يعيشون في «سجن مفتوح» حياة أشبه بالجحيم

مجتمعات الروهينغا في بنغلاديش على شفير الانهيار

صورة

تتفاقم مشكلات مسلمي الروهينغا الذين فروا إلى بنغلاديش هرباً من الاضطهاد والقتل الذي تعرضوا له في بلادهم ميانمار على يد الحكومة العسكرية، وبسبب التمييز العرقي الذي واجهوه، ما دفعهم للهجرة. إذ يتعرض مئات الآلاف من هؤلاء داخل بنغلاديش لتجاهل المجتمع الدولي ونقص في امدادات الغذاء والدواء، ما أثر فيهم صحياً وبدنياً ونفسياً، وأصابهم بالاحباط والشعور باليأس. وقد حاولت منظمة «أطباء بلا حدود» للخدمات الانسانية التي تعمل في مخيمات الروهينغا مع عدد من المنظمات الانسانية هناك، تسليط الضوء على بعض هذه المشكلات من خلال نقل المعاناة على لسان أصحابها، من خلال التحقيق التالي:

حياة صعبة

يعيش (فاروق) في أحد مخيمات لاجئي الروهينغا في كوكس بازار في بنغلاديش، ويتحدّث عن الوضع قائلاً: «لا أحد يرغب في أن يكون لاجئاً؛ فالحياة التي نعيشها هنا ليست سهلة بتاتاً». ويتابع قائلاً: «نحن نعيش في سجن مفتوح. حياة اللاجئ أشبه بالجحيم، وتتوالى الأيام من دون أن تتبدل الأحوال. لا يمكننا مغادرة المنطقة المخصّصة للمخيمات، لأننا بحاجة إلى تصريح خاص للخروج، ولا يُمنح هكذا تصريح إلا في ظل ظروف معيّنة مثل الحاجة إلى الرعاية الطبية أو في حالات الطوارئ».

ويُضيف قائلاً: «أعضّ نفسي أحياناً لأرى ما إذا كان بوسعي أن أشعر بشيء ما، وسبق لي أن أقدمت على الانتحار».

اليوم، بات يترتب عليهم العيش في مخيمات مكتظّة طوال السنوات الثلاث الماضية، ومن دون وضع قانوني أو أمل في المستقبل، ما خلّف آثاراً على الصحة النفسية للاجئين الروهينغا في كوكس بازار. وأتت جائحة «كوفيد-19» لتُضيف مزيداً من القيود والضغط على حياتهم.

وبالنظر إلى ما بعد الجائحة، لا تظهر أي بوادر تحسّن في المخيمات، لا بل يزداد عدم ارتياح القاطنين فيها نتيجة عملية نقل بعض اللاجئين المستمرة إلى مواقع أخرى، بغية معالجة مشكلة الاكتظاظ.

ففي هذا الصدد، سرت شائعة في عام 2015 مفادها أنه سيتم نقل اللاجئين إلى بهاسان شار، وهي كتلة من الرواسب التي شكّلت «جزيرة» على بُعد 30 كيلومتراً من البر الرئيس. ولكن تبيّن في ديسمبر 2020 أن هذه الأقاويل حقيقة فعلية. وقبل ذلك، وتحديداً في مايو من العام نفسه، نُقل نحو 300 لاجئ من الروهينغا تم إنقاذهم في البحر إلى هذه الجزيرة ليخضعوا للحجر الصحي بسبب تفشي «كوفيد-19». غير أن هؤلاء اللاجئين لم يغادروا الجزيرة قط ولا يُعرف سوى القليل عن الظروف التي واجهوها أثناء احتجازهم.

في أوائل ديسمبر، انضم إلى هؤلاء اللاجئين أكثر من 1600 شخص إضافي من المخيمات في كوكس بازار. وحتى تاريخه، يُقدّر أن أكثر من 3000 شخص قد نُقلوا إلى بهاسان شار. ومن المحتمل أن يلقى المزيد من الروهينغا المصير نفسه عمّا قريب، إذ تزعم السلطات أن الجزيرة تتمتّع بقدرة استيعابية تصل إلى 100 ألف شخص. أمّا المنظمات الإنسانية المستقلة، بما فيها الأمم المتحدة، فمازال يتعيّن عليها الحصول على إذن للوصول إلى هذه الجزيرة، ما يؤجّج المخاوف المتزايدة بشأن الظروف السائدة هناك. وقد اندلع اخيراً حريق في مخيم نايابارا للاجئين ودمّر زهاء 550 ملجأً، قُدّر أنها تؤوي نحو 3500 لاجئ وفقاً للتقارير الإخبارية. وبالرغم من عدم وقوع إصابات، وتعرّض عدد قليل فقط من الأشخاص للإصابة بجروح طفيفة، إلا أنه بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في هذا المخيم، أحدث الحريق اضطراباً هائلاً في حياتهم اليومية.

تقليص الخدمات

وقبل ذلك، تم تقليص الخدمات في المخيمات بنسبة بلغت 80%، بما فيها خدمات الرعاية الطبية وتوزيع الغذاء والماء، التي تقدمها المنظمات الإنسانية بشكل أساسي، وذلك للمساعدة في الحد من التنقلات بغية التصدي لانتشار «كوفيد-19». وتُترجم التأثيرات السلبية المتزايدة لتخفيض الدعم الإنساني طوال أشهر إلى تصاعد حدة التوترات على أرض الواقع بسبب الكفاح اليومي لتلبية الاحتياجات الأساسية، لاسيما بالنسبة لمجتمع يجري بشكل متزايد احتواؤه وتقييده ووضعه في موقف يضطره للاعتماد على المساعدة الإنسانية.

أدّت كل هذه العوامل مجتمعةً إلى تفاقم الإجهاد النفسي الذي يختبره اللاجئون الروهينغا في بنغلاديش، ما جعل حياتهم أكثر صعوبة، واستفحل هذا الإجهاد في نهاية المطاف وتحوّل أخيراً إلى أعمال عنف.

توتر «آسيا»

بدت (آسيا) متوترة للغاية عندما وصلت إلى مستشفى كوتوبالونغ التابع لـ«أطباء بلا حدود». كانت بحاجة إلى البوح لشخص ما عما تعرضت له في أكتوبر خلال اشتباك استمر 12 يوماً بين مجموعتَين من الروهينغا في المخيمات.

بصوت مرتعش، راحت (آسيا) تصف أعمال العنف التي شهدتها قائلةً: «اختبأت في المطبخ مع أطفالي حتى لا نتعرض لأي هجوم. عندما اندلعت أعمال العنف في المخيمات، لم يكن الرجال في المنازل. سمعنا صوت الطلقات النارية والتزمنا الصمت وأغلقنا الأبواب كافة. كنا خائفين ومصدومين».

بعد أعمال العنف، غادر العديد من اللاجئين وأقاربهم ملاجئهم، وانتقلوا إلى أجزاء أخرى من المخيم لم تتأثر بالاشتباكات.

في هذا السياق، تقول مديرة أنشطة الصحة النفسية في منظّمة «أطباء بلا حدود»، كاثي لوستوس، إنه بالرغم من التصعيد الأخير، فإن الوضع ليس ميؤوساً منه، وهناك خطوات يمكن اتّخاذها لتحسين وضع أولئك الذين يعيشون في المخيمات، وبالتالي، صحتهم النفسية. وتضيف قائلةً: «إن أفضل ما يمكن ان يحسن حالة الفرد النفسية هو استعادة الشعور بالأمان. إنّ التمتع بدرجة معينة من الاستقلالية أو السيطرة على المستقبل هو بمثابة أحد العوامل الحاسمة لتوليد شعور بالأمان. ويشمل ذلك أموراً مثل إشراك المجتمعات في عمليات صنع القرار، أو توفير شعور بالاستقلالية والسيطرة على مستقبل الفرد، ويساعد ذلك على التخفيف من الآثار طويلة الأجل للصدمة».

وتُردف لوستوس: «عندما يكون مستقبل مجموعة ما غير مؤكّد، وعندما لا يُدمج السكان في المجتمع، يخلق ذلك شعوراً بانعدام الأمان. أن يشعر المرء بأن حياته مهدّدة هو أمر من شأنه أن يؤدي إلى العجز والاعتقاد بألّا شيء قد يُحدِث فرقاً، ويمكن أن يكون لذلك تأثير كبير في صحة الناس النفسية».

اختبار العنف

وبدورها، اختبرت ليجو، وهي متطوعة في مستشفى كوتوبالونغ، العنف أثناء إقامتها في مدرسة مع عائلتها ووالديها. فتقول، «كنا قد غادرنا منازلنا منذ 20 يوماً تقريباً واحتمينا في مبنى مدرسة داخل المخيم».

بينما تتحدث، تُمسك (ليجو) بورقة وتقوم بلفها مراراً وتكراراً. لاحظ بالطبع طاقم الصحة النفسية في «أطباء بلا حدود» أنها تتجنب التواصل البصري، وأنها ربما تحاول السيطرة على مشاعرها من خلال إبقاء نفسها مشغولة. وتتابع قائلةً: «أنا متوترة ومحبطة فعلاً، وأفكر في المستقبل. تنتابني أفكار متعددة منها ألّا مستقبل أو أمل لنا هنا. نحن محاصرون في هذا المكان، وتجعل القيود المفروضة على الحركة واستحالة الحصول على فرصة عمل حياتنا أشد صعوبة».

على الرغم من التحديات المتعددة المتزايدة، لايزال هناك أمل ينبعث من داخل المخيمات. فيقول (فاروق): «لدي أحلام كثيرة. أريد زيارة أماكن أخرى واستكشافها. أريد العودة إلى منزلي في أراكان، في ولاية راخين في ميانمار، طالما أننا نحصل على العدالة وحقوقنا».


«لوستوس»:

«عندما يكون مستقبل مجموعة ما غير مؤكّد، وعندما لا يُدمج السكان في المجتمع، يخلق ذلك شعوراً بانعدام الأمان. أن يشعر المرء بأن حياته مهدّدة هو أمر من شأنه أن يؤدي إلى العجز، والاعتقاد بألّا شيء قد يُحدِث فرقاً، ويمكن أن يكون لذلك تأثير كبير في صحة الناس النفسية».

طباعة