يمثل همزة وصل بين دول المنطقة والعالم

«منتدى الشرق الأوسط».. مشروع يمكــــن أن يساعد على حل مشكلات المنطقة

صورة

لم تمضِ أيام قليلة على وجود الرئيس جو بايدن في البيت الأبيض، ونظراً لوجود العديد من الأولويات الملحة فإنه لم يرسم حتى الآن استراتيجيته المتعلقة بالشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن البعض في الولايات المتحدة والخارج يشعرون بالقلق من إمكانية انسحاب إدارة بايدن من الشرق الأوسط، وترك فراغ مكانه يستغله الأعداء، فإن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن الإدارة الجديدة لن تقود المنطقة ولن تنسحب منها، إذ ستواصل الولايات المتحدة وجودها القوي في الشرق الأوسط، وإن كانت أكثر انتقائية في مشاركتها للأحداث. ومن الواضح أن إدارة بايدن ترى أن أهم أولوياتها الملحة في المنطقة هي عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع طهران الموقع عام 2015، شريطة موافقة إيران على شروطها.

وتحدث بايدن عن أنه يريد مفاوضات إضافية لمعالجة نشاطات إيران الإقليمية، ومعالجة وضع الحرب في اليمن، ودفع عملية السلام العربي الإسرائيلي. وأوضح بايدن وكبار مستشاريه مراراً وتكراراً أن المهمة الأولى أمام الإدارة هي استعادة الشراكات الدولية لواشنطن ورؤية أصدقاء أميركا يلعبون دوراً أكبر في التصدي للتحديات العالمية والإقليمية. ويعترف الرئيس الجديد بأن أهدافه في المنطقة لن تتمكن واشنطن من تحقيقها وحدها.

وهذه يجب أن تكون أخباراً مرحباً بها في المنطقة، بعد أن أعربت الدول العربية واسرائيل عن امتعاضها من استثنائها من الاتفاق النووي بين الدول الكبرى وإيران. ويمتلك أصدقاء أميركا في الشرق الأوسط وأوروبا فرصة فريدة من نوعها ليكون لهم رأي في قضايا منطقتهم، ولبدء طرق تعاونية جديدة في منطقتهم التي مزقتها المماحكات.

مشكلة أساسية

ولكن ثمة مشكلة أساسية تواجه الجهود المستقبلية لوضع طرق تعاونية متعددة الأطراف عبر الأطلسي باتجاه الشرق الأوسط، إذ لا يوجد طرق واضحة ومتفق عليها للقيام بذلك.

وعلى سبيل المثال، خلال الجهود المبذولة لوقف الصراع في سورية، وليبيا، واليمن، تم إهدار الكثير من الوقت والجهود الدبلوماسية الثمينة لتحديد مكان وشكل المشاركة في المفاوضات بدلاً من معالجة النزاعات الحقيقية، وإضافة إلى ذلك كان كل طرف يحضُر بصورة جزئية دون وجود الأشخاص الفاعلين في الصراع.

وبناء عليه فإن أشد ما نحتاج إليه لمعالجة قضايا الشرق الأوسط هو وجود منتدى عريض وشامل يضم جميع دول المنطقة في مكان واحد، ومثل هذا المكان يمكن أن يلعب دور ملتقى، يتواجد في الشرق الأوسط، ومكرس لمعالجة قضايا المنطقة، ويقدم صوت دول المنطقة في قضايا الدول المجاورة لها.

وجهات نظر متضاربة

ويمكن أن ينعقد هذا المنتدى الشرق أوسطي تحت رعاية شخصية دولية مرموقة، مثل الأمين العام للأمم المتحدة أو من ينوب عنه. وعلى الرغم من أن المنتدى يرحب بمشاركة جميع دول المنطقة، فإن هذه المشاركة لن تتطلب وجود علاقات بينها.

وبما أن المنتدى يخدم قضايا الشرق الأوسط، فإنه بحاجة إلى الاعتراف بأن التحديات والصراعات، إضافة إلى الحلول المحتملة، ليست معزولة عن العالم الخارجي. وبناء عليه، ولكي يكون المنتدى فعالاً ويربط نفسه بالدول المتنفذة عالمياً، يجب عليه أن يدعو مجموعة من الدول، مثل الدول الأعضاء الخمس عشرة في مجلس الأمن الدولي، لحضور اجتماعات المنتدى كمراقبين.

وبالنظر إلى العداوات العميقة، ووجهات النظر المتضاربة، يجب أن يبدأ أي حوار إقليمي بصورة تدريجية، وببرنامج عمل متواضع، ويمكن أن يبدأ بمعالجة سلسلة كبيرة من التحديات العالمية، والمشتركة، والملحة، مثل النزاعات على الحدود البحرية، والمجال الجوي، وجائحة كورونا، وأزمة تغير المناخ، ويمكن أن يقوم المنتدى بأي حوار مع إدارة بايدن.

وقد يبدو هذا المنتدى للمشككين مجرد متجر آخر للحديث، واتخاذ المواقف وتوجيه التهم للأعداء، ولكن لا يوجد مثل هذا المنتدى الإقليمي حتى للحديث فقط، إذ يمكن أن يضم المسؤولين من الدول غير المستعدة للجلوس مع بعضها البعض أو للتحدث، أو البدء في إعلان وجهات نظرهم ومخاوفهم في مساحة مشتركة.

وعندما تقوم الدول بفعل ذلك على المدى الطويل، ستكون دول الشرق الأوسط قادرة على التعرف إلى العديد من مناطق الالتقاء بينها، وليس نقاط الخصام فقط، وبالفعل فإن العمل الأكثر أهمية بالنسبة للمنتدى سيجري في أروقة المنتدى وفي غرفه الخلفية، وليس في مكان التجمعات المركزي، ولهذا فإن المنتدى سيكون عنواناً طبيعياً بالنسبة للدبلوماسية الهادئة والمكوكية الاقليمية التي تكون ذات أهمية كبيرة، خصوصاً خلال الأزمات الإقليمية الملحة.

وظهرت قيمة الحاجة لوجود منتدى ثابت ونظامي من أجل الحوار المحلي بوضوح قبل أسابيع عدة في الخامس من يناير الجاري عندما أنهى اتفاق العلا الصدع بين قطر والمملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة ومصر.

وما يجعل هذا الاتفاق ممكناً هو وجود منتدى إقليمي هو مجلس التعاون الخليجي، الذي أسهمت اجتماعاته السنوية في التوصل إلى المصالحة، حيث كانت دولة الكويت تعمل بلا كلل ولا ملل للحصول على نتائج إيجابية للقمة.

تسهيل الحوار والشفافية

وبالطبع فإن وجود منتدى على مدى الشرق الأوسط يمكن أن يعزز نجاحه من خلال البدء بنهج متواضع وتدريجي تطبيقاً لسياسة خطوة خطوة، وهو يمكن أن يسهل الحوار والشفافية بشأن مجموعة من التدابير القصيرة المدى، ويولد الزخم بعد ذلك للشروع في قضايا أكثر تعقيداً مثل الحد من التسلح الإقليمي. ويمكن أن يساعد هذا في وضع رؤية مشتركة ومجموعة من التوقعات في الشروع في قضايا أكثر طموحاً مثل التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية.

وهذا النهج بالتحديد هو الطريقة التي اعتمدتها أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية لعملية الحوار على مستوى المنطقة برمتها، والذي امتد سنوات عدة، ونجم عنه مجموعة من التفاهمات التي أدت إلى بناء الثقة، والتوصل إلى منطقة مستقرة، وساعدت على تمهيد الطريق من أجل مجموعة واسعة من الاتفاقيات التي تبنتها جميع دول المنطقة.

وتمتلك أوروبا، القريبة من الشرق الأوسط، الكثير لتقدمه نتيجة تجربتها الجماعية. ويعمل عدد قليل من دول الشرق الأوسط والدول الأوروبية التي تتمتع بعلاقات قوية بهدوء وتعاون بعيداً عن الضجيج الإعلامي، وهي تستطيع أن تلعب دوراً مهماً الآن في إعداد الأساس من أجل نهج أكثر تعددية وشمولاً لمواجهة التحديات الأمنية الكثيرة في المنطقة.

ويستمر الشرق الأوسط في مواجهة الكثير من التحديات والصراعات التي لا تظهر أي إشارات على تصحيح نفسها.

وعن طريق تشكيل منتدى الشرق الأوسط الذي يلعب دور البرلمان بالنسبة لدول المنطقة كي تمارس صوتاً جديداً وأقوى في قضاياها، بحيث يمكن للمرء أن يتخيل منطقة الشرق الأوسط التي يلعب بها الشركاء الإقليميون دوراً أكبر وبناءً في معالجة تحديات المنطقة، ومثل هذه النتيجة لن تكون لفائدة المنطقة ذاتها فقط، وإنما ستسمح للولايات المتحدة بالتركيز على مخاوف ملحة أخرى محلية وأمنية وطنية.

• ثمة مشكلة أساسية تواجه الجهود المستقبلية لوضع طرق تعاونية متعددة الأطراف عبر الأطلسي باتجاه الشرق الأوسط، إذ لا يوجد طرق واضحة ومتفق عليها للقيام بذلك.

• بالنظر إلى العداوات العميقة، ووجهات النظر المتضاربة، يجب أن يبدأ أي حوار إقليمي بصورة تدريجية، وببرنامج عمل متواضع. ويمكن أن يبدأ بمعالجة سلسلة كبيرة من التحديات العالمية، والمشتركة، والملحة، مثل النزاعات على الحدود البحرية، والمجال الجوي، وجائحة كورونا، وأزمة تغير المناخ، ويمكن أن يقوم المنتدى بأي حوار مع إدارة بايدن.

روبرت دانين - باحث أميركي متخصص بالشرق الأوسط.

ماهسا راوهي - باحث أميركي في معهد الدراسات الوطنية والاستراتيجية.

طباعة