لم يوصِ باعتذار عن مجازر فرنسا

تقرير ماكرون.. محــاولة لتبييض ماضي الإمبـراطورية الدامي في الجزائر

صورة

خسرت فرنسا الحرب الجزائرية لكنها مازالت تتحكم في رواية التاريخ، بينما ترفض الاعتذار أو دفع تعويضات للجزائريين، القول المأثور بأن التاريخ يكتبه المنتصرون أصبح عكس هذا المعنى في حالة حرب الاستقلال الجزائرية، والمشروع الإمبراطوري الذي سبق ذلك.

فعلى الرغم من استقلال الجزائر عن فرنسا، إلا أن المستعمر المهزوم لايزال يسعى لتحريف تاريخ الأمة، وفي الواقع، تزامناً مع الذكرى الـ60 للهزيمة الساحقة لفرنسا عام 1962، فإن هذه الدولة، المسؤولة عن واحدة من أكثر الأحداث إثارة للاشمئزاز في التاريخ الاستعماري، مصممة على تحريف سرد تاريخ الأمة الجزائرية، وتحقيقاً لهذه الغاية أصدرت إدارة الرئيس، إيمانويل ماكرون، قبل أيام، تقريراً جديداً عن الاستعمار والحرب الجزائرية، واعتمدت بحزم رواية من جانب واحد تدعم ادعاءاتها، ويحاول هذا التقرير تفسير أسباب الاضطراب في العلاقة بين الجزائر وفرنسا، ويقدم مقترحات لتعزيز العلاقات الدبلوماسية الجزائرية، بدءاً من معلومات عامة جيدة حول الاستعمار، إلى إعادة القطع الأثرية المنهوبة إلى الجزائر.

التقرير مثير للجدل بشكل كبير لأنه فشل في التوصية بـ«اعتذار»، وعلى الرغم من فقدان فرنسا لجوهرة إمبراطوريتها بعد أكثر من قرن من القهر المميت، بما في ذلك الجرائم المتواصلة ضد الإنسانية، يبدو أن الفرنسيين لا يعتقدون أنهم كانوا همجيين بما يكفي لإظهار أي ندم.

لا ندم أو اعتذار

لن ننسى استخدام النابالم وغرف الغاز التي قضت على المدنيين، ومذبحة المحتجين الجزائريين في البلدات والمدن، بما فيها باريس، والتعذيب الممنهج، والإرهاب الذي تقوم به منظمة سرية مسلحة قومية متطرفة، مكونة من ضباط الشرطة والجيش الفرنسيين المعارضين لتحرير الجزائر. عند تقديمه للوثيقة الجديدة، المكونة من 146 صفحة، ظل المتحدث باسم ماكرون مصرّاً على أنه «لن يكون هناك أي ندم أو اعتذار»، كان الغرض السياسي الصريح من هذا البيان، ظاهرياً، هو الحيلولة دون استخدام التاريخ لمزيد من الانقسام، لكن ذلك في الواقع يسمح لفرنسا بالتهرب من المسؤولية.

الملف الشخصي لمؤلف التقرير الذي عينه ماكرون، يكشف حقيقة كون التقرير أحادي الجانب. المؤرخ بنجامين ستورا أكاديمي مقره في باريس، وليس الجزائر العاصمة، علاوة على ذلك فهو ينحدر من عائلة هربت من الجزائر مع مئات الآلاف من المستعمرين الأوروبيين عام 1962، ومثلها مثل جميع المستوطنين من أصل أوروبي، الذين كان يبلغ عددهم المليون تقريباً، الذين عُرفوا باسم «الأقدام السوداء»، اضطرت عائلة ستورا في النهاية إلى الفرار لفرنسا هرباً من أفراد المجتمعات الأصلية العربية والأمازيغية، الذين مازالوا يسكنون الجزائر حتى يومنا هذا.

وعلى الرغم من هذا الماضي الأسود، اعتبر ماكرون أن ستورا هو الباحث المناسب لإلقاء الضوء على موضوع لايزال يؤثر في أولئك الذين يعيشون في أكبر دولة بإفريقيا من حيث المساحة، والشتات الذي يقدر بنحو 800 ألف مهاجر في فرنسا، وتضمن اختصاص ستورا أيضاً المساعدة في تحقيق «المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري»، لكن وفقاً للأدلة من غير المرجح تحقيق هذا الهدف.

وبدلاً من الاعتذار والتعويضات وإمكانية المقاضاة، يبدو أن ستورا سعى للتقليل من أهمية الجرائم الغاشمة التي لاتزال حية في الذاكرة، كما أن التقرير يغصّ أيضاً بالكثير من التلاعب، ويتضح هذا على الفور من مقدمة التقرير، حيث لا يركز ستورا على وحشية الحقبة الاستعمارية، بل على الهجمات الوحشية الأخيرة التي نفذها المتشددون في فرنسا، ويشير على وجه التحديد إلى الجرائم البشعة التي لا علاقة لها بالجزائر على الإطلاق، بما في ذلك قطع رأس مدرس من قبل مواطن روسي في إحدى ضواحي باريس، وثلاث عمليات قتل لرواد كنيسة كاثوليكية على يد مهاجر تونسي في مدينة نيس الجنوبية.

تثقيف الشباب

ووفقاً لمنطق ستورا المضلل، فإن مثل هذه الفظائع مرتبطة في الواقع بالجزائر الحديثة، ويشرح لاحقاً هذه الصلة غير المؤكدة، حيث كتب أن تثقيف الشباب المسلمين حول «الاستعمار والحرب الجزائرية» هو «ضمانة ضرورية» ضد انتشار «التشدد الإسلامي».

هناك بالتأكيد قيمة هائلة في تدريس الحقائق عن الإمبراطورية الفرنسية، حيث إن سيطرتها على جزء كبير من أوروبا القارية، تحت قيادة نابليون بونابرت في بداية القرن الـ19، أمر بالغ الأهمية لفهم فرنسا الحديثة، كما هي الحال بالنسبة للقمع الذي مارسه الاستعمار في أجزاء أخرى من العالم، في نقاط محورية أخرى، لكن مثل هذا التشويه الذي مارسه ستورا أمر لا يغتفر.

ما يفعله ستورا هو تكرار لخطاب ماكرون المثير للجدل حول ما سماه «الانشقاق الإسلامي»، في أكتوبر الماضي، الذي تحدث فيه عن «صدمات الماضي الاستعماري» لفرنسا، خصوصاً الحرب الجزائرية، «ما يغذي الاستياء غير المعلن» الذي يُزعم أنه يؤدي إلى تطرف الشباب ويؤدي إلى الإرهاب.

هذا الشعور الشعبوي - الذي يظهر في نظريات المؤامرة اليمينية المتطرفة - يزعم أن الإرهاب اليوم مرتبط ارتباطاً مباشراً بالجزائريين الحانقين، الذين ظلوا يمارسون العنف بشكل لا يمكن إصلاحه، كما كانت الحال عندما قاوموا الحكم الفرنسي.

وتشير مؤسسة «فرنسا الآن» إلى أن من يرتكبون أعمالاً شريرة هم في الواقع مدفوعون بما حدث لآبائهم الجزائريين أو أجدادهم، وهذا ليس فقط نوعاً من الخداع في أقصى حدوده، لكنه مغالطة لما فعله الفرنسيون بالجزائريين على مدى 132 عاماً، منذ أن غزوا وطنهم للمرة الأولى في الخامس من يوليو 1830.

وفي هذا الصدد، هناك الكثير من الأدلة التي كان ينبغي على ستورا التحقق منها، ومن بينها مقتل نحو 45 ألف مدني جزائري في مدن سطيف وقالمة وخراطة، والمناطق المحيطة بها، على مدار بضعة أيام في مايو 1945 وحده على سبيل المثال، وارتكبت فرنسا، بلاد النور، التي تدعي أنها تسعى لتحقيق «مهمة حضارية» في الخارج، نوعاً من الإبادة الجماعية التي اشتهرت بها في الجزائر.

انضمت ميليشيات «الأقدام السوداء» إلى حمام الدم بعد أن تحول احتفال الثامن من مايو، يوم النصر في أوروبا في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، إلى تظاهرة تطالب باستقلال الجزائر، كانت هناك فظائع من كلا الجانبين، لكن كالعادة تفوق الفرنسيون في استخدام الأسلحة وفي الهمجية المطلقة.

كان نوع برنامج الإبادة نفسه، الذي حرّض عليه الحاكم العام الفرنسي للجزائر في أربعينات القرن الـ19، المارشال توماس روبرت بيجو، حيث تعهد بيجو، في خطاب برلماني، بأن سياسة الأرض المحروقة هذه سعت إلى إخضاع الجزائريين، وذلك بحشد «الأقدام السوداء» في أي مكان «توجد فيه مياه عذبة وأرض خصبة، من دون الاهتمام لأي جهة تعود تلك الأراضي»، وابتكر غرف الغاز قبل فترة طويلة من النازيين، وملأ الكهوف بأبخرة ضارة من أجل خنق «الطبقة الدنيا البغيضة»، و«إبادتهم عن آخرهم».

كانت مثل هذه الجرائم الجماعية نموذجية لصراع لا هوادة فيه أصبح حرباً شاملة في عام 1954، ويقدّر الجزائريون أنها أودت بحياة 1.5 مليون من مواطنيهم، بمن فيهم أولئك الذين يقاتلون مع جبهة التحرير الوطني، وكان من بين القتلى رجال ونساء وأطفال تم قتلهم بشكل عشوائي من خلال القصف الفرنسي.

قنابل النابالم - التي يشار إليها في المصطلحات العسكرية باسم «البراميل الخاصة» - كانت جزءاً من الحمولات التي أُلقيت على المجتمعات المدنية، في حين كانت الطريقة الشائعة لإعدام مقاتلي العدو الفرنسي هي إسقاطهم من الطائرات والمروحيات.

كما استخدمت فرنسا الصحراء الجنوبية للجزائر كأرض تجارب نووية، هذا بالإضافة إلى 11 مليون لغم أرضي زرعها الفرنسيون في مساحات شاسعة من البلاد، وقتلت وشوهت عشرات الآلاف من الجزائريين.

ومن بين 1.5 مليون فرد عسكري تم حشدهم طوال الحرب، فقد الفرنسيون نحو 25 ألف جندي، بالإضافة إلى ما يصل إلى 3000 من ميليشيات «الأقدام السوداء» وما يصل إلى 150 ألفاً من الحركيين (الجزائريين الذين تعاونوا مع المستعمرين).

وعلى الرغم من قتالهم من أجل فرنسا، انتهى الأمر بالعديد من هؤلاء بمعاملتهم من قبل فرنسا بالقدر نفسه من الوحشية التي تعرضت لها جبهة التحرير الوطني، وبعد الحرب تخلت فرنسا عن الكثيرين ممن كانوا يقومون بأعمال انتقامية لمصلحتها في الجزائر، أو تم اعتقالهم بمعسكرات قذرة في فرنسا.

استخدمت فرنسا تكتيكات القمع الاستعماري نفسها في الجزائر، عندما تم إطلاق النار على ما يصل إلى 300 جزائري شاركوا في تظاهرة سلمية مؤيدة للاستقلال، وتعرضوا للضرب والتعذيب حتى الموت، أو تم إغراقهم في نهر السين بباريس، وكثير منهم على مرأى من الجمهور.

ووصف المؤرخون هذه المجزرة بأنها «أكثر الأعمال دموية تستخدمها دولة لقمع احتجاجات الشوارع في أوروبا الغربية، في التاريخ الحديث»، حقيقة أنه لم يتم إجراء محاكمة واحدة على الإطلاق، ويشير كل شيء إلى السرية والتستر.

الرئيس السابق، شارل ديغول، الذي قاد فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية أثناء وجوده في المنفى، اعتبره القوميون الفرنسيون خائناً، لإقراره عام 1959 بحق الجزائريين في تقرير المصير.

في ما يتعلق بالمعلومات المتاحة حول الجزائر، لم يكن في استطاعة ستورا الحصول عليها كاملة، كان جلادو فرنسا محميين دائماً، حتى عام 1999 كانت الحكومة الفرنسية لاتزال تسمي الحرب في الجزائر«عمليات للحفاظ على النظام»، أو مجرد «أحداث»، لذا فإن المشكلة تكمن في الاعتراف بالأدلة الموجودة بدلاً من «العثور عليها». الفرنسيون لديهم المحفوظات الكاملة، لكنهم يعترضون على كشفها جميعها، ولم يتم عمل الكثير لحل هذه المشكلة المتعلقة بالملفات المصنفة على أنها «أسرار دولة».

طلبت الحكومة الجزائرية من المدير العام للمركز الوطني للأرشيف الجزائري، عبدالمجيد الشيخي، إجراء تحقيق خاص، إلى جانب ستورا، واستعادة الأرشيف الاستعماري بالكامل من باريس، ويرفض الكثيرون في حزب الجبهة الوطنية الفرنسي كشف المعلومات السرية، وحزب «الجبهة» هو حزب يميني متطرف، أسسه جان ماري لوبان، من قدامى المحاربين في الجزائر، وارتبط اسمه بأعمال التعذيب.

نبيلة رمضاني:  صحافية وكاتبة عمود ومذيعة جزائرية متخصصة في السياسة الفرنسية


- كانت الجرائم الجماعية نموذجية لصراع لا هوادة فيه أصبح حرباً شاملة

في عام 1954، ويقدر الجزائريون أنها أودت بحياة 1.5 مليون من مواطنيهم،

بمن فيهم أولئك الذين يقاتلون مع جبهة التحرير الوطني، وكان من بين القتلى

رجال ونساء وأطفال تم قتلهم عشوائياً.

استخدمت فرنسا تكتيكات القمع الاستعماري في الجزائر نفسها عندما تم إطلاق النار على ما يصل إلى 300 جزائري شاركوا في تظاهرة سلمية مؤيدة للاستقلال، وتعرضوا للضرب والتعذيب حتى الموت، أو تم إغراقهم بنهر السين في باريس، وكثير منهم على مرأى من الجمهور.

طباعة