه خير تمثيل».

ثقة متجذرة

ولا يحظى مهندس الدبلوماسية الأميركي الجديد بدعم الرئيس فحسب، بل يتمتع أيضاً بثقته في تشكيل السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وتتجذر هذه الثقة من سنوات الخبرة التي اكتسبها هذا الرجل خلال فترة رئاسة أوباما. ففي ذلك الوقت، كان مجلس الأمن القومي، وليس وزارة الخارجية، هو مركز صنع القرار. الآن، أوكل بايدن هذه المسؤولية لرجل مازال يؤمن بأميركا التي يعتقد الكثيرون أنها اختفت منذ فترة طويلة.

وقال بلينكن خلال جلسة الاستماع أمام مجلس الشيوخ في منتصف يناير الماضي: «لاتزال قيادة أميركا للعالم مهمة، فالحقيقة هي أن العالم لا يستطيع تنظيم نفسه بنفسه». ورغم كل الكوارث والعثرات في السياسة الخارجية الأميركية على مدى العقود الماضية، ورغم الحرب التي لا نهاية لها في أفغانستان، ورغم كارثة العراق، يعتقد بلينكن أنه لا يمكن أن يكون هناك نظام من دون الولايات المتحدة، وأن مسؤولية بلاده تتمثل في حمل علم الديمقراطية والحرية.

وتعتبر حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم قضية كبيرة بالنسبة لبلينكن. وبالعودة إلى افتتاحية كتبها هو في صحيفة «واشنطن بوست» قبل عامين، بدا وكأنه يحاسب ترامب، عندما حذر من حقبة جديدة من الانعزالية. ويعتبر مقال الرأي الذي كتبه ليس فقط هجوماً عنيفاً، ولكنه كان وسيلة لفرض نفسه سياسياً. كتب بلينكن أنه كان «من الصواب أن تتبنى الولايات المتحدة تحالفات، ومنظمات دولية، بعد أهوال الحرب العالمية الثانية، لكن من الخطأ أن تعتمد فقط على قوى الإقناع التي تتميز بها دبلوماسيتها»، وأكد أن «الكلمات وحدها لن تثني (الرئيسين الروسي والصيني) فلاديمير بوتين وشي جين بينغ في هذا العالم».

كان الشخص الذي شاركه كتابة المقال، وهو المحلل، روبرت كاغان، على الأقل مثيراً للاهتمام مثل مقال الرأي نفسه، وهو أحد أذكى مفكري السياسة الخارجية في واشنطن، وإن كان مثيراً للجدل. فقط ظل كاغان من أشد المؤيدين لحرب العراق، ولايزال يعتبر حتى اليوم رئيساً لمدرسة فكرية للمحافظين الجدد تميل لفرض الديمقراطية وفرض سيادة القانون بالقوة إذا لزم الأمر.

في مقالهما المشترك، وضع بلينكن وكاغان قائمة بالنجاحات التي حققها الجيش الأميركي منذ التسعينات. وكتبا: «لقد طردنا صدام حسين من الكويت، وأزلنا دكتاتوراً يعمل في تجارة المخدرات في بنما، وجلبنا السلام إلى البلقان بأقل عدد من الضحايا الأميركيين؛ وبعد ذلك قضينا على أسامة بن لادن».

الحرب لم تكن مضللة

وفي المقال أيضاً، يجادل بلينكن وكاغان بأن حرب العراق لم تكن مضللة في الأساس، حيث أشارا بدلاً من ذلك إلى الاستنتاجات الخاطئة التي تم استخلاصها منها، لاسيما عندما يتعلق الأمر بسورية «من دون استخدام القوة المناسبة، لا يمكن التفاوض على سلام، ناهيك عن فرضه. واليوم، نرى العواقب، على مئات الآلاف من المدنيين القتلى، وعلى ملايين اللاجئين الذين زعزعوا استقرار أوروبا، وفي النفوذ المتزايد لروسيا وإيران وحزب الله».

وتوضح الكتب التي كتبها كاغان، مراراً وتكراراً، اقتناعه بأن أوروبا ليس لديها القدرة لتتطور إلى قوة عالمية، وإنما الولايات المتحدة وحدها هي القادرة على الحيلولة دون غرق العالم في الفوضى. وكتب كاغان في أحدث كتاب له بعنوان «الغابة أصبحت سوداء»: «الخيار الحقيقي الذي نواجهه ليس بين الخير والشر، بل بين السيئ والأسوأ»، و«بين الحفاظ على النظام العالمي الليبرالي، مع كل ما يترتب على ذلك من تكاليف معنوية ومادية، أو أن نتركه ينهار لنتعرض للكوارث التي تتبع ذلك». تم ترشيح زوجة كاغان، فيكتوريا نولاند، للتو لمنصب وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية.

تحوّل خطاب بلينكن ليصبح أكثر دبلوماسية مع إطلاق بايدن حملته الرئاسية، لأنه يعلم أن نوع التدخل الإنساني الذي يدعمه في مقاله، والذي شاركه فيه كاغان، لا يثير استياء الحزب الجمهوري فقط، وإنما أيضاً معظم الديمقراطيين الذين فقدوا شهيتهم في المشاركة على نطاق واسع في الخارج، مدركين أن الأميركيين قد سئموا الصراع، ويعتقدون أن الوقت قد حان للولايات المتحدة لمعالجة مشكلاتها.

في عام 1971، انتقل بلينكن مع والدته جوديث بلينكن إلى باريس، لكن لم تكن باريس في ذلك الوقت ترحب بالأميركيين بشكل خاص. حيث استهدفت الاحتجاجات الطلابية في باريس في ذلك الوقت الولايات المتحدة وحرب فيتنام، التي كان الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون يغذي أوارها بوحشية شديدة في ذلك الوقت. وانتشرت صور الحرب في كل مكان، بما في ذلك صور الأطفال الفيتناميين المصابين بحروق مروعة وهم يفرون من قراهم.

عندما عاد بلينكن إلى الولايات المتحدة، درس القانون في جامعة هارفارد، وجرّب في البداية حظه في ممارسة إنتاج الأفلام والكتابة في المجلة اليسارية «ذي نيو ربيبليك»، لكنه سرعان ما تحول إلى السياسة. وفي عام 1993، أصبح كاتب خطابات السياسة الخارجية في البيت الأبيض في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون.

بيان للعمل

كانت أكثر قضايا السياسة الخارجية إثارة للصدمة في ذلك الوقت هي الإبادة الجماعية في رواندا، التي ظلت الولايات المتحدة تراقبها من بعيد لأسابيع عدة، حيث تعرض 800 ألف شخص للقتل. وقال الرئيس بيل كلينتون في وقت لاحق إن فشله في التدخل كان زلة كبيرة خلال فترة رئاسته.

كما أثبتت حرب البوسنة أنها أكثر أهمية بالنسبة لبلينكن. هنا أيضاً، تردد كلينتون لبعض الوقت. لكن عندما سقطت قذيفة في سوق مزدحمة في مدينة سراييفو المحاصرة في أغسطس 1995، ما أسفر عن مقتل أكثر من 30 مدنياً، وافق الرئيس أخيراً على قصف المواقع الصربية لوقف مذبحة مسلمي البوسنة. بعد ثلاثة أشهر، انتهت الحرب باتفاقات دايتون. ومثل هذا آخر نجاح كبير للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وبالنسبة لبلينكن، فقد كان بياناً بالعمل لما يمكن أن تفعله بلاده عندما تتناسق الدبلوماسية والقوة العسكرية.

يقول بلومفيلد إنه من السهل جداً وصف بلينكن بـ«المتدخل»، لأنه «يعتقد أن للولايات المتحدة دوراً مهماً للغاية في التمسك بالمعايير، ولكن أيضاً في مساعدة العالم على التنسيق بين الدول ذات التفكير المماثل للحفاظ على الأعراف».

هذا وحده كافٍ لتمييزه عن سلفه مايك بومبيو، الذي هو مثل ترامب، لم تكن له فائدة تذكر للتحالفات أو الشركاء، وبدلاً من ذلك ركز بشكل كامل على المصالح الأميركية. ولهذا السبب، سيبذل بلينكن قصارى جهده لإزالة العقبات التي خلفتها إدارة ترامب. وقال بلينكن في أول يوم عمل له وزيراً للخارجية: «العالم يراقبنا الآن باهتمام، إنه يريد أن يرى ما إذا كان سيقتدي بقوة نموذجنا». والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما مدى اهتمام حلفاء أميركا السابقين بأن تتولى أميركا قيادتهم مرة أخرى؟

خلال حملته الانتخابية تصرّف بايدن باستمرار كما لو كان ترامب مجرد شذوذ تاريخي. لكن في يوم الانتخابات، حصل ترامب على أكثر من 74 مليون صوت، بزيادة 11 مليوناً عما حصل عليه في عام 2016. ولم تظهر من الجمهوريين أي مؤشرات على أنهم يخططون للتخلي عنه. ويخشى العديد من الأوروبيين من أن يكون بايدن مجرد فصل مؤقت قبل أن يتم التصويت على الشعبوي التالي في البيت الأبيض. ويقول بلومفيلد: «أعتقد أنه يمكن الاعتماد على بلينكن، ولكن أولاً وقبل كل شيء، عليه القدوم إلى أوروبا والاستماع إلى هذه الآراء». عليه أن يسمع من شركاء أميركا ويدعهم يشرحون له ما يفكرون فيه حقاً.


• قال بلينكن في أول يوم عمل له وزيراً للخارجية: «العالم يراقبنا الآن باهتمام، إنه يريد أن يرى ما إذا كان سيقتدي بقوة نموذجنا».

• لا يحظى مهندس الدبلوماسية الأميركي الجديد بدعم الرئيس فحسب، بل يتمتع أيضاً بثقته في تشكيل السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وتتجذر هذه الثقة من سنوات الخبرة التي اكتسبها هذا الرجل خلال فترة رئاسة أوباما. ففي ذلك الوقت، كان مجلس الأمن القومي، وليس وزارة الخارجية، هو مركز صنع القرار.

• خلال حملته الانتخابية تصرّف بايدن باستمرار كما لو كان ترامب مجرّد شذوذ تاريخي. لكن في يوم الانتخابات، حصل ترامب على أكثر من 74 مليون صوت، بزيادة 11 مليوناً عما حصل عليه في عام 2016، ولم تظهر من الجمهوريين مؤشرات إلى أنهم يخططون للتخلي عنه.

طباعة