أليكسي نافالني غيّر المعطيات في روسيا

بوتين يواجه تحدياً غير مسبوق بسبب الاحتجاجات

صورة

بعد أسبوع من الدراما، ينتقل الوضع السياسي في روسيا إلى مرحلة جديدة أكثر راديكالية. وتزامن اعتقال زعيم المعارضة، أليكسي نافالني، في 17 يناير، والذي كان قد هبط لتوه، في موسكو، بعد تعافيه في ألمانيا من هجوم بالسم؛ مع انتشار مقطع فيديو على موقع «يوتيوب»، يكشف قصراً ضخماً يُزعم أن الرئيس فلاديمير بوتين، بناه لنفسه، وقيمته نحو 1.35 مليار دولار.

يسقط القيصر

والاحتجاجات التي تلت ذلك كانت الأكثر انتشاراً، في روسيا، منذ التسعينات. وبينما كانت موسكو محور الاهتمام، كانت التظاهرات جديرة بالملاحظة لكونها وطنية، على نطاق واسع، إذ تحدى الناس علناً تحذيرات الحكومة، ونزل الآلاف إلى الشوارع، في 110 مدن. ومن فلاديفوستوك في أقصى الشرق، إلى كالينينغراد في الغرب، هتفت الحشود: «نحن القوة هنا»، و«الحرية لنافالني»، و«يسقط القيصر!». وفي مدينة ياكوتسك، بمنطقة سيبيريا، خرج المتظاهرون في درجات حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية دون الصفر. وفي مقالاته بصحيفة «نوفايا غازيتا» الليبرالية الروسية، أشاد المحرر السياسي، كيريل مارتينوف، بما يراه حركة يكون فيها أخيراً لسكان موسكو وسكان المدن الإقليمية «مصلحة مشتركة». وكتب، أيضاً: «عندما تتحرك موسكو، تظل المناطق الأخرى غير مبالية، في العادة، والعكس صحيح؛ ولكن ليس الآن»، متابعاً بأن الناس قد جعلوا أصواتهم مسموعة ليس، فقط، من أجل حرية نافالني، ولكن «لأنهم لا يرون طريقة أخرى لتحقيق العدالة في بلد لا توجد فيه محاكم ولا انتخابات».

وكان نافالني قد دعا الروس للنزول إلى الشوارع بعد أن حُكم عليه بالسجن لمدة 30 يوماً، قبل محاكمة 18 يناير، في جلسة استماع عقدت بمركز للشرطة، أعلنت حملة مكافحة الفساد أنها غير قانونية. وفي أعقاب تعافي نافالني من حالة تسمم، قال صحافيون استقصائيون إنها نفذتها المخابرات الروسية، باستخدام غاز الأعصاب؛ غيرت السلطات نهجها بإعادة فتح قضية احتيال سابقة ضده، بدعوى أنه انتهك شروط الإفراج المشروط عنه. وقضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في 2017، بأن القضية تعسفية وغير قانونية. وأعلن المحامي والناشط، ليوبوف سوبول، وهو أحد حلفاء نافالني الرئيسين، الأسبوع الماضي، أنه تم التخطيط لمزيد من الاحتجاجات، على الرغم من اعتقال نحو 4000 مشارك، في احتجاجات يوم السبت.

لا مكان للتراجع

وحذر مارتينوف، من «نوفايا غازيتا»، من أن المواجهة قد تصل إلى نقطة اللاعودة، وأنه «لم يعد لدى المجتمع أي مكان يتراجع عنه منذ تسميم نافالني»، متابعاً: «كما أنه لا مجال لأن تتراجع الأجهزة الأمنية، أيضاً، بعد أن أقنعت نفسها بالفعل بفاعلية سيناريو القوة».

شجاعة نادرة

ولسنوات، سعى الرئيس الروسي إلى تصوير نافالني على أنه شخص دون هوية، رافضاً استخدام اسمه، ووصف منافسه بأنه «مدون غير معروف». وأظهر رد الكرملين العنيف على عودة زعيم المعارضة من الخارج علناً، العكس تماماً. وإذا كان نافالني حقاً «لا أحد»، فلماذا احتجز أنصاره الذين تجمعوا في مطار «فنوكوفو»، للترحيب به في الوطن؟ ولماذا يتم تحويل طائرته إلى مطار آخر، ثم يتم اعتقاله عند دخوله، وأمام كاميرات التلفزيون؟

إن تسميم نافالني وعودته اللاحقة إلى روسيا، في تحدٍّ للتهديدات بسجنه، لم يؤكد، فقط، أنه هو أشد منتقدي بوتين، صراحة، ولكن، أيضاً، كونه شخصية سياسية تتمتع بشجاعة ملحوظة ومكانة عالمية. وقد أخذ المُعارض بزمام المبادرة، ما أجبر الكرملين على ارتكاب سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية، التي لم تؤد إلا إلى زيادة الشعور بالغضب العام بين العديد من الروس بسبب الفساد الحكومي المتفشي، وغياب القانون، وتدهور مستويات المعيشة، والاقتصاد المتعثر الذي تضرر بشدة من فيروس «كوفيد-19».

وصلت شعبية بوتين إلى 60%، ورغم أنه لايزال يحظى بتأييد مرتفع نسبياً مقارنة بقادة العالم الآخرين، فهو في أدنى مستوياته منذ عام 2012. وحاول الكرملين رفض ما جاء في التحقيق المصور، بخصوص قصر البحر الأسود الفخم، لكن الفيديو حقق أكثر من 90 مليون مشاهدة، وألحق ضرراً جسيماً بنظرة الجمهور إليه.

وعلى مدى السنوات العشرين الماضية، بنى بوتين سمعته على نهج الرجل القوي، الذي يرى أن أي علامة ضعف لا تُغتفر. لذلك فإن التحدي المباشر الذي يمثله نافالني يضع الزعيم الروسي في موقف صعب. وإذا كان الكرملين يريد تجنب الظهور بمظهر ضعيف، فلن يكون أمامه خيار سوى تشديد إجراءاته، الأمر الذي من المرجح أن يؤدي، فقط، إلى تعميق عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وتطرف المعارضة، ما يزيد حدة التوتر.

ويتفق المحللون على أن تشديد الخناق هو الرد الأكثر ترجيحاً، على الرغم من أن وسائل الإعلام الروسية حذرت من الإجراءات القاسية المفرطة ضد المحتجين. وحتى صحيفة التابلويد «موسكوفسكي كومسوموليتس»، المؤيدة بشدة للكرملين، في الوقت الذي تشجب فيه نافالني، خلُصت إلى أن الرد المفرط سيكون «طريقاً مسدوداً».

لا للديمقراطية

وفي مواجهة ما يُعد تحدياً وجودياً، قد يختار الكرملين، في نهاية المطاف، التخلي عن كل مظاهر الديمقراطية، من أجل الاحتفاظ بالسلطة، بغض النظر عن التكاليف في الساحة العالمية، وأظهرت روسيا مراراً أنها لا تهتم كثيراً بالرقابة الدولية. وظل المعلقون يتكهنون، منذ أشهر، بأن السلطات ستخاطر لبقائها، باللجوء إلى «السيناريو البيلاروسي»، إذا خرجت الأمور عن السيطرة.

ومع ذلك، من ناحية ما، لا يوجد فرق كبير سواء كان نافالني في زنزانة أم طليقاً؛ فقد حقق بالفعل هدفه، المتمثل في إذلال بوتين علناً، وتقويض شرعيته، وإثارة موجة جديدة من الاحتجاجات. ومن خلال توليه طواعية دور سجين الرأي، أصبح أيقونة للحركة الاحتجاجية.

وقد يميل بعض الليبراليين إلى النظر إلى نافالني على أنه أشبه بنيلسون مانديلا، أو فاتسلاف هافل. ومع ذلك، فإن الأهمية الحقيقية للحركة الجديدة، تكمن في أنها حركت الملايين من الروس المحافظين، الذين قد لا يكونون متحمسين، بنافالني نفسه، بشكل خاص، لكنهم لن يروا بوتين أبداً بالطريقة نفسها مرة أخرى.


• تسميم نافالني وعودته اللاحقة إلى روسيا، في تحدٍّ للتهديدات بسجنه، لم يؤكد، فقط، أنه أشد منتقدي بوتين صراحة، ولكن، أيضاً، كونه شخصية سياسية تتمتع بشجاعة ملحوظة ومكانة عالمية.

• الناس قد جعلوا أصواتهم مسموعة ليس، فقط، من أجل حرية نافالني، لكن لأنهم لا يرون طريقة أخرى لتحقيق العدالة في بلد لا توجد فيه محاكم ولا انتخابات.

• في مواجهة ما يُعد تحدياً وجودياً، قد يختار الكرملين، في نهاية المطاف، التخلي عن كل مظاهر الديمقراطية، من أجل الاحتفاظ بالسلطة، بغض النظر عن التكاليف في الساحة العالمية.

طباعة