بعد انتخابات دامية

صبر الغرب بدأ ينفد على موسيفيني رجل أوغندا القوي

صورة

تدرس الولايات المتحدة اتخاذ إجراء ضد حكومة الرئيس الأوغندي، يويري موسيفيني، حليفها القديم الذي سحق المعارضة في الداخل. كما أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه من الحوادث الدامية التي حدثت خلال الانتخابات الأخيرة، والتي حصل موسيفيني بموجبها على ولاية سادسة لخمس سنوات. وشهد موسم الانتخابات المثير للجدل مقتل عشرات الأشخاص، وخضوع مرشح المعارضة الرئيسي للإقامة الجبرية.

مجموعة إجراءات

وتقول وزارة الخارجية الأميركية إنها الآن تدرس مجموعة من الإجراءات ضد موسيفيني، الذي كان منذ توليه منصبه في عام 1986 من بين المستفيدين الرئيسين في إفريقيا من المساعدات الأميركية، حيث حصل على مليارات الدولارات حتى مع إحكام قبضته الحديدية على الأمة.

ودرج موسيفيني (76 عاماً)، على قمع أصوات المعارضة لسنوات، غالباً بالقوة، ولجأت حملته الانتخابية الاخيرة لترهيب مرشحي المعارضة ومسؤوليها، ولا سيما نجم البوب، بوبي واين، الذي تحول إلى مشرع، وصعد ليصبح أقوى منافس للرئيس. وضرب العنف البلاد خلال الحملة الانتخابية، ويؤكد مراقبو الانتخابات وشخصيات المعارضة أن تزوير الانتخابات أسهم في إعادة انتخاب موسيفيني.

وقال ممثل وزارة الخارجية الأميركية في بيان أرسل بالبريد الإلكتروني إلى صحيفة «نيويورك تايمز»: «لدينا مخاوف كبيرة بشأن الانتخابات الأخيرة في أوغندا. لقد أوضحت الولايات المتحدة أنها ستنظر في مجموعة من الخيارات، بما في ذلك فرض قيود على التأشيرات للأفراد الأوغنديين الذين يتبين أنهم مسؤولون عن العنف المرتبط بالانتخابات أو تقويض العملية الديمقراطية».

وجاء في البيان أن «سلوك السلطات الأوغندية خلال تلك الانتخابات هو أحد العوامل التي سيتم أخذها في الاعتبار عندما نتخذ قراراتنا بشأن المساعدة الأميركية المستقبلية».

قلق دولي

كما أعربت دول أخرى عن قلقها إزاء التطورات التي شهدتها فترة ما بعد الانتخابات في أوغندا. وقال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي إن الكتلة «قلقة للغاية من استمرار المضايقات التي يتعرض لها السياسيون وقطاعات من المجتمع المدني». وواصلت: «علينا الاهتمام بالوضع على الأرض».

وبحسب ما ورد التقى موسيفيني بدبلوماسيين أجانب في الأيام الأخيرة، حيث تصاعدت المخاوف بشأن إجراءات الانتخابات، ولم يتلق موسيفيني بعد أي تهنئة رسمية من العديد من الشركاء الغربيين والأفارقة. وحذفت الرئاسة الكينية منشوراً «زائفاً» على «فيس بوك» تهنئ فيه موسيفيني، بعد أن تعرضت لانتقادات واسعة، وأشار «فيس بوك» إلى ان تلك التهنئة عبارة عن معلومات «مضللة».

قبل وأثناء وبعد التصويت تم حظر الصحافيين والمراقبين المستقلين من مراقبة الإجراءات عن كثب، ورفضت الحكومة اعتماد معظم المراقبين الذين كانت البعثة الأميركية في أوغندا تنوي نشرهم. وأدى قطع الإنترنت على الصعيد الوطني إلى تقييد تدفق المعلومات.

ومع ظهور نتائج الانتخابات، حاصرت السلطات منزل واين، ورفضت السماح له بالخروج، بل ومنعت السفير الأميركي من زيارته. وانسحب ضباط الأمن من منزله هذا الأسبوع بعد صدور حكم قضائي، لكنهم استمروا في وضع حواجز على الطرق في مكان قريب من المنزل، وظلوا يحاصرون مقر حزبه. ويؤكد واين (38 عاماً)، واسمه الحقيقي روبرت كياغولاني، أن الانتخابات تم تزويرها لمصلحة موسيفيني ويخطط لتقديم أدلة أمام المحكمة للطعن في النتائج.

دعم مالي ودبلوماسي أميركي متواصل

وعلى مدى عقود، تلقى موسيفيني الدعم المالي والدبلوماسي من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى. وقد روج لنظامه باعتباره ضامناً للاستقرار ليس فقط في أوغندا التي مزقتها الانقلابات والعنف قبل توليه زمام القيادة، ولكن أيضاً في المناطق المحيطة بشرق ووسط إفريقيا.

لكن في ظل حكمه، أرسلت أوغندا مراراً وتكراراً قوات عبر حدودها للانحياز إلى جانب أحد الأطراف في النزاعات في البلدان المجاورة. وعلى الرغم من ترحيب موسيفيني بالعديد من اللاجئين من جنوب السودان، فقد أفاد باحثون مستقلون بأن حكومته زودت سراً الجماعات المتصارعة هناك بالأسلحة التي ساعدت في تأجيج الحرب وأودت بحياة ما يقرب من 400 ألف شخص.

وتقول مؤلفة كتاب «فوضى رائعة أخرى.. أميركا وأوغندا والحرب على الإرهاب»، هيلين إبستين: «لقد كان مصاباً بهوس الحرائق في المنطقة منذ توليه السلطة، سواء كنا نتحدث عن السودان، أو جنوب السودان، أو رواندا، أو جمهورية الكونغو الديمقراطية». وتضيف «جيشه تدخل في كل مكان على حساب السلام».

وكل عام تقدم الولايات المتحدة وحدها أكثر من 970 مليون دولار لأوغندا، وتدعم الجيش، وقطاعي التعليم والزراعة، والأدوية المضادة للفيروسات لما يقرب من مليون أوغندي مصاب بفيروس نقص المناعة المكتسبة (ايدز).

قمع الإرهاب

وتشارك أوغندا بدورها مع الولايات المتحدة في العمل على قمع الإرهاب، ونشرت أكثر من 6200 جندي في بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال التي تقاتل جماعة الشباب المرتبطة بتنظيم «القاعدة». وخدم الآلاف من الأوغنديين كحراس في القواعد الأميركية في العراق وأفغانستان، وتلقت أوغندا الإشادة باعتبارها من أفضل الأماكن التي يمكن أن تؤوي اللاجئين، حيث تم منح طالبي اللجوء الأرض وأدوات العمل وسمحت لهم بالتنقل.

ولكن مع استمرار موسيفيني في كسب ود الغرب وتلقي الدعم من المؤسسات المالية مثل البنك الدولي، فإن حكومته «استغلت هذه الموارد والصورة الإيجابية التي تبدو عليها والتي جلبت لها الإشادة، لمصلحة أجندتها» كما يقول الباحث المستقل في السياسة الأوغندية مايكل موتيابا.

وفي الداخل، تعرض موسيفيني لانتقادات بسبب قمع المعارضة، وإطلاق العنان لقوات الأمن على المدنيين. كما طفت للسطح موجات من الفضائح التي تتمثل في اختلاس المسؤولين ملايين الدولارات من الأموال الحكومية، إلى جانب تقارير عن تحويل مساعدات التنمية إلى الجيش.

وفي عام 2005 ألغى الفترة المحددة للولاية الرئاسية حتى يتمكن من البقاء في السلطة، وفي عام 2018 وقع قانوناً ألغى الحد الاقصى لسن الرئيس المحددة بـ75 عاماً. ويقول مراقبون مثل إبستين إن العنف الذي حدث حول الانتخابات وقمع شخصيات معارضة مثل واين - بما في ذلك سحبه من سيارته أثناء حديثه مع المراسلين عبر الفيديو المباشر - أثار إدانة عالمية وقد يقلب الأمور هذه المرة.

قبل وبعد انتخابات 14 يناير، شجب سلوك الحكومة الأوغندية كل من السناتور بوب مينينديز من نيوجيرسي وكريس كونز من ديلاوير، ومستشار الرئيس بايدن للأمن القومي جيك سوليفان، ومجموعة من الدول المانحة، بما في ذلك كندا وأعضاء الاتحاد الأوروبي، كما شجب خبراء الأمم المتحدة سلوك الحكومة. وتقول إبستين: «أعتقد أن الناس بدأوا أخيراً في الاستيقاظ» على واقع موسيفيني في أوغندا.

ويقول المحلل السياسي الأوغندي، أنجيلو إيزاما، إنه إذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك من شأنه أن يقوض المكانة التي وصل موسيفيني إليها كرجل دولة كبير السن في شرق إفريقيا.

وقال إيزاما: «إذا استمر في توجيه هذه الضربات الجسدية إلى سمعته في الوطن، أعتقد أنه سيفقد مكانته ليس فقط في المنطقة ولكن أيضاً سيفقد تدريجياً دعم القوى الغربية التي تصمم بشكل متزايد على معارضته وتغيير تعاملها مع أوغندا».

إلا أن الأستاذ المساعد في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورج تاون، كين أوبلو، قال إنه بينما قد تتغير علاقات المانحين مع أوغندا، يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه التغييرات ستكون جوهرية. وقال إن الدول الغربية أخطأت دائماً تقريباً في احتفاظها بعلاقات مع حكومة موسيفيني بدلاً من دفعه لإجراء إصلاحات هي في أمس الحاجة إليها.

ويقول أوبالو: «يعرف موسيفيني هذا التغير في المواقف وقد استغله ببراعة على مر السنين». وفي حين أن «إدارة بايدن ستتخذ الإجراءات الصحيحة»، يعتقد أوبالو أنه «أقل تفاؤلاً بشأن ما يمكن أن تفعله، وما إذا كان مثل هذا الإجراء سيؤدي بالضرورة إلى التغيير للأفضل بالنسبة لأوغندا».


• قبل وأثناء وبعد التصويت، تم حظر الصحافيين والمراقبين المستقلين من مراقبة الإجراءات عن كثب، ورفضت الحكومة اعتماد معظم المراقبين الذين كانت البعثة الأميركية في أوغندا تنوي نشرهم. وأدى قطع الإنترنت على الصعيد الوطني إلى تقييد تدفق المعلومات.

• في عام 2005 ألغى موسيفيني الفترة المحددة للولاية الرئاسية حتى يتمكن من البقاء في السلطة، وفي عام 2018 وقع قانوناً ألغى الحد الأقصى لسن الرئيس المحددة بـ75 عاماً.

• طوال عقود تلقى موسيفيني الدعم المالي والدبلوماسي من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى. وقد روج لنظامه باعتباره ضامناً للاستقرار ليس فقط في أوغندا التي مزقتها الانقلابات والعنف قبل توليه زمام القيادة، ولكن أيضاً في المناطق المحيطة بشرق ووسط إفريقيا.

طباعة